كشف أول استجواب برلماني في دور الانعقاد الثاني عن مواجهة مباشرة مع وزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت، بعدما اتهمه النائب أحمد السنجيدي بتجاهل تحرك 59 نائبًا، والتعسف في إدارة أزمة العدادات الكودية، وفرض أعباء متلاحقة على المواطنين امتدت بحسب الاستجواب من فواتير الكهرباء إلى بطاقات التموين وقوت الأسر.

 

ووضع الاستجواب الحكومة أمام ملف لا يتعلق بعداد كهرباء فقط، وإنما بطريقة إدارة سلطة تنفيذية لشكوى وصلت إلى البرلمان عبر عشرات النواب، ثم انتهت إلى اتهامات بتجاهل توصيات لجنة مختصة واستخدام الخدمات الأساسية في الضغط على مواطنين دفع كثير منهم بالفعل أموالًا للتصالح وتقنين أوضاع مساكنهم.

 

 

تجاهل البرلمان والهروب من المواجهة

 

وبحسب مذكرة الاستجواب، لم تبدأ الأزمة بموقف فردي من نائب واحد، إذ سبق أن تقدم 59 نائبًا بطلبات إحاطة تعكس شكاوى مواطنين من نظام العدادات الكودية، بما يعني أن الحكومة كانت أمام أزمة ممتدة في دوائر انتخابية متعددة، لا أمام حالات محدودة يمكن دفنها داخل المكاتبات والردود البيروقراطية.

 

وخلال مناقشات لجنة الطاقة، أرسلت وزارة الكهرباء رئيس الشركة القابضة لكهرباء مصر بدلًا من حضور الوزير، ليؤكد بحسب ما أورده الاستجواب أنه لا يملك الاختصاص اللازم لاتخاذ القرارات التي تنهي الأزمة، وهو مشهد يكشف حجم العبث الإداري حين يحضر المسؤول الذي لا يستطيع الحل ويغيب صاحب القرار الفعلي.

 

وبعد ذلك أوصت لجنة الطاقة بحضور محمود عصمت شخصيًا أمامها قبل 30 يونيو لمواجهة الملف والرد على النواب، لكن الاستجواب يقول إن الوزير لم يحضر ولم تظهر حتى الآن معالجة جذرية تنهي المشكلة، بما يحول غياب المسؤول من تفصيل بروتوكولي إلى سؤال سياسي عن قيمة الرقابة البرلمانية نفسها.

 

ولا تبدو المسألة هنا خلافًا عابرًا بين نائب ووزير، لأن المادة 130 من الدستور تمنح أعضاء مجلس النواب أداة الاستجواب لمحاسبة الوزراء عن الملفات الداخلة في اختصاصهم، وبالتالي فإن تجاهل تحرك شارك فيه 59 نائبًا يضع الحكومة أمام اتهام سياسي أثقل من مجرد التأخر في الرد على طلب إحاطة.

 

ويصبح المشهد أكثر فجاجة عندما يحتاج النواب إلى الانتقال من عشرات طلبات الإحاطة وتوصيات اللجنة إلى استجواب رسمي كي يحضر الوزير ويجيب، فالدولة التي تتحدث باستمرار عن مؤسسات تعمل وفق القانون لا يمكنها مطالبة المواطنين باحترام الإجراءات بينما تتعامل وزارة خدمية مع توصيات البرلمان كأنها أوراق قابلة للتجاهل.

 

 

ثلاث عقوبات لمخالفة واحدة

 

وينتقل الاستجواب من أزمة تجاهل البرلمان إلى جوهر أكثر قسوة يتعلق بما وصفه النائب بعقوبات مركبة يدفع ثمنها المواطن نفسه، إذ تبدأ السلسلة من مخالفة بناء يجري التصالح عليها وسداد الأموال المطلوبة للدولة، ثم تستمر الأعباء بدل أن تنتهي بعد الدخول في مسار التقنين وتسوية الوضع القانوني.

 

ووفق طرح السنجيدي، يدفع المواطن أولًا تكلفة التصالح على المخالفة وما يرتبط بها من مبالغ وإجراءات، بما يفترض أن يكون بداية لتسوية وضعه لا بوابة لعقوبات أخرى، لكن الملف يتحول بعدها إلى دائرة لا تنتهي من المدفوعات والاشتراطات التي تجعل التقنين نفسه عبئًا ماليًا مستمرًا على الأسرة.

 

ثم تأتي أزمة العداد الكودي، التي يقول الاستجواب إنها تفرض على المواطن تكلفة مرتفعة لا تراعي بالقدر الكافي وضعه الاجتماعي وقدرته على الدفع، لتتحول الكهرباء من خدمة أساسية يفترض تنظيم الحصول عليها إلى مصدر ضغط إضافي على أسر تواجه أصلًا موجات متلاحقة من ارتفاع الأسعار وتآكل الدخول.

