واصل جيش الاحتلال الإسرائيلي، أمس الثلاثاء واليوم الأربعاء، تصعيد عملياته العسكرية في جنوب لبنان، عبر قصف مدفعي استهدف بلدات وأودية حدودية، بالتزامن مع توغلات برية محدودة لآليات وجرافات إسرائيلية، في وقت تتزايد فيه المخاوف اللبنانية من اتساع المواجهة قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر الجاري.
ويأتي التصعيد بينما تبدو التحركات السياسية والدبلوماسية عاجزة عن فرض تهدئة فعلية أو وضع حد للتحركات الإسرائيلية على الأرض، رغم الاستعدادات لعقد مفاوضات عسكرية محتملة في مدينة تامبا بولاية فلوريدا الأميركية، وسط خشية لبنانية من استغلال الاحتلال الفترة السابقة للانتخابات لزيادة الضغط العسكري وفرض وقائع جديدة جنوباً.
قصف وتوغلات تحت أعين الدولة
وقصف جيش الاحتلال بالمدفعية بلدة المنصوري ووادي السلوقي ووادي زبقين، بينما نفذ عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه بلدة برعشيت، في استمرار لنمط من العمليات العسكرية التي تجعل القرى الحدودية تحت تهديد دائم، وتضاعف المخاوف بشأن سلامة السكان وقدرتهم على العودة إلى منازلهم وممتلكاتهم.
كما توغلت جرافة وثلاث آليات إسرائيلية من منطقة عذرائيل شمالي بلدة كفرشوبا، وشرعت في فتح الساتر الترابي بمنطقة شانوح، قبل أن تصل إلى محيط منازل في حلتا، ثم تنسحب باتجاه مزرعة بسطرة في نطاق مزارع شبعا، بما يعكس استمرار قدرة الاحتلال على التحرك ميدانياً داخل المناطق الحدودية.
وتثير هذه التحركات أسئلة متزايدة حول قدرة المسار السياسي وحده على وقف التوغلات، خصوصاً أن عمليات القصف والتجريف والنسف لا تقتصر تداعياتها على الجانب العسكري، بل تمتد إلى ممتلكات المدنيين والبنية التحتية، وتُبقي آلاف العائلات رهينة الخوف والنزوح وعدم اليقين بشأن مستقبل القرى الجنوبية.
وفي بيروت، حضرت تطورات الجنوب خلال لقاء جمع جوزاف عون بوزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، الذي تحدث عن أهمية تعزيز حضور الدولة في المناطق الجنوبية، مشيراً إلى استمرار الوزارة في اتخاذ إجراءات أمنية إضافية لحماية السكان ومتابعة التطورات في مختلف المناطق اللبنانية، بما فيها العاصمة بيروت.
غير أن الحديث الرسمي عن تعزيز حضور مؤسسات الدولة يصطدم بواقع ميداني أكثر تعقيداً، حيث يمتلك الاحتلال القدرة على القصف والتوغل والانسحاب في توقيت يحدده منفرداً، بينما تبقى التحركات اللبنانية مرتبطة بالاتصالات الخارجية والضغط الدبلوماسي، في ظل اختلال واضح في موازين القوة على الحدود الجنوبية.
مفاوضات غامضة وخشية من التصعيد
وتحاول السلطات اللبنانية منع الملف الجنوبي من الغرق في حالة جمود طويلة، عبر إبقاء قنوات الاتصال مع الولايات المتحدة مفتوحة، خصوصاً مع استمرار العمليات الإسرائيلية التي توسع رقعة الدمار وتعرقل عودة النازحين، بينما لم تسفر التحركات الدبلوماسية حتى الآن عن اتفاق واضح يضمن وقف التصعيد على الأرض.
وتشير المعطيات الواردة من الجانب اللبناني إلى أن المفاوضات المرتقبة في الولايات المتحدة لم تحصل حتى الآن على موعد نهائي ورسمي، كما لم تُحسم أسماء أعضاء الوفد الذي سيشارك فيها، بينما تسعى بيروت إلى أن تجمع المباحثات بين الجانبين السياسي والعسكري بدلاً من حصرها في ترتيبات أمنية محدودة.
ويعكس عدم حسم الموعد أو الوفد حالة الضبابية المحيطة بالمسار التفاوضي، فبينما يجري الحديث عن فرصة محتملة لإحداث خرق سياسي، يواصل جيش الاحتلال عملياته على الأرض، ما يضع لبنان أمام مفارقة واضحة تتمثل في التفاوض على التهدئة بالتزامن مع استمرار القصف والتوغل وفرض الوقائع الميدانية.
