نعت وزارة النقل المصرية ضحايا حادث انقلاب أتوبيس تابع لشركة الاتحاد العربي للنقل البري والسياحة «سوبر جيت» صباح الأربعاء على طريق دهب نويبع بجنوب سيناء بينما سجل الحصر الأولي لوزارة الصحة 16 وفاة و28 مصابًا جرى نقلهم إلى المستشفيات ثم ارتفع عدد الوفيات إلى 17 حالة.


وكشفت الواقعة قصورًا حكوميًا يتجاوز إدارة آثار الحادث إلى مسؤولية وزارة النقل عن شركة «سوبر جيت» التابعة لها وعن سلامة الحافلة والسائق وخط السير إذ أصدرت الوزارة بيان نعي ومواساة دون إعلان معلومات أولية عن الفحص الفني أو الرقابة السابقة أو المسؤول الإداري عن الرحلة.


نعي بلا كشف للحقائق


وبحسب بيان وزارة النقل فقد نعت الوزارة ببالغ الحزن والأسى ضحايا انقلاب الأتوبيس وقدمت تعازيها إلى أسرهم ودعت لهم بالرحمة والمغفرة كما تمنت الشفاء العاجل للمصابين مؤكدة أنها تتابع حالاتهم الصحية وتنسق مع الجهات المعنية لتقديم الرعاية والدعم اللازمين بعد الحادث.


وفي المقابل لم يكشف البيان عدد الضحايا أو أسماءهم أو جنسياتهم ولم يحدد ساعة وقوع الحادث أو عدد ركاب الأتوبيس ولم يوضح نقطة انطلاق الرحلة ووجهتها كما تجنب إعلان أي تفاصيل بشأن الحالة الفنية للحافلة قبل تحركها على طريق دهب نويبع.


كذلك لم تعلن الوزارة تشكيل لجنة فنية مستقلة لفحص الأتوبيس ولم تحدد الجهة التي أجرت الصيانة الدورية أو تاريخ آخر فحص فني ولم تقدم معلومات عن ساعات عمل السائق ومدى التزام الشركة بفترات الراحة المقررة رغم خطورة الرحلات الطويلة بين المحافظات والدول.


وبعد وقوع الحادث دفعت وزارة الصحة بنحو 20 سيارة إسعاف إلى موقع البلاغ لنقل المصابين والجثامين وجرى توزيع الحالات على منشآت طبية في جنوب سيناء بينما تابعت غرفة العمليات المركزية تطورات الإصابات وأعلنت توفير الفرق الطبية والتخصصات المطلوبة للتعامل مع الحالات التي تحتاج إلى تدخل عاجل.


وفي الوقت نفسه أفادت تقارير بأن الأتوبيس كان متجهًا من القاهرة إلى العاصمة الأردنية عمان وأن مواطنين أردنيين كانوا بين ركابه بينما تداولت وسائل إعلام أردنية حصيلة لضحايا من رعايا المملكة وهو ما جعل إعلان قائمة رسمية موحدة بأسماء الضحايا والمصابين ضرورة إنسانية وقانونية عاجلة.


ومن جانبه يؤكد أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس أسامة عقيل في مواقفه المنشورة بشأن حوادث المرور أن خفض الضحايا يتطلب تنفيذ استراتيجية قومية ملزمة لسلامة الطرق ومحاسبة الجهات المقصرة ولا يتحقق بمجرد تحميل السائق المسؤولية عقب كل حادث دون مراجعة بيئة التشغيل والرقابة.


شركة حكومية ومسؤولية مباشرة


وعلى صعيد الملكية تتبع شركة الاتحاد العربي للنقل البري والسياحة «سوبر جيت» وزارة النقل وتعمل في نقل الركاب داخل مصر وخارجها ولذلك لا تستطيع الوزارة التعامل مع الحادث باعتباره واقعة تخص مشغلًا بعيدًا عنها لأن مسؤوليتها تشمل متابعة أداء الشركة ومعايير التشغيل والصيانة وحماية الركاب.


وبناء على ذلك يفرض حادث أتوبيس «سوبر جيت» بطريق دهب نويبع أسئلة مباشرة بشأن سجلات صيانة الحافلة وسلامة الإطارات والمكابح وأجهزة تحديد السرعة ومدى مراجعة تراخيص السائقين إلى جانب إجراءات التفتيش التي نفذتها الوزارة قبل السماح للأتوبيس بحمل الركاب في رحلة دولية طويلة.


