أغرقت وزارة التعليم الطلاب في اختبارات أسبوعية وشهرية وواجبات وأعمال سنة، فبدل تخفيف كابوس الامتحان، نقلت الضغط إلى كل أيام الدراسة، وأبقت الأسر في سباق دائم مع الدرجات وتتسع الفجوة بين القياس والتعلم.
وتكشف الشكاوى المتكررة أن النظام الجديد لم يهزم الحفظ كما وعد، بل أعاد إنتاجه تحت أسماء متعددة، بينما يدفع طلاب الشهادات الثمن الأكبر وسط خوف مستمر من فقدان المستقبل وتبقى الأسرة أسيرة هذا السباق.
امتحان كل أسبوع
وبالتالي، لم يعد الامتحان محطة أخيرة، بل أصبح حاضرًا في الحصة والواجب والاختبار الشهري والتقييم الأسبوعي، بما يستهلك وقت التعلم ويحوّل المدرسة إلى غرفة انتظار للدرجات داخل المدرسة لا خارجها.
كما أن توزيع الدرجة الكاملة البالغة 100 درجة يجعل امتحان الفصل مسؤولًا عن 60%، بينما تستحوذ أعمال السنة على 40%، وتشمل اختبارات شهرية وتقييمات أسبوعية وواجبات دون منح الطالب فرصة للهدوء.
ولزيادة العبء، تدخل كراسة الحصة والمواظبة والسلوك ضمن أعمال السنة، فيصبح الطالب مطالبًا بإرضاء منظومة تقييم متعددة الأدوات، بدل التركيز على الفهم وبناء المعرفة المتماسكة وفي ظل غياب دعم نفسي كاف.
لذلك، حذر الدكتور تامر شوقي من أن هذا التوزيع يفرض التزامات كبيرة على الأطفال وأسرهم، خصوصًا تلاميذ الصف الأول الابتدائي الذين يبلغون 6 سنوات فتتحول المعرفة إلى سباق درجات فعليًا.
ومن ثم، اقترح شوقي نموذج المثلث المقلوب، بتخصيص وقت أكبر للتعليم ووقت أقل للتقييم في الصفوف الأولى، والاكتفاء بالامتحانات الشهرية لتشخيص صعوبات التعلم بدل بناء فهم طويل الأمد فعليًا فعليًا.
وعليه، فإن كثرة القياس لا تعني دقة التعلم، فقد يتحول الطالب إلى منفذ للواجبات والتقييمات، بينما يتراجع النشاط والرياضة والقراءة الحرة أمام مطاردة الدرجة وهو ما يرهق الطفل مبكرًا فعليًا.
غير أن الوزارة تحتاج إلى الإجابة عن سؤال واضح: هل صممت التقييمات لقياس تقدم الطالب، أم لتغطية عجز المدرسة عن تقديم متابعة تعليمية داخل الحصة ويزيد ارتباك الأسر والمعلمين فعليًا.
قلق الشهادات
في المقابل، يرتفع القلق لدى طلاب الشهادات لأن كل اختبار يرتبط بصورة مباشرة بالمستقبل، وتتحول الأخطاء العادية إلى تهديد للالتحاق بالجامعة أو اختيار التخصص دون علاج جذري للفجوة التعليمية فعليًا.
كذلك يضغط حجم المواد على الطلاب، فالمناهج الكثيفة تحتاج وقتًا للفهم والمراجعة، بينما تتزاحم معها التقييمات والواجبات والدروس، فيضيق اليوم وتختفي فترات الراحة وتصبح الراحة ضحية هذا النظام فعليًا فعليًا.
وفوق ذلك، لا يواجه الطالب الامتحان وحده، بل يحمل توقعات الأسرة ومقارنات الزملاء وخوفًا متراكمًا من النتيجة، ما يحول المذاكرة إلى تجربة قلق لا تعلم مع استمرار الخوف من النتيجة.
