تكشف وتيرة الاقتراض المحلي خلال يوليو وأغسطس عن أزمة لا تتعلق بحجم الدين وحده، بل بسرعة دورانه وقدرته على جرّ الدولة نحو أصول ظلت خارج الحسابات.

 

فعطاءات أذون الخزانة خلال نحو ستين يومًا اقتربت من 2 تريليون جنيه، في وقت تتراكم فيه الاستحقاقات والفوائد، وتضيق أمام الخزانة بدائل التمويل الرخيصة.

 

 

دوامة استحقاقات بلا مخرج

 

أذون الخزانة ليست موردًا عاديًا للمال، فهي دين قصير الأجل يعود سريعًا إلى وزارة المالية، طالبًا السداد أو إصدار أذون جديدة لإعادة تمويله.

 

هكذا يتحول الاقتراض من أداة مؤقتة لتدبير السيولة إلى حبل مشدود حول الموازنة، إذ لا تنتهي ورقة الدين عند طرحها بل تبدأ معها دورة جديدة.

 

الاستحقاق القديم يُسدَّد بأذون جديدة، والأذون الجديدة تحمل فوائد أعلى، ثم تصبح فوائدها نفسها سببًا في إصدار التزامات إضافية عند الاستحقاق التالي.

 

وفي تلك الدائرة، لا تذهب حصيلة الاقتراض إلى توسيع الإنتاج أو تحسين الخدمات بالضرورة، بل يُستهلك جزء متزايد منها في منع التعثر وتأجيل موعد الدفع.

 

وبحسب تجميعات عطاءات يوليو وأغسطس، فإن الرقم يقترب من 2 تريليون جنيه خلال شهرين فقط، وهي وتيرة تكشف ضخامة الاحتياج اليومي للسيولة.

 

ولا يخفف من خطورة الرقم أن العطاءات تُجدَّد بانتظام؛ لأن التجديد نفسه هو جوهر الأزمة، عندما تصبح قدرة الدولة على السداد مرهونة باستمرار الاقتراض.

 

وتدور عوائد بعض الآجال في نطاقات تقترب من 26%، بما يعني أن تكلفة تأجيل المشكلة تتضخم بسرعة، حتى قبل إضافة أعباء الدين الخارجي.

 

كل زيادة في العائد تلتهم مساحة من الإنفاق العام، وتدفع الخزانة إلى البحث عن موارد جديدة، سواء عبر ضرائب ورسوم أو مبيعات أو اقتراض إضافي.

 

ولا تبدو المسألة مجرد أرقام فنية في نشرات البنك المركزي، فمئات المليارات التي تستحق سريعًا تضع المالية العامة تحت ضغط متواصل لا يهدأ.

 

هذه هي خطورة الدين القصير: أنه لا يمنح الدولة وقتًا حقيقيًا لترتيب مواردها، بل يفرض عليها سباقًا دائمًا مع تاريخ الاستحقاق التالي.

 

ومع كل جولة تمويل، تتقدم الفوائد إلى مقدمة الحساب، بينما يتراجع الحديث عن علاج أصل الاختلال الذي جعل الاقتراض ضرورة شهرية وشبه أسبوعية.

 

فالمال الذي يُستخدم لسداد أصل مستحق اليوم لا يخلق طاقة إنتاجية جديدة، بينما تظل الفائدة تتراكم وتنتقل من ورقة مالية إلى أخرى بلا توقف.

 

وفي النهاية، تتسع الفجوة بين موارد الدولة الثابتة والتزاماتها المتحركة، ويظل المواطن أول من يدفع الثمن.

 

 

صندوق النقد يرسم ساعة الانفجار

 

في هذا السياق، يحمل طلب صندوق النقد الدولي من وزارة المالية إعداد خريطة ربع سنوية لاستحقاقات أدوات الدين المحلي دلالة أبعد من إجراء محاسبي عادي.

 

الصندوق يريد توزيع الاستحقاقات بحسب نوع الأداة، ومراقبة مخاطر إعادة التمويل وتطور آجال الدين، أي معرفة أين ومتى يمكن أن تظهر نقطة الاختناق.

 

فالسؤال لم يعد فقط: كم يبلغ الدين؟ بل ماذا يستحق بعد ثلاثة أشهر، وماذا يستحق بعد ستة، وكم يلزم لتدويره من جديد؟

 

ذلك الطلب يكشف أن المشكلة لم تعد محصورة في رصيد الدين التراكمي، بل في تركيبته الزمنية، وقدرة الخزانة على عبور كل محطة استحقاق بلا هزة.