وتتركز المخاوف اللبنانية خصوصاً على الفترة التي تسبق الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر، وسط خشية من أن يتحول الجنوب اللبناني إلى ساحة تستخدمها الحكومة الإسرائيلية في حساباتها الداخلية، سواء عبر توسيع العمليات أو رفع سقف التصعيد لإظهار التشدد الأمني أمام الناخب الإسرائيلي قبل موعد الاقتراع.
ولهذا كثفت بيروت اتصالاتها مع الجانب الأميركي، بما في ذلك التحركات عبر السفارة اللبنانية في واشنطن، في محاولة لدفع الولايات المتحدة إلى ممارسة ضغوط تمنع إسرائيل من الذهاب إلى مواجهة أوسع، لكن نتائج هذه الاتصالات لا تزال غير واضحة، بينما يستمر الضغط العسكري على القرى الجنوبية دون ضمانات فعلية.
ويكشف هذا المشهد هشاشة الرهان على الوساطات وحدها، إذ إن مرور الوقت دون اتفاق ملزم يترك الباب مفتوحاً أمام الاحتلال لتحديد مستوى التصعيد ووتيرته، فيما يتحمل المدنيون اللبنانيون الكلفة الأكبر عبر تدمير المنازل وتعطيل الحياة الاقتصادية واستمرار النزوح من المناطق الواقعة تحت التهديد الإسرائيلي المباشر.
اليونيفيل وخطر الفراغ جنوباً
وفي موازاة المخاوف الأمنية، تحرك وفد نيابي لبناني باتجاه رئاستي الجمهورية والبرلمان لتسليم مذكرة وقع عليها 86 نائباً تؤكد التمسك بوجود قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "يونيفيل" في الجنوب، وتطالب بإعادة النظر في القرار 2790 وما يمكن أن يترتب عليه ميدانياً.
وسلّم الوفد دراسة قانونية تتناول الصعوبات التي قد تواجه تنفيذ بعض بنود القرار، ولا سيما مسألة تسليم المواقع التي تنسحب منها قوات "يونيفيل" إلى الجيش اللبناني، في وقت لا تزال فيه قوات الاحتلال موجودة في نقاط على امتداد الخط الأزرق، ما يجعل أي فراغ أممي مصدر قلق سياسي وأمني واسع.
وأكد النائب ملحم خلف، باسم الوفد، أن التحرك يهدف إلى التشديد على التمسك بالقرارات الدولية وبوجود القوات الأممية داخل الجنوب، باعتبارها مظلة توفر قدراً من الحماية للسكان وتساعد في إبقاء طرق وممرات بين عدد من القرى الحدودية وبقية المناطق اللبنانية في ظل الظروف الأمنية الحالية.
وحذر خلف من أن خروج "يونيفيل" قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على قرى جنوبية مثل رميش وعين إبل ودبل، إذ تلعب القوات الأممية دوراً في استمرار بعض الممرات الآمنة والإنسانية، بينما يمكن أن يؤدي غيابها إلى زيادة عزلة هذه القرى ورفع مستوى المخاطر التي تواجه سكانها.
وتتجاوز قضية "يونيفيل" بذلك مسألة وجود قوة دولية على الحدود، لتصل إلى سؤال أكبر بشأن الجهة القادرة على ملء أي فراغ محتمل، خصوصاً مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في عدد من النقاط وتكرار التوغلات والعمليات العسكرية، في وقت تعاني فيه الدولة اللبنانية من محدودية الموارد والإمكانات.
ويضع استمرار التصعيد لبنان أمام مرحلة شديدة الحساسية، فالمفاوضات الأميركية لم تبدأ بعد، والانتخابات الإسرائيلية تقترب، والعمليات العسكرية لا تتوقف، بينما تتزايد المخاوف من أن تتحول الأسابيع المقبلة إلى سباق بين جهود التهدئة ومحاولات الاحتلال توسيع هامش تحركه العسكري وفرض واقع جديد جنوب البلاد.
وبين القصف والتوغلات والاتصالات الدبلوماسية والجدل حول مستقبل "يونيفيل"، يبقى سكان الجنوب الحلقة الأكثر تعرضاً للخطر، إذ يدفعون ثمن جمود السياسة واستمرار الاحتلال في استخدام القوة دون رادع فعلي، بينما يظل أي حديث عن الاستقرار ناقصاً ما دامت المنازل والقرى والطرق عرضة للقصف والاجتياح في أي وقت.

