وصل الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة اليوم الثلاثاء في زيارة هي الأولى من نوعها منذ ما يقرب من عشر سنوات، بالتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، في ظل تطورات أتاحت لبكين فرصًا في الشرق الأوسط لم تكن متاحة لها منذ سنوات.
ونشر الرئيس الصيني و(قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي، مقالين في وسائل الإعلام المصرية مساء الاثنين، أوضحا فيهما بلغة متقاربة كيف ينظر كل جانب إلى هذه المناسبة.
ووصف خطاب الرئيس شي الزيارة بأنها انطلاقة "رحلة جديدة تتسم بالحيوية والعزيمة بعد سبعين عامًا من التضامن والدعم المتبادل"، وتناول بإسهاب مواضيع لطالما سلطت بكين الضوء عليها على مدى أشهر: القيادة المشتركة لدول الجنوب العالمي، و"التعددية الحقيقية"، والدفاع عن "العدالة والمساواة الدوليتين".
وأشار محللون لصحيفة "ذا ناشيونال" إلى أن الخطاب استهدف الولايات المتحدة دون تسميتها صراحةً .
وكان مقال السيسي أكثر إثارةً للدهشة بفضل صراحته، إذ قال إن مصر تتمسك بـ"سياسة التوازن الاستراتيجي في وقت تتصاعد فيه موجات الاستقطاب والتنافس". وأكد أن السياسة الخارجية المصرية ستبقى مستقلة عن ذلك.
وقال إن مصر والصين أصبحتا "شريكتين تساهمان بشكل مشترك في تعزيز دور الجنوب العالمي في النظام العالمي بطريقة تحقق قدراً أكبر من العدالة والمساواة للدول النامية".
دعم الصين لمصر في تأميم قناة السويس
وأشار الرئيس الصيني إلى أن بلاده دعمت مصر في نضالها عام 1956 لاستعادة سيادتها على قناة السويس، وأن مصر ردت بالمثل بدعمها لطلب بكين الحصول على مقعدها في الأمم المتحدة عام 1971. وكتب أن كلا البلدين "يدعمان بثبات القضية العادلة للشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه الوطنية المشروعة".
ويقول المحللون إن جوهر الزيارة لا ينفصل عن توقيتها، في ظل انخراط الولايات المتحدة في حرب مع إيران وتقليص نفوذها الإقليمي.
وقال المحلل السياسي عبد الله ناصف: "تأتي زيارة شي إلى القاهرة في وقت تتورط فيه الولايات المتحدة في مستنقع إيران، وفي الوقت الذي انسحبت فيه الولايات المتحدة ببطء من المنطقة بعدة طرق، مما وفر للصين مساحة استراتيجية لتشغلها".
وأضاف أن روسيا احتلت تاريخيًا هذا الحيز كبديل للولايات المتحدة، منذ تحول أنور السادات إلى المعسكر الأمريكي في السبعينيات، لكن موسكو الآن تعاني من نقص في الموارد.
وأشار ناصف إلى أن الرسالة المتعلقة بفلسطين ذات أهمية خاصة، لا سيما في ظل الدعم العالمي المتزايد لهذه القضية وسط الحرب الإسرائيلية على غزة. وتؤكد هذه القضية على نية الصين تقديم نفسها للعالم العربي كقوة عظمى أفضل.
وقال: "تمثل هذه الزيارة فرصة للصين لتضع نفسها كفاعل عقلاني على الساحة العالمية، وخاصة في الشرق الأوسط، حيث لم تسفك دماء أحد".
تدفق الأموال الصينية إلى مصر
وبحسب ناصف، فإن الزيارة "تمثل أيضًا بداية حقبة جديدة تتدفق فيها النفوذ والأموال الصينية عبر مصر، مما يعوض عن الأموال الأمريكية التي فُقدت مع تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وتغير أهداف السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس (دونالد) ترامب".
وصرحت نادية حلمي، أستاذة العلوم السياسية في جامعة بني سويف وباحثة زائرة أولى في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة لوند، لصحيفة "ذا ناشيونال" بأن بكين تتحرك "لإحباط محاولات واشنطن لتعزيز نفوذها الاقتصادي والعسكري في الشرق الأوسط، مستغلة انشغال أمريكا بالصراع الإقليمي مع إيران".
