وائل قنديل
كاتب صحافي مصري
أن يجتمع العرب والإيرانيون في مدينة صلالة العمانية العربية، كما كان معلنًًا، اليوم، فهذا يمثّل فرصةً حقيقيةً لتنقية مفهوم الأمن القومي العربي، والأمن الإقليمي، من الملوّثات الصهيونية والأميركية التي أوجدت هذه الحالة من الضياع الحضاري، التي لا يفيد منها سوى العدو التاريخي للطرفَيْن العربي والإيراني.
وفي هذه الظروف العصيبة، يبقى تعزيز العمل المشترك لإدارة الملاحة والممرّات المائية الإقليمية بين العرب وإيران، بعيدًا من الوصاية الأميركية، وبما يضمن علاقات جوار مستقرّة ومحترمة بين الطرفَيْن، عملًا يستحقّ الترحيب والدعم، لأنّه يمثّل طريقًا لاستعادة حالة تاريخية مستقرّة منذ آلاف السنين بين جارَيْن أصليَّيْن، بينهما كثير من نقاط الاختلاف والاتفاق، وربّما التنافس الحضاري، إلّا أنّها لم تكن، ولا يجب أن تكون، حالة عداء. وخصوصًا أنّ القضية المحورية في المنطقة، أو هكذا نظنّ، هي نقطة التقاء بين الطرفَيْن. ولعلّ الإصرار العربي على مشاركة إيران في أوّل قمّة عربية إسلامية بعد العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني (قمّة الرياض، في 11 في نوفمبر 2023) يذكّر جميع الأطراف بحقيقة أنّ ما بين العرب وإيران ليس عداءً.
الثابت أنّ الحديث عن الأمن القومي العربي كان طوال الوقت مرتبطًا بفكرة المواجهة مع الخطر الصهيوني، وبهذا المعنى كان هذا الأمن العربي يبدأ من فلسطين وينتهي عندها، إذ كان مفهوم العروبة الحقيقية واضحًا وساطعًا في أنّها تناقض مع الاحتلال الإسرائيلي وتوحّد مع حلم تحرير فلسطين وكلّ أرض عربية محتلّة. ولذلك، بدت مواقف حكومات مثل جنوب أفريقيا وكولومبيا وإسبانيا، في لحظة ما، أكثر عروبةً من مواقف دول عربية كثيرة.
أمّا وقد صرنا في العام السادس والعشرين من الألفية الثالثة، فإنّه يجري ترويج مفهوم فاسد للعروبة، يمكنك أن تطلق عليه "العروبة الترامبية"، وهي طور أشدّ خطرًا من تلك العروبة الأميركية التي انتشرت قبل سنوات، وعبّرت عن نفسها في محطّات عديدة منذ قرّرت الدولة العربية الأكبر، في السبعينيّات، أن 99 % من أوراق اللعبة في الشرق الأوسط بيد أميركا، التي باتت منذ ذلك الوقت المرجعية التي تحدّد علاقة العرب بقضية فلسطين.
في هذه المرحلة المروِّعة من "العروبة الترامبية"، ثمّة مشروع خطير يعمل على تكريس معادلة عدمية جديدة تقوم على إنتاج خطاب سياسي وإعلامي فاسد يربط مفهوم الأمن القومي العربي بضرورة التناقض والمواجهة مع خطر إيراني مزعوم يطمع في السيطرة على الدول العربية. وهذا المشروع لم يظهر فقط على هامش الحرب الأميركية الإسرائيلية ضدّ إيران (اندلعت في فبراير 2026) وحلفائها من حركات المقاومة العربية، بل يرجع إلى أبعد بكثير. ولعلّ أوضح تعبير عنه ما نُشر في صحيفة عربية سعودية استباقًا لقمّة عربية انعقدت في السعودية، فكتب رئيس تحريرها يقول: "اليوم لا خيار أمام العرب سوى المصالحة مع إسرائيل، وتوقيع اتفاقية سلام شاملة، والتفرّغ لمواجهة المشروع الإيراني في المنطقة، وبرنامجها النووي، ووضع حدّ لتدخّلاتها في الشؤون العربية، وهو خيار لا يقبل أيّ تبرير أو تأخير، أو حتّى مساومات ومزايدات على القضية الفلسطينية؛ لأنّ إيران تشكّل تهديدًا مباشرًا على الكلّ".
وفيما بعد، وقع ما هو أسوأ وأخطر، حين شاركت دول عربية في قمّة دعا إليها الكيان الصهيوني، في 28 مارس 2022، حضرها وزراء خارجية ستّ دول، بمَن فيهم وزير الخارجية الأميركي، على أرض مدينة النقب في فلسطين المحتلّة، لبحث الاصطفاف ضدّ ما سمّوه "الخطر الإيراني". لتتوالى لاحقًا مشاهد مخزية للنظام العربي، مستسلمًا حدّ الانبطاح للرؤية الأميركية لما ينبغي أن تكون عليه علاقة العرب بأنفسهم، وعلاقتهم بالاحتلال الصهيوني. إذ بات هناك إصدار جديد من العروبة لا يعبّر عن التاريخ والهُويّة الحقيقية للوجود العربي، الأمر الذي صارت معه إسرائيل تفرض نفسها بإرهاب القوّة العسكرية المدعوم بمظلّة أميركية، عسكرية وسياسية، لقيادة (وريادة) الشرق الأوسط، وتعلن كلّ يوم أنّها لن تسمح بوجود قوّة عسكرية غيرها في المنطقة، سواء عربية أو إيرانية، فيذهب رئيس حكومة الاحتلال بكامل هيئته العسكرية لتفقد المناطق الجديدة المقتطعة من سورية ولبنان.
في مقابل إسرائيل العسكرية التي تفرض واقعًا ديموغرافيًا جديدًا بقوة ترسانتها من السلاح الأميركي، تعجّ البلدان العربية بمظاهر العسكرة الطاغية على كلّ شيء، من الاقتصاد إلى الثقافة والدراما وشؤون الحكم، فيما تغيب القوّة العسكرية العربية تمامًا عن المواجهة، ولا تظهر إلّا حين يتعلّق الأمر بحروب العرب ضدّ العرب، أو للتخويف من الإقدام على التظاهر والاحتجاج ضدّ أنظمة لا تمارس العمل العسكري إلّا ضدّ شعوبها.

