يفتح اتجاه بنك مصر لتصفية شركته التابعة مصر للصكوك بعد نحو أربع سنوات فقط من تأسيسها ملفًا يتجاوز مصير شركة محدودة رأس المال إلى أسئلة أوسع بشأن التخطيط والجدوى وإدارة الاستثمارات التابعة للمؤسسات العامة.

 

تكشف المعلومات المتاحة أن الشركة لم تحقق أي إيرادات منذ تأسيسها نهاية 2022، بينما أدت القيود التنظيمية المفروضة على مشاركة البنوك في سوق الصكوك إلى زيادة صعوبة استمرار النشاط والوصول في النهاية إلى التصفية.

 

 

أربع سنوات انتهت بلا إيرادات

 

تأسست مصر للصكوك برأسمال عشرة ملايين جنيه، يمتلك بنك مصر ثمانين بالمئة منه، بينما تتوزع النسبة المتبقية بالتساوي بين بنك الاستثمار القومي وبنك ناصر الاجتماعي، بما يجعل ملكية الشركة حكومية بالكامل تقريبًا.

 

وحصلت الشركة في مارس 2023 على ترخيص لمزاولة نشاط إصدار الصكوك، وحددت أغراضها في إصدار وإدارة الصكوك داخل مصر وخارجها، لتوفير أداة تمويل بديلة أمام الشركات والمشروعات الباحثة عن التمويل المتوافق مع الشريعة.

 

لكن النتيجة بعد نحو أربع سنوات جاءت ثقيلة، فالشركة لم تحقق إيرادات منذ انطلاقها، بينما أصبح استمرارها غير مجد اقتصاديًا، وفق المعلومات المتاحة عن أسباب تحرك بنك مصر باتجاه إنهاء نشاطها وتصفيتها.

 

وتثير هذه الحصيلة تساؤلًا حول دراسة الجدوى التي سبقت التأسيس، وحجم الأعمال المتوقع، وعدد الإصدارات التي كانت الإدارة تستهدف تنفيذها، ومدى واقعية الافتراضات التي بني عليها قرار إنشاء شركة متخصصة للصكوك.

 

فإنشاء شركة وترخيصها وتوفير رأسمال وإدارة وهيكل تشغيلي لها يفترض وجود تصور واضح للسوق المستهدفة، بينما تكشف النهاية الحالية أن النشاط لم يوفر تدفقات إيرادية تسمح للشركة ببناء نموذج أعمال قابل للاستمرار.

 

وينتقد الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب، وهو من المنتقدين للسياسات الاقتصادية الحكومية، اعتماد الدولة على مسارات مالية لا يصاحبها في كثير من الأحيان ما يراه أدوات تنفيذ واضحة قادرة على تحقيق النمو المستهدف.

 

ويرى عبد المطلب في تحليلاته الاقتصادية أن معالجة الاختلالات تحتاج إلى أدوات تنفيذية وإنتاجية أكثر وضوحًا، بدلًا من التوسع في حلول مالية لا تعالج جذور المشكلات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد المصري.

 

وتكتسب انتقاداته أهمية عند قراءة تجربة مصر للصكوك، لأن المشكلة لا تبدو مرتبطة بغياب الإطار القانوني، فقد حصلت الشركة على الترخيص بالفعل، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الترخيص إلى نشاط وإيرادات فعلية.

 

كما أن سوق الصكوك نفسها لم تكن متوقفة تمامًا، إذ شهدت مصر ستة إصدارات خلال الفترة من 2020 وحتى 2024 بقيمة إجمالية بلغت نحو 12.85 مليار جنيه، وفق البيانات الرسمية المعلنة.

 

وتسارعت الإصدارات لاحقًا، حيث شهد العام الماضي خمسة إصدارات بقيمة إجمالية بلغت 20.7 مليار جنيه، وهو ما يجعل عدم تحقيق الشركة إيرادات طوال سنوات أكثر احتياجًا إلى تفسير واضح من مساهميها وإدارتها.

 

فوجود إصدارات فعلية بعشرات المليارات يعني أن السؤال لا يتعلق فقط بوجود سوق من عدمه، وإنما بنصيب الشركة منها وقدرتها على المنافسة واستقطاب العملاء وتحويل فرص التمويل القائمة إلى عمليات مدرة للإيرادات.

