في مشهد يلخص أزمة السياسة المصرية بأكملها، يعود قانون الإدارة المحلية إلى الأدراج من جديد، بينما يواصل النظام تجاهل استحقاق دستوري طال انتظاره، وكأن انتخاب المجالس المحلية أصبح رفاهية يمكن تأجيلها كلما تعارضت مع رغبة السلطة في إبقاء القرار بعيدًا عن المواطنين.

 

المفارقة أن الحديث عن اللامركزية يتكرر منذ سنوات، بينما الواقع يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا. فبدل نقل السلطة والموارد إلى المحافظات، يجري الإبقاء على مركزية القرار، وتعيين المحافظين، وإحكام السيطرة على المجالس المحلية، بما يجعل المواطن آخر من يملك حق تحديد أولوياته أو محاسبة المسؤول عنها.

 

 

قانون مؤجل.. ودستور معطل

 

بحسب ما كشفته منصة «متصدقش» في تقرير نشرته الاثنين، فإن هناك اتجاهًا داخل مجلس النواب لتجميد مناقشة مشروع قانون الإدارة المحلية خلال دورة الانعقاد الجديدة.

 

ونقل التقرير عن أربعة مصادر برلمانية أن مشروع القانون الذي قدمته الحكومة لن يكون ضمن الأولويات التشريعية للجنة المختصة خلال الفترة المقبلة.

 

وتكشف هذه الخطوة، إذا صحت، أن أزمة المحليات لم تعد مجرد خلاف حول مواد قانونية أو تفاصيل انتخابية، وإنما أصبحت سياسة مستمرة لتأجيل الاستحقاق الدستوري.

 

الأكثر دلالة ما أورده أحد النواب، وهو عضو بالهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن، بشأن وصول التعليمات البرلمانية بصورة دورية عبر مجموعة على تطبيق «واتساب».

 

وبحسب المصدر، تتضمن الرسائل أحدث التعليمات والتوجيهات المتعلقة بموقف الحزب وأدائه داخل البرلمان بغرفتيه.

 

وأشار النائب إلى أن رئيس الهيئة البرلمانية أرسل قبل أيام تعليمات بتجميد مناقشة قانون الإدارة المحلية لأجل غير مسمى، دون توضيح أسباب محددة لهذا القرار.

 

هذه الرواية، إن صحت، تكشف مشكلة أعمق من مجرد تأجيل قانون؛ لأنها تطرح سؤالًا عن طبيعة البرلمان نفسه، وهل يمارس دوره التشريعي والرقابي باستقلال، أم يتحرك وفق تعليمات حزبية تصل إلى النواب بصورة مباشرة؟

 

المشكلة هنا ليست في وجود تنسيق سياسي بين الأحزاب والنواب، فهذا أمر طبيعي في أي نظام برلماني حقيقي.

 

المشكلة تبدأ عندما تتحول الأغلبية البرلمانية إلى أداة لضبط إيقاع التشريع، بحيث يصبح مصير قانون ينتظر منذ سنوات مرتبطًا بتوجيهات سياسية لا يعرف المواطن مضمونها ولا أسبابها.

 

وبحسب مصادر التقرير، فإن حزب مستقبل وطن ينسق مع بقية الأحزاب والحكومة بشأن القانون، مع تبرير التأجيل بالحاجة إلى نقاشات مستفيضة حول مواده.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن تبرير الحاجة إلى مزيد من النقاش بعد سنوات طويلة من النقاشات السابقة، وبعد مشروعات قوانين متكررة، وبعد مرور أكثر من عقد على آخر تشكيل للمجالس المحلية؟

 

عضو بحزب حماة الوطن رجح، وفق التقرير، ألا يصدر القانون في صورته النهائية قبل عام 2028.

 

وفي المقابل، اعتبر نائبان عن مستقبل وطن أن الحديث عن موعد نهائي سابق لأوانه، لأن طبيعة التعديلات المطلوبة لم تتضح بعد.

 

وبين التجميد والتعديلات والتنسيقات، يظل المواطن أمام النتيجة نفسها: لا مجالس محلية منتخبة، ولا رقابة شعبية حقيقية على القرار المحلي، ولا موعد واضح لإنهاء هذا الفراغ.