 

حين يطلب الدائن الدولي تلك الخريطة ربعًا بربع، فهو يراقب مدى انكشاف الدولة أمام الأسواق، ومدى اعتمادها على مزاج المستثمرين وأسعار الفائدة المرتفعة.

 

وتصبح كل عطاءات جديدة اختبارًا: هل يجد الدين مشترين؟ وبأي عائد؟ وكم ستدفع الخزانة لاحقًا كي تبقي باب التمويل مفتوحًا؟

 

وإذا تراجعت شهية المستثمرين أو ارتفع العائد المطلوب، لا تملك وزارة المالية رفاهية الانتظار، لأن الأذون المستحقة لا تتوقف حتى تتحسن الظروف.

 

لهذا تبدو خريطة الاستحقاقات أشبه بساعة إنذار، تُظهر مواعيد الذروة التي قد تلتهم السيولة وتدفع الدولة نحو قرارات استثنائية تحت ضغط الوقت.

 

والخطر لا يقف عند عجز الخزانة، بل يمتد إلى المواطن الذي يتحمل كلفة التمويل عبر تقليص الخدمات وارتفاع الضرائب والأسعار واستنزاف الموارد العامة.

 

إن مراقبة الاستحقاقات ليست تفصيلاً اقتصاديًا، بل اعتراف ضمني بأن باب الديون القصيرة صار أحد أكثر الأبواب حساسية في إدارة الأزمة المالية.

 

 

قناة السويس على طاولة الدين

 

وسط هذا المشهد، أعاد حسن هيكل طرح ما سماه «المقايضة الكبرى»: نقل أصول مملوكة للدولة إلى البنك المركزي مقابل معالجة جانب من مديونية وزارة المالية.

 

وسرعان ما دخلت قناة السويس قلب النقاش، بوصفها أحد الأصول التي أثيرت حول إمكان دخولها في معادلة تجمع بين الدين والأصول العامة.

 

هنا لا تكمن الخطورة في إعلان بيع وقع بالفعل، بل في أن قناة السويس، رمز السيادة وأحد أهم مصادر الدخل، أصبحت قابلة للطرح داخل النقاش المالي.

 

الفرق كبير بين نفي المساس بالقناة، وبين الإجابة عن السؤال الأخطر: لماذا وصل التفكير الاقتصادي إلى وضع أصل كهذا قرب دفتر المقايضة أصلًا؟

 

أمام رفض شعبي واسع، صدرت تأكيدات بأن القناة لن تُمس، وتحوّل جانب من الجدل إلى صفة هيكل وعلاقته بالحكومة واللجان الاستشارية.

 

لكن الجدل حول الصفة لا يبدد جوهر المسألة، لأن الفكرة خرجت إلى العلن في لحظة تتصاعد فيها احتياجات التمويل وتتراجع فيها هوامش المناورة.

 

ومن هنا يقرأ كثيرون الطرح باعتباره بالونة اختبار: تُلقى الفكرة، ويُقاس الغضب، ثم تُسحب عند اتساع الرفض باعتبارها مجرد رأي أو اقتراح.

 

غير أن انفجار البالونة لا يلغي الظروف التي دفعت إلى إطلاقها؛ فالاستحقاقات قائمة، والفوائد مرتفعة، ومصادر الدخل لا تلاحق دائمًا سرعة الالتزامات.

 

ومع تضاؤل السيولة، يصبح بيع الحصص أو نقل الأصول أو إعادة تعريف الملكية عبارات قابلة للتسويق باسم الإصلاح وتعظيم القيمة وإعادة الهيكلة.

 

الخطر أن تتحول المصطلحات الناعمة إلى ستار لقرارات تمس أصولًا عامة، ثم تقدم لاحقًا باعتبارها الحل الوحيد أمام أزمة لم تُعالج جذورها.

 

فقائمة الأصول السهلة ليست بلا نهاية، وكل أصل يخرج من الخزانة يقلص هامش الدولة في مواجهة الاستحقاق التالي، بدل أن ينهي الأزمة.

 

وعندما يصل النقاش إلى قناة السويس، لا يعود السؤال: ماذا سنبيع بعد ذلك؟ بل: ماذا بقي أصلًا خارج دفتر الحسابات؟

 

فالسفينة لا تميل فقط تحت ثقل الدين، بل تأخذ ماءً من كل اتجاه، بينما ينشغل القائمون عليها بتأجيل الغرق بورقة جديدة وفائدة جديدة.

 

والعبارة الأكثر خطورة ليست «مقايضة» أو «نقل ملكية»، بل تلك التي قد تأتي بعدها: لم يكن أمامنا حل آخر.