هددت تجمعات كثيفة من مياه الصرف خلف جامع أحمد بن طولون الأثري سلامة محيطه، بعدما حاصرت المياه منطقة «الزيادة» الملاصقة للمبنى التاريخي.

 

وأعادت الأزمة فتح ملف الإهمال المزمن الذي يطارد الجامع، وسط مطالبات بتدخل حكومي يتجاوز شفط المياه إلى تأمين أساساته وشبكات المنطقة.

 

 

الصرف يحاصر الجامع

 

بدأت الأزمة بظهور كميات كبيرة من المياه في منطقة قلعة الكبش، الواقعة خلف الجامع الأثري بمنطقة السيدة زينب في القاهرة.

 

وأثارت المشاهد قلق المهتمين بالتراث والمراقبين الأثريين، خصوصًا مع وقوع التجمعات داخل مساحة تابعة للجامع وقريبة من بنيانه التاريخي.

 

وحذر متابعون من أن استمرار المياه أو تكرار تسربها قد يؤثر في التربة المحيطة، بما يضع أساسات المبنى أمام مخاطر محتملة.

 

وكشفت وزارة السياحة والآثار أن المياه تجمعت نتيجة انسداد بعض مواسير الصرف الصحي الموجودة بالمنطقة الخلفية المحيطة بالجامع.

 

وأدى الانسداد إلى اندفاع المياه نحو المساحة المعروفة باسم «الزيادة»، وهي جزء معماري يحيط بالمسجد ويفصله عن المنشآت الخارجية.

 

ولا تمثل هذه المساحة أرضًا مهملة يمكن تجاهلها، بل تعد عنصرًا أصيلًا في تخطيط الجامع وحمايته من العمران المحيط.

 

وأعلنت الوزارة انتقال يمنى صلاح الدين، مدير عام مناطق آثار جنوب القاهرة، برفقة فريق من العاملين، فور رصد تجمع المياه بالموقع.

 

ودفعت الجهات المعنية بعربات لشفط المياه، بالتزامن مع تنفيذ أعمال لتسليك المواسير ووقف تدفق الصرف داخل المنطقة التابعة للجامع.

 

وأكد المجلس الأعلى للآثار استمرار المتابعة الدورية للموقع، واتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع أي طوارئ أو ملاحظات تظهر خلال الفترة المقبلة.

 

لكن التحرك بعد غمر الموقع بالمياه يطرح تساؤلات حول كفاءة الصيانة الوقائية، ومدى فحص شبكات الصرف المحيطة بالآثار بصورة منتظمة.

 

فالمشكلة لم تبدأ لحظة انتشار الصور، وإنما سبقتها مواسير مسدودة لم تُكتشف أو تُعالج قبل وصول المياه إلى الحرم الأثري.

 

ويحتاج الموقع إلى فحص هندسي دقيق للتربة والجدران، للتأكد من عدم تسرب الرطوبة أو تأثر الأساسات بالمياه المتراكمة خلف الجامع.

 

كما تتطلب الأزمة تحديد مسؤولية صيانة شبكة الصرف، ووضع جدول معلن للتطهير والمتابعة، بدلًا من انتظار كل انسداد حتى يتحول إلى تهديد.

 

ولا تكفي عملية الشفط وحدها لضمان سلامة المسجد، لأن تكرار التسرب قد يؤدي إلى ارتفاع الرطوبة وانتشار الأملاح داخل العناصر المعمارية.

 

وتزداد خطورة المياه في المباني التاريخية بسبب قدرتها على إضعاف مواد البناء، وتشويه الأسطح، وتهيئة بيئة لنمو الحشرات والكائنات الدقيقة.

 

لذلك تبقى المعالجة الحقيقية مرتبطة بإصلاح مصدر التسرب، ومراقبة منسوب المياه، وتوثيق حالة المبنى قبل الأزمة وبعدها بواسطة متخصصين مستقلين.

 

 

إهمال يتكرر تاريخيًا

 

لم تكن مياه الصرف أول أزمة تقترب من جامع أحمد بن طولون، فقد عانى المبنى ومحيطه طويلًا من التعديات والعشوائيات وضعف الصيانة.

 

وشهد الجامع خلال فترات سابقة إقامة مساكن ومخازن داخل بعض أروقته وحول أسواره، ما غيّر طبيعة محيطه وهدد معالمه التاريخية.

 

وفي القرن التاسع عشر، بلغ الإهمال مستوى شديدًا، بعدما تمددت مساكن الأهالي حول الجامع وداخله، وسط تراجع واضح لقدرات الحماية والترميم.

 

وواجهت لجنة حفظ الآثار العربية صعوبات مالية كبيرة لإنقاذ الجامع، بسبب ضعف الميزانية وارتباط موارد الأوقاف بقيود صندوق الدين آنذاك.

 

وتطلبت عمليات الإنقاذ تمويلًا ضخمًا لإزالة التعديات ونقل السكان وترميم الأجزاء المتضررة، بينما ظلت الإمكانات المتاحة أقل من احتياجات الموقع.

 

ورغم اختلاف الأزمنة، بقيت الأزمة الأساسية حاضرة، وهي التحرك بعد وقوع الضرر بدلًا من بناء منظومة تمنع وصول الخطر إلى الأثر.

 

وفي عام 2016، ظهرت تعديات بناء مخالف على حرم وسور قناطر ابن طولون، الملاصقة للمنطقة الأثرية المحيطة بالجامع.

 

وكشفت الواقعة آنذاك هشاشة الرقابة على نطاق أثري بالغ الحساسية، بعدما تمكنت مخالفات عمرانية من الاقتراب مباشرة من السور التاريخي.

