كشف تداول فيديو يظهر جثامين طافية في مياه ترعة الإسماعيلية قرب أبو زعبل حجم فراغ خطير في الاستجابة والتوضيح، بعدما سبقت شكاوى الأهالي من الروائح الكريهة للمشهد الصادم، بينما بقيت أسئلة الانتشال والهوية وأسباب الوفاة معلقة.
وفي المقابل، يتحدث صاحب المقطع المتداول عن وجود مقبرة جماعية أو تجارة أعضاء، لكن نشر موقع فيتو أن الفيديو مصور قبل نحو 3 أشهر وأن الجثامين تعود، وفق تقصيه، إلى ضحايا حوادث غرق متفرقة جرفها التيار.
وفي الوقت نفسه، لا يلغي نفي رواية الاتجار بالأعضاء الحاجة إلى تحقيق معلن، لأن وجود جثامين عدة في مجرى مائي واحد، مع روايات عن تأخر الانتشال، يفرض تحديد عددها وهويات أصحابها وتسلسل وصولها إلى المكان.
طالع الفيديو من هنا:
https://x.com/3nan_ma/status/2092643236292780210
جثامين بلا إجابات
ومن جهة أخرى، يزيد الغموض أن تقريرًا منشورًا في 30 مايو أشار إلى العثور على 3 جثامين مجهولة الهوية في طريقها إلى خزان أبو زعبل، ما يمنح المطالبة بالمعلومات الرسمية أساسًا يتجاوز ضجيج المنصات.
وبحسب ما نشر في يوليو، عثرت الأجهزة الأمنية كذلك على جثمان شاب طافيًا بترعة الإسماعيلية بجوار مصنع السماد في أبو زعبل، وانتشلته قوات الإنقاذ النهري ونقلته إلى المشرحة تحت تصرف النيابة للتحقيق.
وإزاء ذلك، تصبح القضية أوسع من فيديو صادم، لأنها تكشف تكرار ظهور جثامين في المجرى ذاته خلال أشهر متقاربة، بينما لا تتوافر حتى الآن رواية جامعة تشرح الوقائع منفصلة وتمنع خلطها في قصة واحدة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور هشام عبد الحميد، رئيس مصلحة الطب الشرعي الأسبق، في تصريحات منشورة إن المظهر الخارجي للجثمان لا يكفي للجزم بسبب الوفاة، وإن الفحص والتشريح والعينات هي الطريق العلمي للحسم.
وعلى هذا الأساس، فإن نقل الجثامين إلى الطب الشرعي ليس إجراءً شكليًا، بل ضرورة لتحديد سبب الوفاة وزمنها والبحث عن إصابات أو سموم أو علامات أخرى، ثم مطابقة الهوية بما تسمح به الفحوص والتحقيقات الرسمية.
وفوق ذلك، يظل عدد الجثامين نفسه مسألة تحتاج بيانًا محددًا، لأن الفيديو المتداول لا يقدم حصرًا موثوقًا، بينما يؤدي تداول أرقام غير مؤكدة إلى تضخيم الذعر أو تقليل حجم الواقعة دون سند يمكن مراجعته.
العبث يهدد الأدلة
ومن ثم، يصبح التعامل العشوائي مع أي جثمان أو تحريكه قبل توثيق موضعه ومساره المحتمل خطرًا على التحقيق، خصوصًا إذا كانت الوفاة جنائية أو كانت الجثة قد انتقلت بالمياه من موقع وفاة مختلف.
وعليه، شدد اللواء رفعت عبد الحميد، خبير العلوم الجنائية ومسرح الجريمة، في تصريحات سابقة على أن العبث بمسرح الجريمة قد يزيل آثارًا مادية تساعد التحقيق، وأن جمع الأدلة يجب أن يسبق الاستنتاجات والروايات.
وبالتوازي، فإن المشهد المائي لا يعفي من قواعد حماية الأدلة، لأن التيار والحشائش والتحلل عوامل تغير حالة الجثمان أصلًا، وأي نبش إضافي أو انتشال غير منظم قد يزيد صعوبة قراءة العلامات المتبقية.
وإضافة إلى ذلك، يتعين توثيق مكان كل جثمان على حدة، وحالته الظاهرية، وما يحيط به من ملابس أو متعلقات أو أجسام، لأن هذه التفاصيل قد تساعد على التمييز بين حادث غرق وواقعة جنائية محتملة.
ووفقًا لذلك، فإن مطالبة الأهالي بسرعة تدخل الإنقاذ النهري والنيابة والطب الشرعي لا تتعارض مع رفض الشائعات، بل تكملها، لأن الاستجابة المهنية السريعة هي الوسيلة الأقصر لإغلاق مساحة التخمين بالأدلة.
وفي ضوء ذلك، يثير غياب شرح رسمي شامل حتى لحظة انتشار الفيديو مشكلة ثقة، فكل ساعة تمر دون معلومات قابلة للتحقق تمنح المقاطع المبتورة والتعليقات المجهولة فرصة أكبر لصناعة سرديات يصعب احتواؤها لاحقًا.
المياه تحت الاشتباه
وبعيدًا عن الروايات المتداولة، سبق أن شهدت ترعة الإسماعيلية في منطقة أبو زعبل واقعة تلوث بالسولار في أبريل 2026، دفعت الجهات المعنية إلى وضع حواجز وماصات ومتابعة جودة المياه على مدار الساعة.
وحتى الآن، لا توجد أدلة منشورة تربط الرائحة التي تحدث عنها الأهالي بالجثامين أو بواقعة السولار السابقة، ولذلك فإن الربط بينهما دون عينات وفحوص بيئية سيعيد إنتاج المشكلة نفسها التي صنعتها الشائعات.
وأمام هذا الاحتمال، يصبح أخذ عينات من المياه وفحص مصادر الروائح خطوة لازمة بالتوازي مع التحقيق في الجثامين، لأن المجرى المائي يستخدم في نطاق واسع، وأي تلوث محتمل لا ينبغي التعامل معه بالانطباعات.
ومن زاوية بيئية، قال الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، في تصريحات منشورة إن تلوث الترع يرتبط بمصادر صرف ومخلفات مختلفة، وإن تحسين جودة المياه يتطلب متابعة ومعالجة مستمرة.
لذلك، فإن الاستجابة المطلوبة يجب أن تسير في مسارين متوازيين، أولهما جنائي لتحديد هوية المتوفين وأسباب الوفاة، وثانيهما بيئي لفحص المياه والروائح ومصادرها، مع نشر نتائج واضحة بدل ترك المواطنين للتخمين.
غير أن أخطر ما في الواقعة ليس الفيديو وحده، بل قابلية المشهد لأن يتحول إلى مادة للشائعات كلما غابت البيانات الدقيقة، بينما يمكن لبيان واحد موثق بالأعداد والإجراءات والنتائج الأولية أن يقطع الطريق عليها.
علاوة على ذلك، فإن إعلان ما إذا كانت الجثامين مرتبطة بحوادث غرق مسجلة، أو بمحاضر مفقودين، أو بوقائع منفصلة، سيكون أكثر فاعلية من الاكتفاء بنفي رواية واحدة، لأن الجمهور يحتاج تفسيرًا كاملًا لا نفيًا مجتزأ.
وبناءً على ذلك، تبقى الأولوية لانتشال كل جثمان بطريقة تحفظ الأدلة، وعرضه على الطب الشرعي، ومراجعة بلاغات المفقودين، وفحص المياه، ثم إعلان النتائج للرأي العام، لأن الصمت في واقعة كهذه لا يترك فراغًا بل يصنعه.