وقالت إن الصين تستغل الذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية لترسيخ "القيادة المشتركة للجنوب العالمي" مع مصر، وتعزيز دور الأخيرة كممر لا غنى عنه لتوسيع مبادرة الحزام والطريق عبر قناة السويس، وإضفاء الطابع المؤسسي على التعاون الصيني من خلال التكتلات الإقليمية مثل مجموعة بريكس، التي انضمت إليها مصر في عام 2024.
التزام الصين بالأمن الإقليمي
وأوضحت أن الرسالة الأبرز التي وجهتها بكين كانت بمثابة "طمأنة للحلفاء التاريخيين، كمصر، بشأن التزام الصين بالأمن الإقليمي، رغم انخراطها في مواجهات أخرى مع الولايات المتحدة، في إيران، وكذلك في تايوان وبحر الصين الجنوبي". وأضافت أن زيارة الرئيس شي كانت أيضًا "تحذيرًا غير مباشر" للولايات المتحدة بأن الصين "لن تتخلى عن نفوذها التقليدي ومصالحها الحيوية في الشرق الأوسط".
وتتزامن زيارة الرئيس الصيني مع تكثيف التنسيق المصري الصيني لتأمين الحدود والممرات المائية الدولية في البحر الأحمر وقناة السويس ومضيق باب المندب ومضيق هرمز - وهي نقاط اختناق بحرية تعطلت فيها حركة الملاحة بسبب الحرب الإيرانية.
ولا تزال منطقة قناة السويس الاقتصادية تشكل العمود الفقري للعلاقات الثنائية، والتي تتمثل أبرز معالمها في المنطقة الصناعية المشتركة التي افتتحها الرئيسان الصيني والمصري في عام 2016. وأصبحت منذ ذلك الحين أكبر تجمع للوجود الصناعي الصيني في العالم العربي.
بلغ حجم التجارة الثنائية 20.8 مليار دولار في عام 2025، على الرغم من أن ذلك كان يميل بشدة نحو الصادرات الصينية، ويستهدف المسؤولون المصريون تجاوز 25 مليار دولار بحلول نهاية هذا العام.
تحويل جزء من ديون مصر إلى حصص استثمارية
ووفقًا للباحثة، فإنّ من بين المقترحات المطروحة أيضًا نظام لتحويل جزء من ديون الصين المستحقة على مصر إلى حصص استثمارية مباشرة في مشاريع صناعية، ما من شأنه تخفيف الضغط على احتياطيات مصر من العملات الأجنبية في وقت بات فيه عبء ديون البلاد من أكثر القضايا السياسية الداخلية حساسية. وأضافت أن من المتوقع أن تكون تفاصيل هذا النظام محورًا رئيسًا للمناقشات التجارية خلال زيارة الرئيس شي.
يسير المسار العسكري جنبًا إلى جنب مع المسار الدبلوماسي. تجري القوات الجوية الصينية والمصرية مناورات "نسور الحضارة 2026" المشتركة في قواعد جوية في جميع أنحاء مصر منذ 22 أغسطس. وتستمر المناورات حتى أوائل سبتمبر، وهي المرة الثانية التي تُجرى فيها منذ العام الماضي.
نشر الجيش المصري يوم الاثنين صورًا لطائرة تزويد وقود من طراز YU-20 تابعة للجيش الصيني وهي تزود طائرة رافال مصرية بالوقود في الجو، في عرض للتوافق التقني بين الخدمات اللوجستية الصينية وأسطول المقاتلات المصري الذي تم تزويده من الغرب.
وعلى الرغم من تأكيد الجانبين على أن التدريبات لا ترتبط بأي صفقات أسلحة، إلا أن تنسيقها يخدم غرضًا محددًا، بحسب حلمي. فهي تُظهر للولايات المتحدة قدرة الصين على نشر وحدات كاملة من القوات الجوية في المنطقة بسهولة، وتُقدّم دليلاً ملموسًا للرئيسين للاستناد إليه أثناء مناقشة علاقة دفاعية أوسع نطاقًا خلال الزيارة.
وأضافت أن مصر تتطلع إلى تنويع مصادر معداتها العسكرية وتخفيف اعتمادها على الأسلحة الغربية.
https://www.thenationalnews.com/news/mena/2026/09/01/chinas-xi-arrives-in-cairo-with-beijing-looking-to-fill-void-left-by-us-analysts-say/