 

واضطرت الجهات المعنية إلى التدخل لإزالة التعديات، لكن الواقعة أكدت أن حماية الأثر لا تنفصل عن ضبط العمران المحيط به.

 

وفي عام 2019، رصدت تقارير وزيارات ميدانية تراكم الأتربة والمهملات الخشبية في بعض أركان المسجد وصحنه، بما يعكس ضعف المتابعة اليومية.

 

وامتدت شكاوى الزوار إلى المئذنة الملوية الفريدة، حيث تحدثوا عن إهمال طوابقها العليا ووجود حشرات وأبراص وغرف مهجورة دون رعاية كافية.

 

وفي عام 2020، رُصد جفاف الفسقية داخل صحن الجامع، بينما تجمعت الحشرات في الساحة المائية التي يفترض أن تكون جزءًا جماليًا ووظيفيًا.

 

وتكشف هذه الوقائع أن أزمة الصرف الحالية ليست حادثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة ضمن تاريخ متكرر من التدهور والاستجابة المتأخرة.

 

فبين التعديات والمخلفات والحشرات وجفاف الفسقية وتسرب المياه، تبدو المشكلات متعددة، بينما يجمعها غياب خطة صيانة شاملة ومستدامة.

 

وتحتاج الوزارة إلى نشر نتائج الفحص الفني للجامع، وبيان ما إذا كانت المياه وصلت إلى الأساسات أو تركت آثارًا على الجدران.

 

كما يجب توضيح مدة بقاء المياه وكمياتها ومصدر الانسداد، لأن البيانات العامة لا تكفي لتقييم حجم الخطر الذي تعرض له الموقع.

 

ولا ينبغي أن تتحول قيمة الجامع التاريخية إلى عبارات احتفالية، بينما تظل شبكات الصرف والتعديات والمخلفات قادرة على تهديده باستمرار.

 

 

أثر فريد ينتظر الحماية

 

أمر أحمد بن طولون ببناء الجامع سنة 263 هجرية، الموافقة لسنة 877 ميلادية، داخل مدينته الجديدة التي عُرفت باسم القطائع.

 

وأصبح المسجد ثالث جامع بُني في عاصمة مصر الإسلامية، بعد جامعي عمرو بن العاص والعسكر، محتفظًا بمكانته المعمارية والتاريخية الاستثنائية.

 

ويُعد الجامع الطولوني أقدم مساجد مصر القائمة المحتفظة بتخطيطها ومعالمها الأصلية، مقارنة بمسجد عمرو الذي شهد إصلاحات غيّرت تفاصيله.

 

وشُيد المسجد فوق ربوة صخرية عُرفت باسم جبل يشكر، ولذلك يُصنف ضمن المساجد المعلقة المرتفعة عن مستوى العمران المحيط.

 

وتبلغ مساحته، مع الزيادات الخارجية، نحو ستة أفدنة ونصف الفدان، ما يجعله واحدًا من أكبر المساجد التاريخية في مصر.

 

وجاء تخطيطه مربعًا متأثرًا بالعمارة العباسية، خصوصًا مسجد سامراء في العراق، الذي استُلهم منه تصميم المئذنة الملوية الشهيرة.

 

ويمثل الجامع شاهدًا نادرًا على مرحلة تأسيس الدولة الطولونية، وعلى تطور العمارة الإسلامية في مصر خلال القرن الثالث الهجري.

 

ويتميز بصحن واسع تحيط به الأروقة، وباستخدام الطوب والأساليب الزخرفية التي منحت المبنى شخصية مختلفة عن مساجد القاهرة اللاحقة.

 

وتحمل منطقة «الزيادة» التي وصلت إليها المياه وظيفة معمارية مهمة، إذ تشكل نطاقًا فاصلًا بين جدران المسجد والمباني المحيطة.

 

ولهذا فإن تجمع الصرف فيها لا يجوز التعامل معه باعتباره مشكلة خدمية عادية، بل خطرًا داخل مكون أساسي من الموقع الأثري.

 

ويقع الجامع حاليًا بميدان أحمد بن طولون في حي السيدة زينب، ويجاور متحف جاير أندرسون ومسجد صرغتمش الناصري.

 

وتفرض هذه الكثافة الأثرية إعداد خطة مشتركة تشمل شبكات المياه والصرف والحريق والنظافة، مع مراقبة المباني والتعديات في المنطقة المحيطة.

 

ويجب أن تتضمن الخطة أجهزة لقياس الرطوبة، وفحوصًا دورية للأساسات، وتطهيرًا منتظمًا للمواسير، وتدريب العاملين على الاستجابة السريعة للطوارئ.

 

كما ينبغي إتاحة تقرير فني للرأي العام بعد انتهاء الأعمال، يوضح حالة المسجد والإجراءات المنفذة وضمانات منع تكرار تجمع المياه.

 

فحماية جامع ابن طولون لا تتحقق بعربات الشفط وحدها، وإنما بإدارة تدرك أن الإهمال الصغير قد يصنع خسارة أثرية لا يمكن تعويضها.

 

وتقع المسؤولية على الجهات الحكومية المعنية بالآثار والمرافق والمحافظة، لأن تعدد الاختصاصات لا يصلح مبررًا لترك موقع تاريخي أمام الخطر.

 

وتختبر الأزمة جدية الخطاب الرسمي حول حماية التراث، إذ لا معنى للترويج لآثار القاهرة إذا ظلت مياه الصرف تصل إلى أسوارها.

 

ويبقى المطلوب تحويل التحرك العاجل إلى برنامج دائم للصيانة والمحاسبة، حتى لا يصبح الجامع ضحية جديدة لإهمال يبدأ بانسداد وينتهي بتلف التاريخ.