فجّر توبيخ محافظ القليوبية حسام عبد الفتاح لمديري مدرستين أمام الكاميرات مواجهة مع نقابة المعلمين، بعدما طغت الإهانات على مناقشة نقص الخدمات، وانتهت الجولة باستبعاد مدير وإعلان النقابة الدفاع عن كرامتهما.
وبينما شملت الجولة 4 مدارس بكفر شكر وبنها، برزت واقعة مديرة قالت إنها وزملاءها دفعوا 18 ألف جنيه لإصلاح المرافق، قبل أن تواجه تشكيك المحافظ وانتقاده، بدل حسم شكاوى المدرسة المعلقة.
توبيخ بدل معالجة الشكاوى
بحسب المقاطع المتداولة، واجه المحافظ نادر علي، مدير مدرسة برقطا، بعبارة «إنت مهمل وغير مسؤول»، إثر ملاحظات على النظافة، ثم قرر استبعاده بدعوى ضعف الاستعداد، فيما أوردت التغطية ارتداءه الجلابية ضمن الأسباب.
وفي المدرسة الأخرى، حاولت صالحة عبد الفضيل، مديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير بكفر الجزار، شرح نقص الخدمات، لكن المحافظ قاطعها بالسؤال عن القمامة، ناقلًا النقاش من احتياجات المؤسسة إلى توبيخ مديرتها.
وعندما أوضحت المديرة انشغال العمال باستلام الكتب وتأجيل المسح بسبب الأتربة، قال المحافظ «إزاي أعلم العيال النضافة إذا كنت أنا وسخ»، وهي العبارة التي وضعت أسلوب التعامل نفسه في صدارة الاعتراضات.
إزاء ذلك، استنكرت نقابة المهن التعليمية ما وصفته بالتعامل غير اللائق، وأكدت أن كرامة المعلم خط أحمر، رافضة تحويل المدارس إلى ساحات للاستعراض الإعلامي على حساب العاملين فيها ومكانتهم أمام طلابهم.
ومن جانبه، اعتبر نقيب المعلمين خلف الزناتي أن تصوير المسؤول أثناء توبيخ المعلمين لا يصلح التعليم، بل قد يضعف هيبتهم داخل المدرسة، وينعكس سلبًا على قدرتهم على أداء دورهم التربوي اليومي.
كما شدد الزناتي على أن المدير لا يستطيع حل جميع مشكلات مدرسته منفردًا، لأن المسؤوليات موزعة بين الإدارات والمديريات والمحافظات والوزارة وهيئة الأبنية التعليمية، بما يستدعي مراجعة تحميله أعباء خارج اختصاصه.
وعليه، أعلنت النقابة اعتزامها مخاطبة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي لوضع ضوابط ملزمة للزيارات، تتضمن تحديد المسؤوليات وآليات رصد المخالفات ومعالجتها، حتى تصبح الجولات وسيلة لحل المشكلات بدل الانتقاص من كرامة المعلمين.
مرافق معطلة وروايات متعارضة
في المقابل، قالت صالحة عبد الفضيل إن أعمال هدم داخل المدرسة أضرت بخطوط المياه والكهرباء والصرف، وإنها لجأت مع زملائها إلى تمويل إصلاحات بعدما خاطبت الجهات المختصة مرارًا دون استجابة لمطالبها.
وحسب روايتها، بلغت مساهماتهم نحو 18 ألف جنيه، وأخرجت أوراقًا خلال النقاش مع المحافظ دعمًا لحديثها، لتكشف الواقعة سؤالًا يتجاوز النظافة إلى الجهة المسؤولة عن إصلاح مرافق المدرسة وتوفير احتياجاتها الأساسية.
غير أن المحافظ قدم رواية مختلفة في تصريحاته الصحفية، قائلًا إن المديرة لم تثبت دفع المبلغ من مالها، وإن الأوراق المعروضة كانت مراسلات مع الإدارة التعليمية بشأن المشكلات القائمة داخل المدرسة.
لذلك، يبقى إثبات الإنفاق الشخصي محل خلاف بين الطرفين، لكن وصف المحافظ للأوراق بأنها مراسلات بشأن المشكلات يجعل متابعة هذه المخاطبات واستجابات الجهات المختصة جزءًا أساسيًا من مساءلة الأداء الإداري نفسه.
