تدخل مصر مرحلة اقتصادية جديدة مع اقتراب انتهاء برنامجها الحالي مع صندوق النقد الدولي في منتصف ديسمبر المقبل، بعدما أعلن رئيس حكومة عبدالفتاح السيسي، مصطفى مدبولي أن الحكومة لا تتجه إلى الدخول في برنامج تمويل جديد مع الصندوق، بالتزامن مع استعدادها لإجراء المراجعة الثامنة والأخيرة للبرنامج خلال أواخر أكتوبر الجاري.
ويأتي هذا الإعلان في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بأسعار الطاقة، إذ تشير أحدث وثائق صندوق النقد إلى ضرورة مواصلة تحريك أسعار الوقود والكهرباء نحو استرداد التكلفة، مع توقعات بزيادة أسعار الطاقة مرتين خلال ما تبقى من عام 2026. وبينما تنفي وزارة البترول صدور أي قرار جديد بشأن أسعار المنتجات البترولية حتى الآن، يظل احتمال تحريك الأسعار قائماً في ظل التزامات الحكومة وآلية التسعير التلقائي.
وقال مصطفى مدبولي، خلال مقابلة مع شبكة «CNN الاقتصادية» نُشرت تفاصيلها في 4 أكتوبر الجاري، إن البرنامج الحالي مع صندوق النقد سينتهي في منتصف ديسمبر، وإن مصر لا تحتاج في الوقت الراهن إلى الدخول في مرحلة جديدة من التعاون مع الصندوق. وأوضح أن المراجعة الأخيرة للبرنامج من المقرر أن تبدأ في نهاية أكتوبر، تمهيداً لاستكمال الاتفاق وإنهائه في موعده.
اختبار صعب بعد انتهاء البرنامج
لكن انتهاء برنامج صندوق النقد لا يعني انتهاء الضغوط الاقتصادية المرتبطة بالإصلاحات التي جرى الاتفاق عليها خلال السنوات الماضية. فخروج مصر من إطار البرنامج يضع الحكومة أمام مسؤولية أكبر في توفير احتياجاتها التمويلية والحفاظ على استقرار سوق الصرف والمالية العامة، خصوصاً في ظل استمرار أعباء الدين واحتياجات النقد الأجنبي.
وتبرز الطاقة باعتبارها أحد الملفات الأكثر حساسية في هذه المرحلة. فبحسب أحدث التقارير المرتبطة ببرنامج صندوق النقد، يتعين على الحكومة مواصلة مسار رفع أسعار الطاقة بهدف الاقتراب من استرداد التكلفة الاقتصادية، مع تقليص الدعم غير الموجه وإتاحة مساحة أكبر للإنفاق على الحماية الاجتماعية والاستثمارات ذات الأولوية.
وتأتي هذه التوصيات في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط العالمية إلى مستويات تجاوزت 100 دولار للبرميل خلال سبتمبر، وهو ما يزيد تكلفة استيراد الطاقة بالنسبة إلى مصر، ويضغط في الوقت نفسه على الموازنة والحساب الجاري.
وفي المقابل، فإن تمرير ارتفاع تكلفة الطاقة إلى المستهلك يرفع احتمالات زيادة التضخم، خصوصاً أن الوقود يدخل بصورة مباشرة وغير مباشرة في النقل والزراعة والصناعة وسلاسل توريد السلع والخدمات.
زيادات محتملة في أسعار الطاقة
تشير أحدث وثائق صندوق النقد إلى أن أسعار الوقود قد ترتفع مرتين خلال ما تبقى من عام 2026، بعدما كان التقدير السابق يتحدث عن ثلاث زيادات خلال الفترة نفسها. ويرتبط ذلك بتعهدات مصر المتعلقة باستمرار تطبيق آلية التسعير التلقائي للمحروقات.
وتقوم الآلية على مراجعة أسعار البنزين والسولار والمازوت بصورة دورية، مع ارتباطها بعوامل من بينها سعر خام برنت وسعر صرف الجنيه وتغيرات التكلفة الأخرى، مع حد أقصى للتغيير في كل مراجعة.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، بلغ سعر خام برنت 104.56 دولارات للبرميل في 17 سبتمبر الماضي، و105.67 دولارات في 25 سبتمبر، بينما تجاوز السعر حاجز 100 دولار في عدة أيام خلال الشهر.
وتضع هذه المستويات الحكومة أمام معادلة صعبة، لأن ارتفاع أسعار النفط يزيد تكلفة الطاقة المستوردة، بينما يؤدي تمرير هذه الزيادة إلى السوق المحلية إلى تحميل المواطنين والشركات أعباء إضافية.