 

أما الحلقة الأخطر في اتهامات الاستجواب فتتعلق بربط مخالفات الكهرباء أو الإجراءات المتصلة بها بالدعم التمويني، لأن نقل العقوبة من ملف مرفق الكهرباء إلى رغيف الخبز والسلع الأساسية يعني أن الإدارة لم تعد تعاقب المواطن داخل نطاق المخالفة نفسها، وإنما أصبحت تلاحقه في احتياجات أسرته اليومية.

 

وهنا لا يصبح السؤال لماذا يدفع المخالف للدولة ما تستحقه فقط، وإنما لماذا يستمر العقاب بعد دفع التصالح والسعي إلى تقنين الكهرباء، ولماذا تدخل بطاقة التموين أصلًا في نزاع يتعلق بمبنى أو عداد، وهي أسئلة تكشف خطورة تحويل قواعد الاستحقاق الاجتماعي إلى امتداد للعقوبات الإدارية خارج نطاق المخالفة الأصلية.

 

وبهذه الطريقة يصبح المواطن محاصرًا بين تصالح دفع ثمنه وكهرباء يحتاج إليها وتموين تعتمد عليه أسرته، بينما تبدو الحكومة في موقع الطرف الذي يملك كل أدوات الضغط دفعة واحدة، وهو وضع لا يشبه تقديم خدمة عامة بقدر ما يفتح الباب أمام اتهام الإدارة باستخدام احتياجات الناس لإجبارهم على الانصياع.

 

 

التموين كسلاح ضد الفقراء

 

ويستند السنجيدي في رفضه لهذه الإجراءات إلى المادة 79 من الدستور التي تكفل الحق في غذاء صحي وكاف، معتبرًا أن حرمان أسرة مستحقة من الدعم بسبب مشكلة مرتبطة بالكهرباء يخلط بين ملفين منفصلين تمامًا ويضع قوت المواطنين داخل منظومة العقوبات بدل أن يبقى حقًا تحكمه قواعد الاستحقاق الاجتماعي.

 

كما يستحضر الاستجواب المادة 53 المتعلقة بالمساواة أمام القانون، لأن جعل نوع عداد الكهرباء أو وضع العقار طريقًا إلى المساس بدعم أسرة محدودة الدخل يطرح سؤالًا مباشرًا عن معيار العدالة، خاصة عندما يكون المواطن قد بدأ بالفعل إجراءات التصالح أو تقدم لتقنين استهلاكه ودفع الأموال التي طلبتها الدولة.

 

وتزداد قسوة الصورة حين تكون الأسرة المحتاجة إلى الخبز والزيت والسكر هي الحلقة الأضعف في النزاع، فالوزارة تستطيع إصدار القرارات والشركات تستطيع احتساب الرسوم والجهات الحكومية تستطيع تبادل البيانات، بينما يبقى المواطن وحده مطالبًا بالتظلم والركض بين المكاتب لإثبات استحقاق كان قائمًا قبل نشوب أزمة الكهرباء.

 

ولا يمكن لحكومة تتحدث عن الحماية الاجتماعية أن تستخدم الدعم من جهة ثم تسمح بتحويله من جهة أخرى إلى ورقة ضغط مرتبطة بمخالفة مختلفة، لأن معنى الحماية الاجتماعية ينهار عندما تصبح لقمة الأسرة قابلة للتعليق بسبب إجراء إداري لا يقيس دخلها ولا ثروتها ولا حقيقة احتياجها إلى الدعم.

 

ولهذا طالب السنجيدي بإدراج الاستجواب في أول جلسة عامة وإلزام محمود عصمت بالحضور والرد، إلى جانب وقف الإجراءات المتعلقة بالعدادات الكودية محل الاعتراض وإعادة تفعيل البطاقات التموينية للمتضررين دون إجبارهم على رحلة تظلمات جديدة، ومراجعة أسعار الكهرباء بما يضع البعد الاجتماعي في صدارة الحسابات.

 

وفي النهاية لا يضع هذا الاستجواب وزير الكهرباء فقط أمام البرلمان، بل يضع نموذجًا كاملًا للإدارة الحكومية أمام سؤال ثقيل عن حدود الجباية وحدود السلطة، فحين يدفع المواطن للتصالح ثم للكهرباء ثم يجد قوت أسرته مهددًا، تصبح المشكلة أكبر من عداد كودي وتتحول إلى اختبار حقيقي لمعنى العدالة واحترام البرلمان وحقوق الفقراء.