نبيل البكيري

صحفي وباحث يمني

 

قال الرئيس اليمني الراحل عبد ربّه منصور هادي، في وقت مبكّر من الأزمة اليمنية، ما معناه إنّ من يسيطر على مضيقَي هرمز وباب المندب لن يكون بحاجة إلى امتلاك القنبلة النووية. وكانت هذه العبارة حينها تبدو تحذيرًا سياسيًا من خطر صاعد، لكنّها تبدو اليوم أقرب إلى قراءة مبكّرة لما يمكن أن تؤول إليه المنطقة إذا أصبح النفوذ الإيراني ممتدًّا من مضيق هرمز إلى الضفّة اليمنية المطلة على باب المندب عبر حلفائها الحوثيين. والمسألة هنا تتجاوز كثيرًا حدود الحرب اليمنية، فوصول الحوثيين إلى موقع يمكّنهم من تهديد باب المندب والتأثير في الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن يعني أنّ الصراع الذي بدأ باعتباره انقلابًا على السلطة في صنعاء في 21 سبتمبر 2014 أصبح جزءًا من معادلة جيوسياسية أوسع، تمسّ أمن الجزيرة العربية كلّها ومصر والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، وتمتدّ آثارها إلى أوروبا غربًا، والصين شرقًا، والتجارة الدولية ككلّ.

 

باب المندب ليس مجرّد مضيق يمني. إنّه أحد أهمّ الممرّات البحرية في العالم، ومن خلاله تتّصل مياه المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط، ووجود قوّة مسلّحة مرتبطة استراتيجيًا بإيران في الضفّة اليمنية منه يمثّل تحوّلًا بالغ الأهمية في ميزان القوى الإقليمية والدولية معًا. والأكثر أهميةً أنّ الحوثيين لم يعودوا اليوم الجماعة نفسها التي خرجت قبل سنوات من جبال صعدة. لقد انتقلوا، خلال عقد من الحرب، من حركة مسلّحة محلّية إلى قوّة تمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة وأجهزة أمنية وعسكرية وشبكات اقتصادية وخبرة سياسية وتفاوضية طويلة، واستطاعت أن تحوّل الجغرافيا اليمنية نفسها إلى مصدر للقوّة والنفوذ. ولهذا لم يعد توصيف الحوثيين مجرّد "وكيل إيراني" كافيًا لفهم طبيعة العلاقة بينهم وبين طهران. فإيران ما تزال تمثّل الداعم الخارجي الأهم لهم، لكنّ الحوثيين راكموا خلال السنوات الماضية قدرةً ذاتيةً ومصالح محليةً ومشروعًا سياسيًا وعسكريًا خاصًّا بهم، وبذلك انتقلوا تدريجيًا من مستوى التابع إلى مستوى الحليف الاستراتيجي، وأصبح مشروعهم في جنوب غرب الجزيرة العربية مشروعًا متكاملًا مع المشروع الإيراني، وإن لم يكن نسخة مطابقة له.

 

هذا التحوّل هو ما يجعل معادلة هرمز وباب المندب شديدة الخطورة، فإيران ليست بحاجة إلى السيطرة الرسمية والمباشرة على المضيقَيْن، كما أنّها ليست بحاجة إلى إغلاقهما فعليًا. يكفي أن تمتلك، مع حلفائها، القدرة على التهديد والتعطيل ورفع كلفة الملاحة والتجارة والطاقة، وهذه القدرة في حدّ ذاتها تتحوّل إلى ورقة ردع وتفاوض وضغط في أيّ مواجهة إقليمية أو دولية. لكنّ وصول الحوثيين إلى هذه المكانة لم يكن نتيجة قوّتهم وحدها، بل كان أيضًا حصيلة سلسلة طويلة من أخطاء خصومهم الكارثية. وأولى هذه الأخطاء كانت التقليل المستمرّ من قدرة الحوثيين، منذ حروب صعدة الأولى، ثمّ بعد سيطرتهم على صنعاء عام 2014. جرى التعامل معهم في مراحل كثيرة ظاهرةً يمكن احتواؤها أو إنهاكها مع الوقت، لكنّ ما حدث كان العكس تمامًا، فكلّ عام من سنوات الحرب منحهم خبرة إضافية، وكلّ هدنة منحتهم فرصةً لإعادة التنظيم، وكلّ انقسام في معسكر خصومهم منحهم مساحة جديدة للتقدّم.

 

أمّا الخطأ الأكبر فكان إضعاف الشرعية اليمنية بدلًا من تقويتها، فقد كان المفترض أن تكون الحرب فرصةً لإعادة بناء الدولة ومؤسّساتها وجيشها، وتوحيد القوى المناهضة للحوثيين تحت قيادة سياسية واحدة، لكن ما حدث، في أحيانٍ كثيرة، كان تفتيتًا للمؤسّسات وتعدّدًا لمراكز القرار والقوى المسلّحة والنفوذ المحلّي والإقليمي.