 

الدستور لا يصبح أقل إلزامًا لأن السلطة لم تجد الوقت المناسب لتنفيذ استحقاقاته.

 

ولا يمكن تحويل الاستحقاقات الدستورية إلى ملفات مفتوحة تنتظر المزاج السياسي، ثم يعاد تحريكها عندما ترى السلطة أن الظروف أصبحت ملائمة.

 

ما يحدث مع المحليات يمثل نموذجًا واضحًا لفكرة أوسع: إبقاء المواطن بعيدًا عن دوائر صناعة القرار، خصوصًا في المستوى الأكثر التصاقًا بحياته اليومية.

 

 

قانون يعيد إنتاج المركزية بدل اللامركزية

 

المشكلة لا تتوقف عند التأجيل، بل تمتد إلى مضمون مشروع القانون نفسه، وفق الانتقادات التي نقلها التقرير عن مصادره ومؤسسات حقوقية.

 

الحكومة، بحسب هذه الانتقادات، أعادت تقديم مشروعها دون تعديلات جوهرية على المشروع الذي سبق تقديمه عام 2016 ثم اختفى من المشهد.

 

وفي مقدمة النقاط المثيرة للجدل استمرار منح السلطة التنفيذية قدرة واسعة على حل المجالس المحلية المنتخبة.

 

كما يستمر الاتجاه إلى تعيين المحافظين بقرار جمهوري، بدل إخضاع منصب المحافظ لمنطق الانتخاب والمحاسبة الشعبية.

 

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: كيف يمكن الحديث عن إدارة محلية حقيقية بينما رأس السلطة التنفيذية في المحافظة لا يأتي من اختيار المواطنين؟

 

المحليات ليست مجرد مجالس تتلقى التعليمات من القاهرة، ولا مجرد أجهزة تنفيذية تنفذ ما تقرره الوزارات المركزية.

 

جوهر اللامركزية هو أن يمتلك المواطنون في المحافظات قدرة فعلية على تحديد أولوياتهم، وانتخاب من يدير شؤونهم، ومحاسبته عندما يفشل.

 

أما إبقاء القرار النهائي في يد الحكومة المركزية، مع مجالس محلية محدودة القدرة، فيحول اللامركزية إلى اسم بلا مضمون.

 

وتزداد الأزمة مع نظام انتخابي يتعرض بدوره لانتقادات واسعة، خصوصًا مع تخصيص 75% من المقاعد لنظام القائمة المغلقة و25% للنظام الفردي.

 

القائمة المغلقة المطلقة تمنح القوى المنظمة قدرة كبيرة على التحكم في تركيبة المجالس، خصوصًا عندما تكون البيئة السياسية غير متكافئة.

 

وفي هذه الحالة، لا يصبح المواطن أمام منافسة سياسية حقيقية بقدر ما يصبح أمام قوائم معدة مسبقًا، ثم يُطلب منه الاختيار داخل مساحة ضيقة.

 

كما تبرز انتقادات مرتبطة بتعريف العامل والفلاح وشروط الترشح، وهي تفاصيل تبدو فنية، لكنها تتحول إلى أدوات سياسية عندما تحدد من يحق له دخول المجال العام.

 

ويضاف إلى ذلك استمرار تبعية المدن الجديدة لهيئة المجتمعات العمرانية، بما يثير أسئلة حول حدود الرقابة المحلية على هذه المناطق.

 

فكيف نتحدث عن مجالس محلية منتخبة إذا كانت قطاعات عمرانية كاملة يمكن أن تظل بعيدة عن الرقابة المحلية المباشرة؟

 

وفي يوليو الماضي، أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ورقة حول مشروع قانون الإدارة المحلية، وطرحت تصورًا أكثر اتساعًا للامركزية.

 

ويرتكز المقترح، بحسب الورقة، على أربعة أبعاد رئيسية تشمل اللامركزية الإدارية والمالية والسياسية والاقتصادية.

 

هذه الأبعاد تكشف أن اللامركزية ليست مجرد نقل بعض الاختصاصات الورقية إلى المحافظات، وإنما إعادة توزيع حقيقي للسلطة والموارد والقدرة على اتخاذ القرار.

