تقتحم آلات الهدم معالم جبانات القاهرة التاريخية دون أدنى مراعاة لحرمة الموتى، حيث تجرف الجرافات شواهد أسر عريقة وتبدد رفات أسلافهم تمهيدا لمد مسارات الأسفلت والجسور الخرسانية فوق قبور ضاربة في عمق التاريخ الإنساني.
وبينما تتفاقم الضغوط الاقتصادية ووطأة التضخم وتراجع العملة، يتحمل المواطنون كلفة باهظة لنبش عظام موتاهم ونقلها نحو صحراء نائية، ليجد المجتمع نفسه محاصرا بسحق ممنهج لذاكرته الوطنية وهويته العمرانية العريقة دون أي اكتراث رسمي للأبعاد الإنسانية.
إتاوات باهظة وتهجير قسري للرفات
وانطلاقا من هذه التجاوزات، يوضح الدكتور أحمد زعزع، الباحث في التخطيط والتطوير العمراني، أن إخضاع الأهالي لعمليات ترحيل قسري للمدافن يعكس تجاهلا فادحا لحقوق السكان ويفرض أعباء تفوق طاقة الأسر المحاصرة بغلاء المعيشة.
فضلا عن ذلك، رصدت شهادات المتضررين دفع مبالغ تعجيزية مقابل نقل عظام ذويهم، حيث سددت عائلات 10 آلاف و20 ألفا و30 ألف جنيه، بينما اضطرت أسر أخرى لدفع 17 ألف جنيه لوسطاء استغلوا الأزمة الميدانية.
وفي سياق متصل، واجهت أسرة الدكتور هاني إسماعيل مأساة صادمة بالسيدة نفيسة بعدما سددت الرسوم دون العثور على كامل الرفات، ليتكرر المشهد مع مواطنين فقدوا أثر مقابر أجدادهم بحارة الجزارين الملاصقة لمسجد السيدة نفيسة.
علاوة على ذلك، اضطر المهجرون إلى نقل ما تبقى من رفات ذويهم إلى مدينة 15 مايو والصحراء بالروبيكي، لتبدأ رحلة اغتراب مرهقة تستنزف أوقاتهم وأموالهم وتجعل زيارة القبور مهمة شاقة بعد فقدان مواقعها الأصلية.
وبناء على تلك الممارسات، تقلصت مساحات المقابر بشكل تعسفي لافت، حيث تحول مدفن عائلي كانت تبلغ مساحته 920 مترا مربعا إلى مقبرة ضيقة في الروبيكي لا تتجاوز مساحتها 40 مترا مربعا وغير مجهزة للاستخدام.
من ناحية أخرى، تبرز هذه المفارقة الصادمة غياب أي معايير عادلة للتعويض المكافئ، إذ تعاملت الجهات التنفيذية مع المدافن كقطع أراض مجردة، مهدرة القيمة الروحية والاجتماعية التي ارتبطت بها أجيال متعاقبة من العائلات المصرية.
إضافة إلى ذلك، توالت شكاوى المواطنين من تعرضهم للاحتيال المالي المباشر أثناء استخراج الجثامين، في ظل غياب الرقابة الصارمة على مقاولي الحفر والنبش الذين فرضوا إتاوات إضافية تحت وطأة التهديد بجرف المقابر فورا.
تبعاً لذلك، تحولت عملية البحث عن الرفات إلى فاجعة متجددة تعيد إنتاج مشاعر الحزن لدى ذوي المتوفين، ليخوض الأهالي تجربة الفقد للمرة الثانية دون توفير ضمانات رسمية لصون كرامة الموتى وحقوق أسرهم المنكوبة.
سحق التراث التاريخي بمحاور الأسفلت
استنادا إلى الواقع الميداني، تؤكد الدكتورة جليلة القاضي، أستاذة التخطيط العمراني ومديرة الأبحاث بمركز البحوث من أجل التنمية، أن تجريف جبانات القاهرة التاريخية يمثل محوا متعمدا للهوية البصرية والذاكرة المعمارية الاستثنائية للمدينة التراثية.
بالتوازي مع ذلك، أصدرت محافظة القاهرة في شهر أبريل 2024 القرار رقم 2557 لسنة 2024 لوقف الدفن ونقل الرفات قسرا إلى مدافن مدينة العاشر من رمضان، بغرض شق مسار محور صلاح سالم البديل.
من جهة ثانية، طال مخطط الهدم مدفن السياسي البارز محمد محمود باشا بمقابر الإمام الشافعي، وهو طراز معماري نادر يجمع بين الفن المملوكي وطراز الأرت نوفو ويضم رفات 30 فردا من العائلة.