 

وفي الوقت الذي كان الحوثيون يبنون مركز قرار أكثر تماسكًا في مناطق سيطرتهم، كانت الجبهة المقابلة تتشظّى إلى قوى ومكوّنات وحسابات متنافسة. وهذه من أهمّ المفارقات في الحرب اليمنية: خصوم الحوثيين امتلكوا في فترات طويلة موارد وإسنادًا إقليميًا أكبر، لكنّ الحوثيين امتلكوا وحدة قرار وتنظيمًا أكثر تماسكًا. كما أنّ تضارب مصالح القوى الإقليمية الداعمة للمعسكر المناهض للحوثيين أسهم في هذه النتيجة، فلم تكن جميع القوى الإقليمية المنخرطة في الملفّ اليمني تملك التصوّر نفسه لمستقبل اليمن، ولا للقوى التي ينبغي دعمها، ولا لشكل الدولة ولا لأولويات الحرب. ومع الوقت، تحوّلت بعض الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين إلى صراعات استنزفت جزءًا كبيرًا من طاقته لمصلحة خصمهم الحوثي، ومن خلفه إيران.

 

ومن الأخطاء التي لا يمكن تجاهلها أيضًا فرض قيود سياسية على قوى يمنية أثبتت، في مراحل مختلفة، قدرتها على مواجهة الحوثيين ووقف تمدّدهم. فقد جرى تحجيم بعض هذه القوى الفاعلة أو تهميشها بفعل حساسيات سياسية وإقليمية، بدلًا من بناء جبهة وطنية واسعة هدفها الأوّل استعادة الدولة، ثمّ ترك التنافس السياسي إلى ما بعد إسقاط انقلاب الحوثي. لا يمكن مواجهة حركة عقائدية منظّمة ومتماسكة، بينما تُفكّك، في الوقت نفسه، الجبهة التي تقاتلها وانتقاء مكوّناتها وفقًا لحسابات متناقضة وتقديرات غير دقيقة لا تخدم الموقف ولا وحدة القرار في هذه المعركة المصيرية، بكلّ أبعادها السياسية والعقائدية والاستراتيجية.

 

ويضاف إلى هذا تراجع الدور المصري المباشر في واحدة من أكثر المناطق التصاقًا بالأمن القومي المصري، فباب المندب هو المدخل الجنوبي لقناة السويس، وأيّ تغيّر جذري في موازين القوّة فيه ينعكس مباشرة على مصر. ومع هذا، تراجع الحضور المصري الفاعل في ملفّات اليمن والبحر الأحمر والقرن الأفريقي مقارنةً بأدواره التاريخية السابقة.

 

أمّا داخل اليمن، فقد كان ضعف القيادة الشرعية وهشاشة مؤسّساتها عاملًا حاسمًا، فالاعتراف الدولي وحده لا يصنع دولةً، ولا يكفي لهزيمة مشروع منظّم مثل المشروع الحوثي. تحتاج الشرعية إلى حضور سياسي ومؤسّسات وقيادة وقدرة على توحيد الناس حول مشروع وطني واضح، وحين تغيب هذه العناصر تتحوّل الشرعية من مركز قوّة إلى مظلّة قانونية لا تملك بالضرورة أدوات فرض مشروعها على الأرض.

 

ما يحدث اليوم في باب المندب ينبغي، لذلك، ألّا يُقرأ تطوّرًا عسكريًا منفصلًا، بل نتيجة طبيعية لعقد من الأخطاء والتفكّك وسوء التقدير للخصم وللذات، وكثرة الحسابات المتوهَّمة والمتناقضة أحيانًا، وأيضًا عدم القدرة على قراءة تحوّلات الظروف المحلّية والإقليمية والدولية. لقد فهم الحوثيون أهمّية الجغرافيا قبل كثيرين من خصومهم، وفهمت إيران مبكّرًا أنّ نفوذها في اليمن لا يمنحها ورقة داخل شبه الجزيرة العربية فحسب، بل يضعها أيضًا بالقرب من واحد من أهمّ شرايين التجارة العالمية، أي يمنحها مكانةً دوليةً كبيرةً ويجعلها رقمًا صعبًا في المعادلة الأمنية الدولية، ما كان لها أن تبلغه بهذه السهولة.

 

ومن هنا تعود مقولة هادي إلى الواجهة، فالقوّة في الشرق الأوسط لم تعد تُقاس فقط بالصواريخ والطائرات أو حتّى بالسلاح النووي، بل أيضًا بمن يستطيع التأثير في الممرّات التي يمرّ عبرها النفط والغذاء والتجارة العالمية عمومًا. ولن تُحلّ أزمة باب المندب فقط بالسفن الحربية أو اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، فهذه تعالج التهديدات الأمنية البحرية الآنية، لكنّها لا تُعالج مصدرها على اليابسة، إذ تتمدّد المليشيات وتصبح فاعلًا شبه دولتي تقف وراءه قوى إشكالية مثل إيران وعقلها السياسي المأزوم.

 

لم تعد استعادة الدولة اليمنية قضيةً يمنيةً داخليةً فحسب، بل أصبحت ضرورةً لأمن الجزيرة العربية والبحر الأحمر ومصر والتجارة الدولية والعالم، وكلّ تأخير في إدراك هذه الحقيقة يمنح الحوثيين وإيران مزيدًا من الوقت لتحويل الجغرافيا اليمنية من موقع استراتيجي للدولة إلى سلاح استراتيجي في يد مشروع عابر للحدود. ولا حلّ لتجاوز هذه المعضلة إلّا بإعادة بناء الشرعية اليمنية نفسها بقيادة ميدانية مجربة، وتجاوز حالات الإخفاق السابقة كلّها، والانطلاق إلى معركة مصيرية شاملة من دون توقّف أو تردّد.