 

فالقرارات المحلية تحتاج إلى موارد محلية، والمجالس المنتخبة تحتاج إلى صلاحيات، والمواطن يحتاج إلى وسيلة واضحة لمحاسبة من اختاره.

 

من دون ذلك، يصبح الحديث عن المجالس المحلية مجرد ديكور مؤسسي لا يغير شيئًا في علاقة المواطن بالسلطة.

 

 

هندسة سياسية وأمنية بدل انتخابات حقيقية

 

أخطر ما تكشفه أزمة القانون هو أن السلطة تبدو، وفق الانتقادات المطروحة، أكثر اهتمامًا بالسيطرة على شكل الانتخابات من ضمان استقلال نتائجها.

 

الانتخابات المحلية، في أي نظام سياسي طبيعي، يفترض أن تكون بوابة لتجديد النخب وفتح المجال أمام المواطنين للمشاركة في إدارة مناطقهم.

 

لكن عندما تسيطر القوائم المغلقة على أغلب المقاعد، وتظل البيئة السياسية محكومة بقيود واسعة، يصبح السؤال عن مضمون الانتخابات أهم من مجرد موعد إجرائها.

 

المطلوب ليس انتخابات تؤدي وظيفة تجميلية، بل مجالس تستطيع فعل شيء بعد انتخابها.

 

مجلس محلي بلا موارد حقيقية يشبه موظفًا يحمل ختمًا ولا يملك قرارًا.

 

ومجلس محلي لا يستطيع مساءلة المحافظ أو التأثير في أولويات الإنفاق يتحول إلى شاهد على السلطة بدل أن يكون رقيبًا عليها.

 

والأخطر هو منح رئيس مجلس الوزراء صلاحية حل المجالس المحلية وفق عبارات واسعة من قبيل «المصلحة العامة» أو وفق تقدير السلطة التنفيذية.

 

السلطة التي تملك حق حل مجلس منتخب بسهولة تستطيع عمليًا تحويل الانتخاب إلى امتياز قابل للسحب في أي لحظة.

 

ولهذا فإن تحديد أسباب الحل بدقة ليس تفصيلًا قانونيًا، وإنما ضمانة أساسية لاستقلال المجالس المنتخبة.

 

يجب أن تكون هناك مخالفات جسيمة ومحددة، أو انتهاكات دستورية وقانونية واضحة، وليس عبارات فضفاضة تسمح بتفسير سياسي مفتوح.

 

فالرقابة على المجالس المنتخبة مطلوبة، لكن الرقابة شيء، وإخضاعها الكامل للسلطة التنفيذية شيء آخر.

 

كما أن المشكلة تتعلق بقدرة المواطن على المشاركة في تحديد الموارد وتوزيعها، خصوصًا في ظل تفاوت كبير بين المحافظات.

 

محافظة تحتاج إلى مدارس ومستشفيات وفرص عمل لا يمكن أن تكون أولوياتها مطابقة لمحافظة أخرى لديها احتياجات مختلفة.وهنا تظهر أهمية الموازنة المحلية والموارد الذاتية، لأن اللامركزية المالية هي التي تمنح اللامركزية السياسية معناها الحقيقي.

 

أما إذا ظلت المحافظات تعتمد أساسًا على قرارات الحكومة المركزية، فإن المجالس المحلية لن تمتلك القدرة على تنفيذ وعودها للناخبين.

 

وهكذا يجد المواطن نفسه أمام دائرة مغلقة: لا يختار المسؤول التنفيذي، ولا يملك مجلسًا محليًا قويًا، ولا يتحكم في الموازنة، ثم يُطلب منه في النهاية تحمل نتائج القرارات.

 

هذه ليست لامركزية، بل مركزية موزعة على خرائط المحافظات.

 

وفي دولة تعاني من اختلالات اجتماعية واقتصادية واسعة، يصبح هذا الوضع أكثر خطورة، لأن احتياجات المواطنين لا يمكن أن تنتظر دائمًا قرارًا مركزيًا يصدر من العاصمة.

 

المواطن الذي يحتاج مدرسة قريبة من منزله لا يحتاج خطابًا عن المشروعات القومية، وإنما يحتاج مدرسة.

 

والأسرة التي تنتظر مستشفى محترمًا لا تعنيها أرقام الإنفاق على المشروعات العملاقة بقدر ما يعنيها وجود خدمة صحية آدمية.