وتبلغ مخصصات دعم الطاقة في موازنة العام المالي 2026-2027 نحو 123.5 مليار جنيه، بينها حوالي 78.5 مليار جنيه لدعم الوقود، وفق البيانات المشار إليها في تقرير صندوق النقد، مقابل مستويات أعلى خلال السنوات المالية السابقة.
الحكومة تنفي زيادة جديدة
رغم الضغوط والتوقعات، نفت وزارة البترول والثروة المعدنية صدور قرار جديد بشأن أسعار المنتجات البترولية.
وقالت الوزارة إن ما يتم تداوله عبر بعض صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي عن أسعار جديدة للوقود غير صحيح، مؤكدة استمرار العمل بالأسعار الحالية، ومشيرة إلى أن لجنة متابعة آلية التسعير التلقائي للمنتجات البترولية لم تجتمع حتى الآن، وبالتالي لم يصدر عنها قرار أو توصية بتحريك الأسعار.
في المقابل، توقع رئيس الشعبة العامة للمواد البترولية في اتحاد الغرف التجارية حسن نصر ارتفاع أسعار البنزين والسولار خلال الفترة المقبلة بنسبة تتراوح بين 10% و15%، معتبراً أن إقرار الزيادة بات مسألة وقت.
ويعكس هذا التباين بين التوقعات الاقتصادية والنفي الرسمي حالة الترقب المحيطة بملف الوقود، خصوصاً مع اقتراب موعد المراجعة الأخيرة لبرنامج صندوق النقد.
السولار الحلقة الأكثر حساسية
يرى خبير الطاقة وائل بدوي أن احتمال تعديل أسعار المحروقات والكهرباء قائم في ضوء التزامات الحكومة مع صندوق النقد وعودة تطبيق آلية التسعير التلقائي، لكنه شدد على صعوبة تحديد نسبة الزيادة أو موعدها قبل صدور قرار رسمي.
وأوضح أن معادلة التسعير لا تعتمد على سعر النفط وحده، وإنما تتأثر أيضاً بسعر صرف الجنيه أمام الدولار، إلى جانب عناصر تكلفة أخرى وتسويات سابقة والتغيرات الفصلية.
وأشار إلى أن السولار يمثل الحلقة الأكثر حساسية في أي زيادة محتملة، بسبب استخدامه الواسع في النقل والزراعة وسلاسل الإمداد، ما يجعل ارتفاع سعره قابلاً للانتقال سريعاً إلى أسعار السلع والخدمات.
ومن ثم، فإن أي تحريك لسعر السولار لا يمثل مجرد تعديل في فاتورة الوقود، وإنما قد ينعكس على تكاليف نقل البضائع والإنتاج الزراعي والصناعي، وبالتالي على أسعار المستهلكين.
ودعا بدوي إلى أن تكون أي زيادات تدريجية ومرتبطة بمعادلة واضحة وشفافة، مع توجيه جزء من الوفر المالي الناتج عنها إلى حماية الفئات الأكثر تضرراً.
وأضاف أن العدالة في تطبيق آلية التسعير تتطلب، في المقابل، خفض الأسعار عندما تنخفض عناصر التكلفة بصورة مستدامة، وليس الاقتصار على تمرير الزيادات إلى المستهلك.
الطاقة بين الأزمة والحماية الاجتماعية
من جانبه، يرى خبير الطاقة عطية عطية أن مصر تواجه مرحلة انتقالية صعبة في ظل التطورات العسكرية والأزمات المتلاحقة في منطقة الخليج وما حول إيران، مشيراً إلى أن استمرار الصدمات الخارجية يفرض أعباء على الدولة والمواطن في الوقت نفسه.
وأشار إلى أن تحسن وضع الطاقة المصرية خلال الفترة المقبلة يمكن أن يخفف بعض الضغوط، خصوصاً مع التطورات المرتبطة بالغاز وإمكانية زيادة الاستفادة من البنية التحتية المصرية في إسالة الغاز وتصديره إلى الأسواق الأوروبية.
لكنه شدد على أن التطورات العالمية والإقليمية تظل عاملاً مؤثراً في تكلفة الطاقة، وأن تحريك الأسعار، إذا تم، لن يكون بالضرورة دفعة واحدة، وإنما يمكن أن يجري تدريجياً وعلى مدى زمني أطول.
ويضع ذلك الحكومة أمام ضرورة الموازنة بين هدف تقليص دعم الطاقة وبين حماية القوة الشرائية للمواطنين، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة.

