تكشف أزمة تنسيق كليات ومعاهد الهندسة عن خلل أعمق من مجرد انخفاض درجات القبول، إذ تتسع الفجوة بين سياسة التوسع التعليمي واحتياجات سوق العمل، بينما يتحمل الخريجون وحدهم كلفة البطالة وتراجع الأجور.

 

وتضع الأرقام المعلنة الحكومة أمام سؤال مباشر حول جدوى استمرار ضخ آلاف الخريجين سنويًا في سوق مشبع، خصوصًا مع وجود مؤسسات تقبل عند 64 و67 بالمئة مقابل جامعات حكومية تبدأ قرب 86 بالمئة.

 

 

توسع القبول يصنع فائضًا خطيرًا

 

يحذر المهندس رضا الشافعي، وكيل نقابة المهندسين، من أن منظومة التعليم الهندسي تضم 152 مؤسسة بين جامعات حكومية وخاصة وأهلية ومعاهد، وتنتج قرابة 29 ألف مهندس سنويًا، فوق الاحتياجات المقدرة للسوق.

 

ويرى الشافعي أن انخفاض التنسيق إلى 64 و67 بالمئة ليس تفصيلًا إداريًا، بل جرس إنذار لأزمة صنعتها سياسات القبول، لأن زيادة الخريجين تضغط على فرص العمل والأجور ومستوى الممارسة المهنية.

 

وتكشف المقارنة بين 29 ألف خريج حاليًا والمستهدف الذي دار حول 20 إلى 25 ألفًا أن منظومة القبول تتحرك أسرع من قدرة السوق على الاستيعاب، بما يوسع صفوف الباحثين عن فرص.

 

ولا تتوقف المشكلة عند عدد الخريجين، لأن فتح أبواب بعض المؤسسات عند حدود منخفضة جدًا مقارنة بالجامعات الحكومية يخلق تفاوتًا كبيرًا في مدخلات التعليم، ثم يترك النقابة والسوق لمواجهة النتائج بعد التخرج.

 

ويزداد القلق مع حديث النقابة عن بطالة حقيقية ومقنعة بين المهندسين، في وقت تدفع فيه وفرة المعروض بعض الخريجين لقبول أجور متدنية لا تتناسب مع سنوات الدراسة أو المسؤوليات الفنية المرتبطة بالمهنة.

 

وتعني هذه المعادلة أن سياسة زيادة المقاعد قد تحقق توسعًا عدديًا في التعليم، لكنها لا تضمن توسعًا مماثلًا في الوظائف، وهو ما يحول الشهادة من بوابة للترقي إلى بداية انتظار طويل.

 

وتتجاهل الزيادة المستمرة حقيقة أن الهندسة ليست تخصصًا نظريًا يمكن امتصاص فائضه بسهولة، بل مهنة ترتبط مباشرة بالتصميم والتنفيذ والبنية الأساسية وسلامة المنشآت، ما يجعل جودة الإعداد مسألة أمان عام.

 

ويطالب الشافعي بتقليص الفارق في الحدود الدنيا بين التعليم الحكومي والخاص والأهلي والمعاهد إلى نحو 10 بالمئة، ثم خفضه تدريجيًا، بدل ترك فجوات واسعة تثير أسئلة مشروعة حول معايير القبول.

 

وتكشف مطالبة النقابة نفسها بإجراء دراسة لتحديد الاحتياجات الطبيعية للسوق أن القرارات السابقة لم تعتمد، بالقدر الكافي، على خريطة دقيقة تربط أعداد المقبولين بالتخصصات المطلوبة وفرص التشغيل الفعلية.

 

 

تنسيق منخفض وجودة تحت الضغط

 

يؤكد الدكتور محمد عبدالغني، نقيب المهندسين، أن قبول طلاب عند 67 بالمئة لا يتناسب مع طبيعة الدراسة الهندسية وحجم المسؤولية المهنية، مطالبًا بإعادة النظر في سياسات القبول وأعداد الطلاب بشكل فعلي.

 

وتكتسب ملاحظات عبدالغني خطورتها من كون المهندس مسؤولًا لاحقًا عن منشآت وطرق ومصانع ومشروعات بنية أساسية، ما يجعل التساهل في بوابة القبول قضية تتجاوز حق الطالب إلى سلامة المجتمع.

 

ولا يعني ذلك أن المجموع وحده يحسم كفاءة المهندس، لكنه مؤشر أولي ضمن منظومة يجب أن تشمل معامل قوية وتدريبًا حقيقيًا ومناهج حديثة وهيئات تدريس مؤهلة واختبارات تضمن الحد الأدنى من الجدارة.

 

لكن التوسع في إنشاء مؤسسات هندسية دون ضبط متوازٍ للطاقة التدريبية والمعامل والكوادر يجعل زيادة المقاعد هدفًا عدديًا، بينما تظل جودة التجربة التعليمية متفاوتة بين مؤسسة وأخرى بصورة يصعب تجاهلها.