 

 

القيود التنظيمية تضيق السوق

 

واجه نشاط الشركة عاملًا إضافيًا تمثل في تشديد الضوابط على مشاركة البنوك في عمليات إصدار الصكوك، بعدما أصبح حصول البنوك على موافقة مسبقة من البنك المركزي شرطًا قبل الدخول في تلك العمليات.

 

ولا يعني تشديد الرقابة التنظيمية في ذاته وجود خطأ، لكنه يطرح تساؤلًا عن مستوى التنسيق المؤسسي عندما تؤسس جهات عامة شركة متخصصة ثم تصبح البيئة المنظمة لنشاطها أكثر تقييدًا خلال سنوات قليلة.

 

ويبدو التناقض واضحًا بين تأسيس شركة بغرض توسيع نشاط الصكوك وبين وصولها لاحقًا إلى غياب الجدوى الاقتصادية، خصوصًا مع استمرار الجهات الرسمية في الحديث عن تطوير أدوات التمويل غير المصرفية وتوسيع قاعدة الإصدارات.

 

ويعد الدكتور مصطفى شاهين، أستاذ الاقتصاد بجامعة أوكلاند، من أبرز المنتقدين للسياسات الاقتصادية الحكومية، وقد حذر خلال أغسطس من الاعتماد على أدوات الصكوك الضريبية باعتبارها حلًا لمشكلات التمويل القائمة.

 

وأكد شاهين في تحليله للصكوك الضريبية أن المشكلة الأساسية تظل مرتبطة بالنشاط الإنتاجي والسيولة وقدرة الاقتصاد على توليد الموارد، محذرًا من حلول تمويلية قد تؤجل الأزمة بدلًا من التعامل مع أسبابها الاقتصادية الأساسية.

 

ورغم اختلاف الصكوك الضريبية التي ناقشها شاهين عن نشاط مصر للصكوك، فإن رؤيته تعيد طرح القضية الأساسية نفسها، وهي أن الأداة المالية وحدها لا تستطيع النجاح إذا غابت البيئة الاقتصادية التي تولد الطلب والاستثمار.

 

وتفرض تجربة الشركة سؤالًا بشأن ما إذا كانت القيود التنظيمية الحالية متوقعة عند التأسيس، وإذا لم تكن كذلك، فلماذا لم يجر تعديل نموذج أعمال الشركة أو توسيع أنشطتها قبل الوصول إلى قرار التصفية.

 

وتثير القضية أيضًا مسألة التنسيق بين البنك المركزي والبنوك الحكومية والجهات الرقابية على الأنشطة المالية غير المصرفية، خصوصًا عندما تتقاطع الاختصاصات التنظيمية مع شركات تأسست بأموال مؤسسات مملوكة للدولة.

 

فإذا كان الهدف الرسمي هو تنويع أدوات التمويل وجذب المستثمرين، فإن خروج شركة تابعة لأحد أكبر البنوك الحكومية من سوق الصكوك يستدعي تفسيرًا يتجاوز عبارة غياب الجدوى الاقتصادية إلى أسباب هذا الغياب.

 

ولا تكفي الإشارة إلى القيود التنظيمية وحدها لتفسير التجربة، لأن السؤال يبقى قائمًا حول الإجراءات التي اتخذت طوال السنوات الماضية لتجاوزها، ومدى وجود محاولات لإعادة الهيكلة أو تعديل استراتيجية الشركة قبل التصفية.

 

 

التصفية تفتح ملف المسؤولية

 

من المقرر أن تنعقد الجمعية العامة لمصر للصكوك خلال سبتمبر لمناقشة قرار التصفية، على أن تتبع ذلك الإجراءات القانونية والتنظيمية اللازمة، وهو ما يعني أن إنهاء نشاط الشركة لا يزال يمر بمراحله المؤسسية.

 

ويفتح الاجتماع المرتقب الباب أمام أسئلة تتعلق بما ستعرضه الإدارة على المساهمين من بيانات حول المصروفات والخسائر والتزامات الشركة وأسباب غياب الإيرادات، وما إذا كانت بدائل الاستمرار خضعت لدراسة حقيقية.