 

والشباب الذي يبحث عن فرصة عمل في محافظته يحتاج اقتصادًا محليًا حقيقيًا، وليس فقط مشروعات ضخمة لا يشعر بعائدها المباشر.

 

في المقابل، تواصل السلطة توجيه قدر كبير من اهتمامها إلى مشروعات قومية وخرسانية، بينما تظل الخدمات الأساسية عرضة للتراجع أو نقص الموارد.

 

وهنا يصبح غياب المجالس المحلية المنتخبة أكثر من مجرد مشكلة سياسية؛ لأنه يحرم المواطن من أداة يمكنه استخدامها للدفاع عن أولوياته اليومية.

 

عندما تُقتلع الأشجار لإقامة مشروع جديد، أو تختفي حديقة عامة، أو يُعاد تخطيط شارع دون مشاركة السكان، لا يجد المواطن جهة محلية منتخبة يمكنه مساءلتها سياسيًا.

 

وعندما تتأخر مدرسة أو مستشفى أو مصنع، لا توجد آلية انتخابية محلية تجعل المسؤول مضطرًا إلى تفسير أسباب الفشل أمام ناخبيه.

 

وبالتالي تستمر علاقة المواطن بالدولة من أعلى إلى أسفل، بينما تختفي تقريبًا العلاقة الديمقراطية من أسفل إلى أعلى.

 

المحليات هي المدرسة الحقيقية للسياسة، ومنعها أو إفراغها من مضمونها يعني عمليًا منع أجيال كاملة من ممارسة السياسة في بيئتها الطبيعية.

 

المواطن الذي لا يشارك في إدارة قريته أو مدينته لن يصبح فجأة شريكًا كاملًا في إدارة الدولة على المستوى الوطني.

 

والسياسة التي تبدأ من فوق وتنتهي عند المواطن لا تنتج مشاركة، بل تنتج طاعة وانتظارًا.

 

لذلك فإن تأجيل قانون المحليات مرة أخرى، إذا تأكد، لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد تأخير تشريعي عابر.

 

إنه استمرار لفراغ سياسي ودستوري امتد لسنوات طويلة، ورسالة واضحة بأن السلطة التنفيذية ما زالت أكثر استعدادًا لتأجيل المشاركة المحلية من السماح بظهور مراكز منتخبة مستقلة نسبيًا.

 

والنتيجة أن المواطن سيظل ينتظر مدرسة، ومستشفى، وحديقة، ومصنعًا، وطريقًا صالحًا، بينما تظل الأولويات الكبرى مرهونة بقرارات مركزية لا يملك التأثير فيها.

 

وكلما فشلت السياسات أو تراجعت الخدمات أو اختلت الأولويات، سيظل السؤال يتكرر: ماذا يمكن أن يفعل المواطن؟

 

والإجابة ليست معقدة: امنحه حق اختيار من يدير شؤونه، وامنحه مجلسًا يستطيع المحاسبة، وامنحه موارد تتناسب مع مسؤولياته، ثم حاسبه هو والمنتخبون أمام الناس.

 

أما استمرار تأجيل المحليات، وإعادة إنتاج المركزية، وتحويل الانتخابات إلى هندسة سياسية، فلن يصنع استقرارًا حقيقيًا.

 

قد يصنع صمتًا طويلًا، لكنه لا يصنع مشاركة، وقد يؤجل الأزمة، لكنه لا يحلها.

 

وقد يمنح السلطة مساحة أكبر للتحكم، لكنه يحرم الدولة من أهم عناصر الحكم الرشيد: مواطن يشارك، ومسؤول يُحاسب، وقرار يُتخذ بالقرب ممن يدفع ثمنه.

 

بعد أكثر من 12 سنة من الانتظار، وأكثر من 18 سنة على آخر تشكيل للمجالس المحلية، لم يعد السؤال متى يصدر القانون فقط.

 

السؤال الأكثر إلحاحًا هو: متى يصبح الدستور ملزمًا للسلطة فعلًا، وليس مجرد نص يمكن تأجيل استحقاقاته كلما اصطدمت برغبة النظام في الاحتفاظ بكل مفاتيح القرار؟