ومن ناحية أخرى، يزداد الضغط عندما تتغير قواعد الامتحان أو توزيع الدرجات، لأن الطالب يضطر إلى تعديل طريقة استعداده دون امتلاك معلومات مستقرة أو تدريب كاف رغم اختلاف قدرات الطلاب وظروفهم.
وعلى هذا الأساس، يوضح الدكتور عاصم حجازي أن نظام التقييم يساعد على تقييم المنظومة التعليمية، لكن فائدته تتوقف على استخدام نتائجه لعلاج الضعف لا لمضاعفة الاختبارات وتتضاعف الكلفة النفسية على الأسر.
إضافة إلى ذلك، كشفت دراسة تتبعية للوزارة خلال العام الدراسي 2023 و2024 أن أكثر من 60% من تلاميذ الصفوف الأولى لا يتقنون مهارات القراءة والكتابة دون ضمان عدالة التطبيق اليومي..
كما أن وصول تلاميذ إلى المرحلتين الإعدادية والثانوية دون إجادة كتابة أسمائهم يكشف فجوة تأسيسية خطيرة، لا يمكن علاجها بإغراق الطفل في تقييمات يومية متلاحقة في مراحل تحتاج تأسيسًا لا اختبارًا.
الحفظ تحت اسم جديد
لذلك، يبدو الادعاء بأن التقييمات الجديدة تقلل الحفظ صحيحًا في الهدف، لكنه لا يتحقق تلقائيًا في الواقع، لأن كثرة الاختبارات قد تدفع الطالب إلى حفظ إجابات سريعة وتتراجع الأنشطة لصالح المتابعة الورقية.
وبالتالي، إذا ظلت الأسئلة تقيس استرجاع المعلومات، فلن يغير توزيع الدرجات شيئًا، حتى لو حملت الاختبارات أسماء حديثة أو جرى تقديمها داخل المدرسة فتزداد الحاجة إلى دعم متخصص فعليًا فعليًا.
كما أن الاعتماد على أعمال السنة قد يفتح بابًا لضغط إضافي، إذا تحولت الدرجات إلى تفاوض يومي بين الطالب والمعلم والأسرة بدل أن تكون قياسًا عادلًا ولا يكفي تغيير أسماء الاختبارات.
غير أن النظام يتضمن شرطًا أكثر قسوة لطلاب البكالوريا، إذ يشترط إنجاز 60% من الأداءات والتقييمات الأسبوعية والشهرية في كل مادة لدخول الامتحان إذا بقيت الأسئلة تقيس الحفظ فعليًا فعليًا.
علاوة على ذلك، أعلن النظام تقليص مواد البكالوريا إلى 6 مقررات في الصف الثاني ومقررين فقط في الصف الثالث، وهو تخفيف نظري قد يخفي ضغطًا متراكمًا وتظل الدرجة معيارًا وحيدًا للنجاح.
وتؤكد هذه الصيغة أن تقليل عدد المواد لا يعني بالضرورة تقليل القلق، إذا زادت نسبة التقييمات داخل المادة، أو بقيت فرص الخطأ مرتبطة بمصير الطالب من دون تفسير واضح للطلاب.
وبناء على ذلك، يرى الدكتور حسن شحاتة، أستاذ المناهج وطرق التدريس، أن إصلاح التقييم يحتاج امتحانًا يقيس الفهم ومنهجًا واضحًا ومعلمًا مؤهلًا، لا كثافة اختبارية وبذلك يتحول التخفيف إلى عبء جديد.
وفي السياق نفسه، لا تنجح التقييمات في محاصرة الدروس الخصوصية ما لم تقدم المدرسة شرحًا يساوي ما يقدمه المركز، ويمنح الطالب تدريبًا عادلًا على الأسئلة الجديدة وتبقى المدرسة مطالبة بإصلاح جذري.
وأخيرًا، ستظل التقييمات مصدر ضغط لا أداة تعلم، ما دامت الوزارة تقيس كل شيء تقريبًا، ولا تمنح الطالب وقتًا كافيًا ليفهم، أو المعلم قدرة حقيقية على العلاج حتى يستعيد الطالب ثقته في التعلم.

