تتسارع التطورات العسكرية في اليمن مع اتساع رقعة المواجهات بين جماعة أنصار الله الحوثيين والقوات الحكومية المدعومة من السعودية، في تطور يضع واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم أمام مرحلة جديدة من التوتر.
وخلال الأيام الأخيرة، أفادت مصادر حكومية وشهود عيان بوصول مقاتلين حوثيين إلى مناطق وجزر استراتيجية قرب مضيق باب المندب، بالتزامن مع انسحاب قوات حكومية من مواقع عدة على الساحل الغربي، الأمر الذي منح الجماعة مساحة أكبر للتحرك بالقرب من أحد أكثر الممرات البحرية حساسية.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن الحوثيين تمكنوا من التقدم باتجاه مدينة ذوباب، والوصول إلى جزيرة ميون الواقعة في قلب المضيق، فضلًا عن تحركات في عدد من الجزر الواقعة جنوب البحر الأحمر.
تقدم ميداني نحو المضيق
جاءت التطورات الأخيرة بعد أسبوع من مواجهات وصفت بأنها من أعنف جولات القتال بين الطرفين منذ الهدنة التي أبرمت عام 2022. وتركزت المعارك بصورة أساسية في مناطق الساحل الغربي، قبل أن تمتد إلى مناطق قريبة من باب المندب والجزر اليمنية الواقعة في البحر الأحمر.
وبحسب مصادر نقلت عنها وكالة فرانس برس، وصلت قوارب تحمل مسلحين حوثيين إلى جزيرة ميون، المعروفة أيضًا باسم بريم، عقب انسحاب القوات الحكومية منها. كما تحدث شهود عن انتشار عناصر الجماعة على الشاطئ واستخدام مركبات عسكرية في التحرك داخل المنطقة.
وفي السياق ذاته، نقلت رويترز عن مصادر حكومية يمنية أن الحوثيين وصلوا في وقت مبكر إلى الجزيرة الاستراتيجية الواقعة عند مدخل مضيق باب المندب، بعد انسحاب القوات الحكومية من مواقعها.
وتكتسب جزيرة ميون أهمية استثنائية بسبب موقعها الجغرافي، إذ تقع في منتصف المضيق تقريبًا وتفصل بين ممراته البحرية، ما يجعل السيطرة عليها عاملًا مؤثرًا في مراقبة حركة السفن العابرة للمنطقة.
المخا وذوباب في قلب المعارك
لم يقتصر التقدم الحوثي على الجزيرة، إذ تحدثت مصادر حكومية وإعلامية عن وصول الجماعة إلى مدينة ذوباب الواقعة بمحافظة تعز، بالقرب من المدخل الشرقي للمضيق.
وجاء ذلك بالتزامن مع تقارير عن سيطرة الحوثيين على مدينة المخا، وهي مدينة ساحلية ذات أهمية عسكرية واقتصادية كبيرة، فضلًا عن الحديث عن وصولهم إلى مناطق وجزر أخرى في جنوب البحر الأحمر.
كما أفادت مصادر تابعة للحوثيين بسيطرة الجماعة على مدينة حيس في الريف الجنوبي لمحافظة الحديدة، عقب انسحاب تشكيلات عسكرية حكومية منها، في وقت لم يصدر فيه تأكيد حكومي شامل لكل هذه التطورات.
وتكشف هذه التحركات عن تغير واضح في طبيعة المعركة، بعدما انتقلت من مواجهات محدودة على خطوط التماس إلى صراع على مواقع ساحلية وجزر تتمتع بأهمية استراتيجية مباشرة بالنسبة إلى حركة الملاحة في البحر الأحمر.
وفي المقابل، أعلنت القوات الحكومية بدء عملية عسكرية في منطقة الكدحة بمديرية مقبنة غربي تعز، وقالت إنها حققت تقدمًا ميدانيًا في مواجهة الحوثيين.
الجزر تتحول إلى ساحات قتال
مع امتداد المعارك إلى البحر، أصبحت الجزر اليمنية الواقعة في البحر الأحمر جزءًا أساسيًا من المواجهة.
وتحدثت مصادر عسكرية عن وصول الحوثيين إلى جزر حنيش الكبرى وحنيش الصغرى وجزر زقر، الواقعة جنوب البحر الأحمر قبالة السواحل الإريترية، في حين أفادت وسائل إعلام تابعة للجماعة بوقوع غارات جوية على جزيرة كمران التابعة لمحافظة الحديدة.
ويمنح انتشار القوات في هذه الجزر الجماعة مواقع يمكن استخدامها للمراقبة والتحرك بالقرب من خطوط الملاحة البحرية، كما يزيد من حساسية الوضع العسكري في منطقة تتداخل فيها الحسابات اليمنية والإقليمية والدولية.
وفي الوقت نفسه، أعلنت القوات الحكومية بدء تحرك عسكري واسع ضد المواقع الحوثية في مدينة المخا ومحيطها، بينما تحدث الحوثيون عن توقف الاشتباكات في بعض مناطق الساحل الغربي، واتهموا القوات الحكومية بتنفيذ تحشيدات عسكرية بدعم سعودي.
القوات الحكومية تعيد ترتيب صفوفها
أمام التطورات المتسارعة، أعلن طارق صالح، نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، توجيه القوات الحكومية الموجودة في الساحل الغربي إلى إعادة ترتيب صفوفها، في مؤشر على أن المعارك الأخيرة فرضت واقعًا عسكريًا جديدًا على القوات المناهضة للحوثيين.