وبالتوازي، أعلنت النقابة تكريم مديري المدرستين تقديرًا لتحملهما المسؤولية، وأشارت إلى تحمل المديرة نفقات صيانة، في موقف يرفض اختزال جهودهما في مشاهد توبيخ تتجاهل ما عرضاه من صعوبات أمام المسؤول الزائر.
من جهتها، قالت سناء السعيد، عضوة لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب، إن الجولة كشفت واقعًا مؤلمًا تعانيه مدارس كثيرة، وتساءلت عن مطالبة المدير بالنظافة والانضباط دون توفير أبسط الإمكانيات اللازمة.
وانطلاقًا من تساؤل السعيد، فإن تقييم إدارة المدرسة يظل ناقصًا دون بيان العمالة والموارد المتاحة، وتحديد ما طلبته الإدارة وما تلقته فعليًا، بدل اعتبار آثار نقص الخدمات دليلًا كافيًا على تقصيرها.
فضلًا عن ذلك، لم يتناول بيان المحافظة المنشور عن الجولة تفاصيل الواقعتين، رغم تحولهما إلى محور اعتراض نقابي، فبقيت الرواية الرسمية للجولة خالية من عرض الخلاف الذي وثقته المقاطع المتداولة علنًا.
مساءلة تتجاوز مدير المدرسة
وفي سياق سابق، انتقد الخبير التربوي كمال مغيث واقعة توبيخ مديرة مدرسة بالدقهلية عام 2020، معتبرًا أن التركيز على النظافة أغفل أسئلة أساسية عن نقص المعلمين وتجهيزات المدرسة وكيفية انتظام التدريس.
واستنادًا إلى تصريحاته المنشورة بموقع درب آنذاك، ربط مغيث الواقعة بغياب عمال النظافة وتجاوز حدود الوظائف، وهو رأي بشأن حادثة سابقة يضيء مشكلة متكررة، ولا يمثل تعليقًا منه على واقعة القليوبية.
وعلى هذا الأساس، تكشف المقارنة خطر اختزال الرقابة التعليمية في مشهد مسؤول يوبخ مديرًا، بينما تغيب عن المشهد أسئلة التمويل وتوزيع العاملين وصلاحيات الإصلاح، وهي عناصر تحدد قدرة المدرسة على الاستعداد.
بالمقابل، لا يلغي نقص الموارد ضرورة فحص ملاحظات النظافة والاستعداد، لكنه يفرض فصل التقصير الفردي المثبت عن أوجه العجز المؤسسي، حتى تستند المحاسبة إلى مسؤولية محددة وأدلة واضحة وإجراءات قابلة للمراجعة.
ومن ثم، يصبح فحص مراسلات مدرسة كفر الجزار خطوة جوهرية لتحديد تاريخ الإبلاغ عن الأعطال والجهات المخاطبة وردودها، لأن ترك هذه الأسئلة معلقة يحصر المساءلة في المديرة ويستبعد بقية المسؤولين المعنيين.
علاوة على ذلك، يطرح استبعاد مدير برقطا سؤالًا عن الأساس الإداري للقرار ومدى ارتباطه بمخالفات موثقة، خاصة مع إدراج ملابسه في التغطية، بما يستدعي إعلان أسباب المحاسبة بعيدًا عن الانطباعات الشخصية.
وبناءً عليه، تضع مطالب النقابة الحكومة أمام مسؤولية تنظيم الجولات وحماية كرامة العاملين، مع إخضاع أداء المدارس للمراجعة، بحيث تشمل المحاسبة الجهات المكلفة بتوفير الخدمات والعمالة والصيانة وفق اختصاصاتها الفعلية المحددة.
وأخيرًا، تكشف الواقعتان أن الكاميرات تستطيع تسجيل الغضب دون إصلاح عطل واحد، بينما يتطلب تطوير المدارس إجابات عن الشكاوى والموارد والمسؤوليات، ومحاسبة تستند إلى الوقائع وتحفظ للمعلمين كرامتهم أثناء أداء عملهم.

