دفعت الهجمات الإيرانية المتصاعدة على السفن الولايات المتحدة إلى تضييق مواعيد الحماية الجوية لناقلات النفط في مضيق هرمز، بعدما أصبح العبور الليلي مصدر خطر، رغم الغطاء العسكري الذي وفرته واشنطن.
ويكشف التعديل حجم الضغط على ترتيبات تأمين الملاحة؛ فالسفن باتت مطالبة بضبط رحلاتها على ساعات محددة، بينما تهدد طهران بإنشاء منطقة مقيدة، ويتحمل قطاع الشحن تبعات صراع يخنق حركة التجارة عبر هذا الممر الحيوي.
العبور بالمواعيد بعد تصاعد الهجمات الليلية
وبحسب صحيفة «فاينانشال تايمز»، أبلغ الجانب الأميركي السفن ببدء رحلاتها في توقيتات معينة، بينها التاسعة صباحًا، بعد تصاعد الهجمات الإيرانية خلال الليل، بما يغير نمط العبور الذي اتبعته الناقلات سابقًا.
وأظهرت رسائل اطلعت عليها الصحيفة تقليص فترات توفير الحماية إلى نافذتين محددتين يوميًا قرب بداية سبتمبر، بعدما كانت التصاريح تتيح المرور ضمن فترات ليلية أوسع على المسار الجنوبي للمضيق.
وجاء في إحدى الرسائل أن ساعات الظلام لم تثبت أنها التوقيت الأكثر أمانًا للسفن التجارية في ظل التهديدات القائمة، وهو تقييم يضع افتراضات الحماية السابقة أمام مراجعة عملية قاسية.
وكانت واشنطن توفر منذ مايو الماضي دفاعًا جويًا للسفن التي تسلك طريقًا بمحاذاة الساحل العماني، بهدف إبقاء جزء من صادرات النفط متدفقًا، رغم استمرار التهديدات التي تعترض الملاحة في المضيق.
وتطلبت الترتيبات تقديم مالكي السفن طلبات إلى مركز التنسيق البحري التابع للبحرية الأميركية، الذي يحدد المسارات ويمنح تصاريح المرور، بالتزامن مع توفير الطائرات الأميركية غطاءً دفاعيًا خلال الفترات المعتمدة لكل رحلة يجري تنسيقها.
أما التعديل الجديد، فيربط الاستفادة من هذا الغطاء بالالتزام بمواعيد أضيق، ما يقلص مرونة التشغيل أمام الشركات، ويجعل حسابات المغادرة والانتظار مرتبطة بتوقيت الحماية العسكرية بقدر ارتباطها بمتطلبات الرحلة التجارية.
ولا تعني إعادة الجدولة أن الخطر انتهى أو أن المرور النهاري محصن من الاستهداف؛ فالإجراء يعكس محاولة لتكييف الحماية مع التهديدات، بينما تظل سلامة السفن مرهونة بفعالية التنفيذ داخل الممر الملاحي.
فاتورة الطائرات تضغط على خطة الحماية
يرى محللون بحريون أن تجميع العبور داخل فترات أقصر يتيح استخدام الموارد العسكرية بكفاءة أكبر، بدل إبقاء التغطية الجوية ممتدة طوال اثنتي عشرة ساعة ليلية، بما يستنزف ساعات التشغيل والقدرات.
وأوضح الباحث المتخصص في الشؤون البحرية جوشوا تاليس أن مطالبة السفن بالمرور في أوقات محددة توفر وسيلة لتقليص التكلفة المرتفعة للدفاع الأميركي المستمر في الجزء الجنوبي من مضيق هرمز.
وأشار تاليس إلى أن تشغيل طائرة عسكرية أميركية متطورة قد يتكلف بين 25 ألفًا و75 ألف دولار للساعة الواحدة، وهو تقدير يوضح ثقل استمرار التغطية، دون تحديد فاتورة العملية كاملة.
ويظل هذا الرقم متعلقًا بتشغيل الطائرة، ولا يتيح وحده حساب التكلفة الإجمالية للحماية، التي يتطلب تقديرها معرفة عدد الطائرات وساعات التحليق وطبيعة المهام، وهي تفاصيل لا تقدمها المادة المنشورة.
لكن الدلالة الأوضح أن حماية تدفق النفط تحولت إلى التزام عسكري مكلف ومتكرر، وأن واشنطن تعيد تنظيم هذا الالتزام مع استمرار الهجمات، بدل اقتراب الممر الملاحي من استعادة عمله المعتاد بعد أشهر من القتال.
وقد يساعد تركيز الطلعات على تحسين التغطية خلال الفترات المحددة، إلا أن شركات الشحن تبقى أمام معادلة صعبة تجمع الالتزام بالمواعيد وتقييم المخاطر، دون أن يلغي الغطاء الجوي احتمال التعرض للهجوم.
ومن زاوية اقتصادية، يمكن أن يضيف الانتظار بين مواعيد العبور أعباء تشغيلية على الرحلات، لكن حجم هذه الأعباء يتوقف على التطبيق وحركة السفن، ولا يمكن استخلاصه رقميًا من المعلومات المتاحة.
تهديدات إيرانية وشريان تجاري تحت الحصار
في المقابل، أعلنت إيران هذا الأسبوع عزمها إنشاء منطقة وصفتها بالمقيدة، تمتد من خط الحصار البحري الأميركي باتجاه مضيق هرمز وصولًا إلى داخل الخليج العربي، بما يضيف تهديدًا جديدًا للملاحة.
وحذر محسن رضائي، وفق التقرير، من تعرض أي سفينة تدخل المنطقة لعقوبات، دون توضيح طبيعتها، وهو غموض يترك مالكي السفن أمام تهديد مفتوح يصعب تقدير حدوده أو عواقبه مسبقًا.
ويزيد هذا الإعلان تعقيد المشهد؛ فالسفن تتحرك بين ترتيبات أميركية مشروطة بالتوقيت والمسار وتهديدات إيرانية بالعقاب، بينما تصبح الرحلات التجارية معرضة لتبعات قرارات عسكرية لا يملك أصحابها التحكم فيها.
ومنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، تراجعت الحركة بشدة في المضيق، الذي كان يشهد عادة مرور نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يوميًا، تشمل ناقلات النفط والغاز وسفن البضائع والحاويات.
وبحسب المادة المنشورة، أدى الحصار الأميركي على الشحن المرتبط بإيران إلى توقف صادراتها من النفط الخام منذ إعادة فرض العقوبات منتصف يوليو، بالتوازي مع استمرار القيود والتهديدات على حركة السفن.
ويختصر المشهد أزمة تتجاوز تعديل ساعة الإبحار: إيران تهدد السفن، وواشنطن تضبط ساعات حمايتها، والتجارة تدفع ثمن استمرار المواجهة، بينما يظل استئناف الملاحة المنتظمة أبعد من مجرد إصدار تصاريح جديدة في ظل التهديدات المستمرة.