 

وتظهر الأزمة بوضوح حين تتجاور نسب قبول متباعدة بشدة داخل التخصص نفسه، لأن الطالب الذي يدخل مؤسسة عند 64 بالمئة يدرس في النهاية للحصول على لقب مهني يماثل خريجًا بدأ من 86 بالمئة.

 

ولا تقدم الحكومة حتى الآن تفسيرًا علنيًا مقنعًا لكيفية التوفيق بين هذا التفاوت وبين الحديث الرسمي عن رفع جودة التعليم وربطه بسوق العمل، خصوصًا مع اعتراض النقابة المتكرر على اتساع فجوة التنسيق.

 

وتكشف تصريحات النقابة خلال 2026 أن الأزمة ليست مفاجئة، فقد طرحت هدفًا بخفض المقبولين إلى قرابة 20 ألف طالب، بينما انتهى الواقع إلى استمرار تدفق أعداد أكبر من احتياجات السوق المقدرة.

 

ويضع ذلك وزارة التعليم العالي أمام مسؤولية مضاعفة، لأنها لا تدير مجرد أعداد مقاعد جامعية، بل تتحكم في بوابة مهنة حساسة، وأي خلل في التخطيط يمتد أثره سنوات بعد التخرج.

 

وإذا كانت الدولة تريد توسيع فرص التعليم، فإن التوسع غير المرتبط بالاحتياج المهني قد يتحول إلى عبء اقتصادي واجتماعي، عندما تنفق الأسر سنوات وأموالًا على شهادة لا تجد أمامها سوقًا كافيًا.

 

 

سوق مشبع وأجور تتآكل

 

يقول المهندس أحمد رمزي، رئيس شعبة الهندسة المدنية السابق بنقابة المهندسين، إن عدد المهندسين في مصر تجاوز المليون، بينما لم تنم فرص العمل بالمعدل نفسه، ووصلت تخصصات هندسية إلى مرحلة تشبع واضحة.

 

وتعكس هذه الشهادة جوهر الأزمة، فالمشكلة لا تبدأ يوم تخرج الطالب، بل قبل دخوله الكلية، حين تسمح سياسة القبول بإضافة دفعات جديدة إلى تخصصات لا تملك فرصًا كافية لاستيعاب السابقين.

 

ويؤدي تضخم المعروض من المهندسين إلى إضعاف قدرة الخريج على التفاوض بشأن الأجر، ويمنح أصحاب الأعمال مساحة أوسع لفرض رواتب منخفضة، بما يخلق سوقًا تستفيد من البطالة بدل معالجة أسبابها.

 

وتصبح المفارقة أكثر قسوة عندما يكون الخريج مطالبًا بتحمل مسؤوليات فنية كبيرة مقابل دخل محدود، لأن انخفاض الأجور لا يهدد مستوى المعيشة فقط، بل قد يضعف الاستثمار في التدريب والتطوير المستمر.

 

ويشير رمزي إلى أن بعض التخصصات ما زالت تملك فرصًا أفضل، بينما وصلت تخصصات أخرى إلى الاكتفاء، وهو ما يكشف قصور سياسة موحدة للقبول لا تميز بدقة بين احتياجات القطاعات المختلفة.

 

ويعني ذلك أن المطلوب ليس مجرد تقليل شامل للأعداد، وإنما تخطيط تفصيلي يحدد احتياجات كل تخصص لسنوات مقبلة، ويربط القبول بحجم المشروعات والاستثمارات والتحولات التكنولوجية الفعلية داخل الاقتصاد.

 

كما يحتاج الإصلاح إلى رقابة صارمة على جودة المؤسسات نفسها، لأن معالجة الأزمة بخفض التنسيق أو رفعه فقط ستظل ناقصة إذا بقيت الفروق في المعامل والتدريب والمناهج وأعضاء هيئة التدريس واسعة.

 

ويكشف إصرار النقابة على دراسة احتياجات السوق لعشر سنوات أن التخطيط الحكومي الحالي لم يصل بعد إلى مستوى يمنع تكرار الأزمة، رغم أن المؤشرات عن التشبع والبطالة وتراجع الأجور مطروحة منذ سنوات.

 

وتدفع الأرقام الحالية نحو استنتاج واضح بأن استمرار قبول أعداد كبيرة بمجاميع منخفضة، دون خريطة معلنة للاحتياجات، يهدد بتحويل التعليم الهندسي إلى ماكينة لإنتاج خريجين أكثر من إنتاج فرص مهنية مستقرة.

 

وتحتاج الحكومة إلى نشر بيانات سنوية شفافة عن أعداد المقبولين والخريجين والبطالة والتخصصات المطلوبة، لأن إدارة الملف بالتصريحات العامة وحدها تترك الطلاب والأسر أمام قرارات مصيرية بلا معلومات كافية.