كما حذرت القوات الحكومية المدنيين من استخدام طريق تعز ـ المخا حتى إشعار آخر، ودعت إلى الابتعاد عن تجمعات ومعدات الحوثيين المنتشرة في المنطقة.
عاااااااجل ورسمي ⚡️🚨 قوات انصار الله الحوثيين يسيطرون على المخا بشكل كامل واصبح مضيق باب المندب تحت سيطره كامله لقوات الحوثيين . https://t.co/I7Oa6b4tig
— موسكو | 🇷🇺 MOSCOW NEWS (@M0SC0W0) September 10, 2026
وقال متحدث باسم القوات الحكومية إن قواته ستستخدم مختلف الأسلحة ضد التحركات الحوثية في نطاق جرى تحديده باعتباره "منطقة قتل"، في إشارة إلى استعداد القوات لتصعيد العمليات العسكرية على محاور الساحل الغربي.
وفي ظل استمرار المواجهات، تعرض مطار المخا، بحسب وسائل إعلام تابعة للحوثيين، لغارتين جويتين قالت الجماعة إن الطيران السعودي نفذهما، بينما لم تتوقف الاتهامات المتبادلة بشأن المسؤولية عن التصعيد.
الرياض تطلب تدخل واشنطن
ولم تقتصر تداعيات التقدم الحوثي على الساحة اليمنية، إذ دخلت الولايات المتحدة والسعودية على خط التطورات العسكرية بصورة أكثر وضوحًا.
ونقل موقع أكسيوس عن مسؤولين أمريكيين أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أجرى اتصالين بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال يوم واحد، لبحث التطورات المتسارعة في اليمن، مطالبًا واشنطن بالتدخل عسكريًا وشن ضربات ضد الحوثيين.
وبحسب الرواية التي نقلها الموقع، جاء الاتصالان في وقت كانت فيه القوات الحوثية تتقدم باتجاه المخا، بينما كانت القوات اليمنية المدعومة من السعودية تتراجع من عدد من المواقع.
لكن إدارة ترامب لم تستجب للطلب السعودي بشن عملية عسكرية مباشرة ضد الحوثيين، وفق ما نقلته المصادر الأمريكية، مع اتجاه واشنطن إلى تقديم معلومات استخباراتية وبيانات مرتبطة بالأهداف الحوثية.
ويعكس الموقف الأمريكي رغبة في مساندة السعودية دون الانخراط في جبهة عسكرية جديدة داخل اليمن، خصوصًا في ظل تركيز القوات الأمريكية في المنطقة على إيران وتأمين مضيق هرمز.
وبذلك تبدو واشنطن أمام معادلة صعبة؛ فهي تريد دعم حليفها السعودي والحفاظ على أمن الملاحة، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في فتح مسار عسكري جديد يمكن أن يوسع نطاق الصراع الإقليمي.
لماذا يكتسب باب المندب أهميته؟
يقع مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بين اليمن من جهة، وجيبوتي وإريتريا من جهة أخرى، ويشكل نقطة عبور أساسية للسفن المتجهة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر ثم قناة السويس.
ويبلغ عرض المضيق نحو 29 كيلومترًا عند أضيق نقاطه، بينما تقسم جزيرة ميون مسارات الملاحة إلى ممرات تستخدمها السفن في الاتجاهين.
وتزداد أهمية المنطقة بسبب وجود عدد من الجزر القريبة، بينها جزر حنيش، التي تمنح من يسيطر عليها قدرة أكبر على مراقبة التحركات البحرية في جنوب البحر الأحمر.
ولا تقتصر أهمية باب المندب على اليمن والمنطقة العربية، إذ يمثل جزءًا رئيسيًا من الطريق البحري الذي يربط آسيا بأوروبا، مرورًا بالبحر الأحمر وقناة السويس.
ومن ثم فإن أي اضطراب طويل في حركة السفن عبر المضيق يمكن أن ينعكس سريعًا على التجارة العالمية، خصوصًا شحنات الطاقة والسلع القادمة من آسيا والمتجهة إلى أوروبا.
🚨الحوثيون يسيطرون على المخا والقوات الحكومية تعيد تموضعها في ذوباب وكالة الأنباء الألمانية سيطرت جماعة الحوثيين، اليوم الخميس، على مدينة المخا الساحلية بمحافظة تعز، جنوب غربي اليمن، بعد إعادة انتشار القوات الحكومية ونقل قواتها وعتادها إلى مديرية ذوباب، في تطور ميداني يأتي بعد نحو أسبوع من التصعيد العسكري في الساحل الغربي. وقالت مصادر عسكرية ومحلية يمنية لوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، إن "القوات المشتركة أعادت تموضعها، ونقلت أسلحتها وعتادها والقوات المنتشرة في المخا إلى مديرية ذوباب /في إطار عملية لإعادة ترتيب انتشارها في المنطقة القريبة من مضيق باب المندب/". وأفاد شهود عيان، بـ "نزوح أعداد كبيرة من سكان مدينة المخا باتجاه محافظتي لحج و عدن، بعد سيطرة الحوثيين". ونشرت وسائل إعلام حوثية، ورواد مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد قالوا إنها لدوريات عسكرية تابعة للحوثيين وهي تتجول داخل مدينة المخا. وتقع المخا على ساحل البحر الأحمر بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية لحركة التجارة العالمية، ما يمنحها أهمية استراتيجية وعسكرية كبيرة. ويأتي هذا التطور بعد أيام من تقدم القوات الحكومية على جبهات الساحل الغربي وسيطرتها على مناطق استراتيجية من بينها حيس.
— عبد العزيز الخميس (@alkhames) September 10, 2026

