يكشف تقرير البنك الدولي أن هيئة السكك الحديدية حولت قرضًا مخصصًا لإنقاذ الأرواح وتحديث الإشارات إلى مشروع متعثر صرف أقل من نصف تمويله بعد خمس سنوات بينما بقيت سلامة الركاب رهينة التأجيل.
وبذلك وبعد خفض القرض إلى 421.2 مليون دولار لم تسحب الهيئة سوى 200.8 مليونًا حتى أغسطس 2026 تاركة 220 مليون دولار خارج التنفيذ ومكرسة فجوة بين التطوير وواقع المحطات والمزلقانات.
سلامة بلا حماية
في المقابل يضع تقرير البنك الدولي الهيئة أمام سؤال لا تجيب عنه البيانات وهو كيف بقي مشروع السلامة متأخرًا بينما استمر القرض مفتوحًا منذ توقيعه في أبريل 2021 بلا إنجاز.
كما أن التقرير يؤكد أن أعمال خط القاهرة بني سويف وهي أكبر الأعمال المتبقية متأخرة بدرجة كبيرة عن جدولها الأصلي رغم أن إغلاق المشروع مقرر في سبتمبر 2027 حتى الآن.
ومن ثم تصبح مهلة الإغلاق إنذارًا جديدًا لأن البنك يرى أن الأهداف قابلة للتحقيق ولكن ليس داخل الموعد ما لم تمدد المدة بعد سنوات كان يفترض أن تنجز خلالها الأعمال.
لكن التأخير لا يخص القضبان والإشارات وحدها إذ سجلت خطط السلامة والحريق تنفيذًا في محطتين فقط من أصل 10 محطات مستهدفة بما يترك 8 محطات خارج إجراءات يفترض أنها أساسية.
وعلاوة على ذلك ظل عدد مزلقانات المشاة المطورة عند صفر رغم أن المشروع يستهدف تشغيل 10 مزلقانات بما يكشف أن أخطر مكونات الحماية لم تبدأ أصلًا بعد سنوات القرض كلها.
وبناء على ذلك تصبح عبارة تطوير السلامة مفارقة قاسية لأن المشروع المقترض باسم إنقاذ الركاب والعاملين لم يوفر الحواجز للمشاة ولا خطط الحريق الكاملة في أغلب المحطات المستهدفة حتى الآن.
ويؤكد الدكتور عبد الله أبو خضرة أستاذ هندسة النقل والطرق أن الإشارات الإلكترونية وغرف التحكم والتأهيل البشري تقلل الخطأ الإنساني وهو ما يجعل توقف المكونات خطرًا عمليًا لا تفصيلًا إداريًا.
وبالمحصلة لا يمكن قياس النجاح بعدد العقود أو الأبراج التي أُعلن تشغيلها فقط فالمعيار الذي وضعه البنك لسلامة الركاب بقي عند 0.56 بينما يستهدف الوصول إلى 0.44 بحلول مارس 2027.
القرض بلا إنجاز
ومن جهة أخرى يكشف الصرف البالغ 47.68 في المئة أن الهيئة استهلكت خمس سنوات في إنفاق أقل من نصف قرض جرى تخصيصه لأعمال عاجلة لركاب مصر والعاملين على الشبكة الحيوية.
وفي الوقت نفسه تتبقى 220.38 مليون دولار غير مصروفة قبل الإغلاق في سبتمبر 2027 وهو مبلغ يحتاج استيعابه خلال فترة قصيرة إلى قفزة تنفيذية لا تشبه السجل البطيء للمشروع فعليًا.
بالتوازي أبقى البنك الدولي التقدم عند مستوى مرضي بدرجة متوسطة لكنه رفع مخاطر الرقابة المالية إلى مرتفعة وهي إشارة لا تنفصل عن بطء الصرف وضعف تحويل القرض إلى نتائج ملموسة.
زيادة على ذلك لم يتحقق الإصلاح المؤسسي الخاص بربط دعم الهيئة بالأداء ولذلك بقيت دفعة 29 مليون دولار غير مستحقة للصرف وكأن التمويل نفسه ينتظر إصلاحًا لم تنجزه الجهة المقترضة.
ويحذر إلهامي الميرغني الخبير الاقتصادي من أن اقتراض النقل دون تقييم واضح للجدوى يحول القروض إلى أعباء متراكمة لأن السكة الحديد من أكثر القطاعات اقتراضًا ويغيب قياس العائد والمحاسبة الحقيقية.
غير أن المشكلة لا تبدأ عند القسط الأخير بل عند تجهيز المشروع إذ رصدت تقارير تأخر سحب قرض الإشارات بين نجع حمادي والأقصر بسبب غياب الدراسات الفنية قبل التعاقد والتنفيذ.
وفوق ذلك لم تختلف قصة الخط الأول لمترو القاهرة إذ كشف الجهاز المركزي للمحاسبات عن سحب شرائح محدودة من قرضه الأوروبي وصلت إلى 1 في المئة فقط حتى يونيو 2024.
لذلك لا تبدو أزمة المشروع استثناءً بل نتيجة لنمط يطلب التمويل قبل استكمال التصورات والدراسات ثم يترك المؤسسات المقرضة والمواطنين يدفعون تكلفة التأخير بالفوائد وبسلامة ناقصة وخدمات متأخرة طوال السنوات.
إدارة بلا محاسبة
ومن زاوية أخرى يحدد البنك خمسة أسباب لتأخر خط القاهرة بني سويف تشمل المواد والتصميمات وتسليم المواقع وجدولة الأعمال وإدارة العقود وهي أسباب تكشف ارتباك الإدارة لا عائقًا مفاجئًا وحيدًا.
إذ إن غياب التنسيق بين التصميم والموقع والعقد لا يفسر فقط تأخرًا ورقيًا بل يطيل بقاء الركاب والعاملين تحت منظومة لم تستكمل حواجزها وإجراءات حريقها وتدريبها رغم مرور سنوات التمويل.
وبحسب الدكتور حمدي برغوث خبير النقل فإن قيمة القرض لا تقاس بتوقيعه وإنما بحسن إدارته وبخطة واضحة للمشروع وهذا الشرط يضع الهيئة أمام مسؤولية مباشرة عن أموال ظلت خارج الاستفادة.
وبالتالي فإن الحديث عن تحسن طفيف لا يلغي أن خطط الحريق متوقفة في 80 في المئة من المحطات المستهدفة وأن مزلقانات المشاة بقيت صفرًا وأن الهدف الأساسي لتقليل الإصابات الخطيرة لم يتحرك.
في النهاية يتعامل التقرير مع مؤشرات تخص حياة ركاب وعاملين ولذلك يجعل استمرار الأصفار في التجهيزات الوقائية بعد خمس سنوات إعلان التطوير ناقصًا ما لم يتحول إلى حماية حقيقية ملموسة.
ولهذا يحتاج الرأي العام إلى نشر جدول زمني ملزم وتفاصيل العقود المتأخرة وأسباب تجميد الصرف وخطة فورية للمحطات والمزلقانات بدلًا من الاكتفاء بوعود تعيد تدوير التأجيل تحت أسماء التطوير والتحديث.
ختامًا لا تصبح القروض تنمية إلا حين تكتمل أعمالها وتنعكس على أمان الناس أما القرض الذي ينفق نصفه ويتأخر نصفه الآخر فتظل فوائده مستحقة بينما تظل الحماية المطلوبة مؤجلة فوق القضبان.