 

ولا توجد حتى الآن معلومات معلنة كافية تحدد إجمالي الخسائر المتراكمة أو تكلفة التشغيل منذ التأسيس، ولذلك لا يمكن احتساب التكلفة المالية النهائية للتجربة قبل ظهور القوائم والبيانات التفصيلية المرتبطة بعملية التصفية.

 

لكن عدم تحقيق إيرادات منذ نهاية 2022 يظل مؤشرًا مهمًا في تقييم التجربة، خصوصًا لشركة أنشئت بهدف تجاري محدد، وحصلت على ترخيص رسمي، ووقفت خلفها ثلاثة كيانات مالية عامة كبيرة.

 

ويعد ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي والنقيب السابق للصحفيين، من المنتقدين لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الحكومي، ويرى أن مشكلات الاقتصاد المزمنة ما زالت قائمة رغم سنوات من البرامج والإجراءات المتلاحقة.

 

وانتقد الولي خلال 2026 استمرار فجوات الاقتصاد المصري بين الصادرات والواردات والادخار والاستثمار وعجز الموازنة، معتبرًا أن برامج الإصلاح المتعاقبة لم تنجح حتى الآن في معالجة عدد من الاختلالات الهيكلية الأساسية.

 

وتضع رؤيته تجربة مصر للصكوك في سياق أوسع يتعلق بكفاءة القرارات الاقتصادية العامة، لأن المشكلة ليست في إغلاق شركة غير مجدية فقط، وإنما في معرفة كيف اتخذ قرار تأسيسها وما تحقق منه.

 

ويظل رأس المال البالغ عشرة ملايين جنيه جزءًا فقط من الصورة، لأن أي شركة جديدة تستنزف أيضًا وقتًا إداريًا ونفقات تشغيلية وجهودًا للحصول على التراخيص وبناء الهياكل وتجهيز النشاط وجذب العملاء المحتملين.

 

ومن ثم فإن تقييم التجربة يحتاج إلى نشر معلومات توضح حجم ما أنفق بالفعل، وعدد العمليات التي حاولت الشركة الدخول فيها، والأسباب التي حالت دون تحقيق الإيرادات، والمسؤولية الإدارية عن عدم الوصول إلى المستهدفات.

 

كما يستحق الأمر توضيح ما إذا كان قرار التصفية جاء بعد دراسة بدائل مثل إعادة الهيكلة أو دمج الشركة في كيان آخر أو تغيير نموذجها التشغيلي أو إدخال شركاء جدد يمتلكون خبرة أكبر.

 

وتزداد أهمية هذه الإجابات لأن الحكومة تعلن بصورة متكررة رغبتها في تحسين كفاءة إدارة الأصول العامة وتقليص أوجه الهدر، وهي أهداف يصبح قياسها مرتبطًا بالشفافية في عرض نتائج التجارب التي لم تحقق أهدافها.

 

ولا تعني تصفية شركة فشلت في تحقيق الإيرادات بالضرورة أن قرار الإغلاق نفسه سلبي، فقد يكون وقف النشاط غير المجدي اقتصاديًا أكثر كفاءة من الاستمرار في ضخ الأموال داخل كيان لا يحقق عائدًا.

 

لكن القضية الأهم تظل في المرحلة التي سبقت التصفية، وتحديد ما إذا كانت مؤشرات التعثر ظهرت مبكرًا، ولماذا استمر النشاط لسنوات دون إيرادات، ومتى توصل المساهمون إلى أن الاستمرار لم يعد مجديًا.

 

وتحول هذه الأسئلة ملف مصر للصكوك من خبر مصرفي محدود إلى حالة تستحق المراجعة، لأنها تجمع بين ملكية حكومية كاملة تقريبًا ونشاط متخصص وسوق شهدت إصدارات فعلية، مقابل شركة انتهت سنواتها بلا إيرادات.

 

وتبقى الإجابة المطلوبة ليست فقط لماذا جرى اتخاذ قرار التصفية، وإنما لماذا وصلت الشركة أصلًا إلى هذه النهاية بعد أربع سنوات، وما الدروس التي ستطبق لمنع تكرار التجربة في شركات عامة جديدة.