وفضلًا عن ذلك كانت وزارة النقل قد قدمت الشركة قبل أسابيع باعتبارها إحدى الشركات الرائدة في نقل الركاب وتحدثت عن امتلاكها حافلات حديثة توفر مستويات مرتفعة من الأمان غير أن انقلاب إحدى حافلاتها وسقوط هذا العدد من الضحايا يضع تلك الدعاية أمام اختبار الوثائق والنتائج.


أما الخبير المستقل وأستاذ هندسة الطرق والنقل أسامة عقيل فقد حذر سابقًا من اختزال أسباب الحوادث في أخطاء الأفراد وطالب بتطبيق إجراءات المجلس القومي لسلامة الطرق وهو طرح يحمّل أجهزة الدولة مسؤولية بناء منظومة تمنع الخطأ أو تقلل نتائجه بدل الاكتفاء بتفسير الحوادث بعد وقوعها.


ومن الناحية القانونية تستلزم الواقعة حفظ أجهزة الأتوبيس وسجلات الرحلة وكشوف الصيانة ونتائج اختبارات السائق وساعات تشغيله لأن تحديد المسؤولية يحتاج إلى أدلة فنية لا إلى روايات غير موثقة كما يجب أن يشمل التحقيق مسؤولي الشركة والرقابة إذا ثبت وجود إهمال أو مخالفة.


وفي هذا السياق يربط أستاذ القانون العام عادل عامر في كتاباته عن سلامة المرور بين الحد من الحوادث وبين التطبيق الفعلي لقواعد الترخيص والحمولات وحالة المركبات ويعتبر إنفاذ القانون ضرورة لحماية الأرواح وهو معيار يقتضي نشر نتائج التحقيق ومحاسبة المسؤول الإداري والفني دون استثناء.


أرقام تفضح منظومة السلامة


وعلى مستوى الصورة الأوسع تكشف بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن عدد وفيات حوادث الطرق في مصر ارتفع إلى 5829 وفاة خلال 2025 مقابل 5260 وفاة في 2024 بنسبة زيادة بلغت 10.8 بالمئة وهي حصيلة تناقض خطاب الحكومة المتكرر عن تحسن شبكة الطرق وارتفاع معدلات الأمان.


وفوق ذلك ارتفع عدد المصابين في حوادث الطرق إلى 84553 مصابًا خلال 2025 مقابل 76362 مصابًا خلال 2024 بنسبة زيادة بلغت 10.7 بالمئة بينما سجل الركاب 25816 إصابة بما يوضح أن مستخدمي وسائل النقل يدفعون ثمن ضعف الرقابة على المركبات والسائقين ومسارات التشغيل.


وبالتوازي أظهرت البيانات أن الأطفال دون 15 عامًا تصدروا الفئات العمرية المصابة بعدد 29101 مصاب وأن شهر مارس سجل 583 وفاة بينما سجل أكتوبر 8245 إصابة وهو ما يؤكد أن الحوادث تمثل أزمة سلامة عامة مستمرة وليست وقائع منفصلة تنتهي ببيانات التعزية الرسمية.


وفي تقييمه لأسباب الحوادث المتكررة شدد أستاذ هندسة الطرق والنقل حسن مهدي على أهمية المراقبة اللحظية لوسائل النقل وضبط السرعة واكتشاف المخالفات قبل تحولها إلى كوارث وهو ما يضع وزارة النقل أمام سؤال واضح بشأن عمل أنظمة التتبع داخل أتوبيس «سوبر جيت» المنكوب.


وبالتالي لا يكفي أن تعلن الوزارة وقوفها إلى جانب أسر الضحايا والمصابين من دون تحديد صورة هذا الدعم وقيم التعويضات وآلية صرفها والجدول الزمني لذلك كما يتعين عليها توفير معلومات منتظمة للأسر بشأن العلاج ونقل الجثامين والإجراءات المطلوبة بدل تركهم بين المستشفيات والجهات الرسمية.


وفي الخلاصة يفرض سقوط 22 ضحية وإصابة 23 آخرين في حادث أتوبيس «سوبر جيت» بطريق دهب نويبع نشر نتائج تحقيق فني وقضائي كامل يكشف أسباب الانقلاب وسلامة الحافلة ومسؤولية الشركة والوزارة لأن احترام الضحايا يبدأ بمنع إخفاء التقصير ولا ينتهي ببيان نعي يخلو من الإجابات والمحاسبة.