وفي هذا الصدد، جاءت القرارات المعلنة في شهر يونيو 2023 بتشكيل لجان حكومية وبناء مقبرة الخالدين كمحاولة لتبرير إزالة مدافن السيدة نفيسة والإمام الشافعي، دون أن تفلح في وقف تفكيك النسيج العمراني الفريد.
علاوة على ما سبق، امتدت قرارات الإخلاء العشوائي لتشمل رموزا فنية وتاريخية، حيث أخطرت السلطات أسرة الفنان سمير الإسكندراني في شهر ديسمبر 2025 بوجوب نقل رفاته بعد مرور 5 سنوات على رحيله عام 2020.
وعلى نحو مماثل، وثق المخرج المسرحي حسام الدين صلاح في شهر مايو 2026 إجباره على نبش قبر نجله المتوفى منذ 6 سنوات، بعد منحه مهلة لم تتعد 2 يوم، وانتظاره 3 ساعات لحماية الرفات.
في المقابل، تثير المفارقة تساؤلات حارقة حول ازدواجية المعايير، حيث تحظى المقبرة اليهودية بالبساتين بأعمال ترميم وتوثيق وصيانة شاملة، بينما تتعرض مدافن المواطنين المسلمين في المنطقة ذاتها للجرف العنيف بدعوى التطوير وشق الطرق.
اتساقا مع هذه المعطيات، تثبت وقائع الإزالة أن مشروعات المحاور المرورية والجسور تتمدد على حساب التراث الإنساني، محولة أضرحة تاريخية وقبابا أثرية مسجلة إلى مجرد ركام يعوق تدفق السيارات على الطرق السريعة المستحدثة.
غياب التوثيق وانتهاك الكرامة الإنسانية
ارتباطا بهذه التداعيات الخطيرة، يشدد الدكتور حسام إسماعيل، أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة عين شمس، على أن تدمير المدافن المسجلة يمثل انتهاكا غير مسبوق للمواثيق الدولية المعنية بحماية المدن التاريخية وحفظ تراث الشعوب الأصيل.
في غضون ذلك، أظهرت البيانات غير الرسمية إزالة 17 مدفنا مسجلا بقائمة التنسيق الحضاري في شهر أبريل 2023، بينما أدرجت 24 مقبرة ضمن خطط الهدم العاجل من أصل 90 مقبرة ذات قيمة تراثية.
وعلى صعيد متصل، تعمدت الأجهزة التنفيذية تغييب أي حصر رسمي شامل لعدد المقابر التي جرى هدمها منذ شهر أغسطس 2023، مما يحجب الحجم الفعلي للكارثة ويمنع المتضررين من المطالبة بحقوقهم القانونية المشروعة.
فضلا عن ذلك، فاقمت هذه السياسات حالة الاحتقان الشعبي الممتدة منذ انقلاب 3 يوليو، في ظل أزمات متلاحقة تشمل انهيار العملة وغلاء المعيشة وانسداد الأفق السياسي، لتصل يد الأذى إلى كرامة الموتى في قبورهم.
وبناء على تلك التطورات، يجد مئات المواطنين أنفسهم عاجزين عن معرفة المصير النهائي لرفات ذويهم المفقودة، بعدما اختفت تحت وطأة التجريف السريع وعمليات الدفن العشوائي في المقابر الجديدة غير المؤهلة لاستقبال الجثامين.
إضافة إلى ما تقدم، تؤكد المعاناة اليومية للأسر أن كلفة مشروعات الطرق لا تقف عند الموازنات المالية، بل تمتد لتصادر حق الإنسان في تكريم موتاه وزيارتهم دون تكبد مشاق الانتقال إلى الصحاري البعيدة.
تبعاً لهذا المسار القاتم، تتواصل عمليات الجرف تحت ذريعة المصلحة العامة، بينما تفرض الوقائع الميدانية ضريبة قاسية تسلب المجتمع شواهده الحية، وتترك آلاف العائلات تواجه صدمات نفسية واجتماعية غائرة لا تمحوها الطرق الإسفلتية.
ختاماً لهذا المشهد الدامي، تؤكد صرخات الأهالي أن التدمير الممنهج لجبانات القاهرة يشكل انتهاكا جسيما للحقوق الدستورية والآدمية، ويضع علامات استفهام كبرى حول مستقبل التراث الإنساني في ظل إصرار السلطة على تفكيك معالمه التاريخية.

