تكشف أزمة التأمينات الممتدة منذ فبراير 2026 أن التحول الرقمي الذي قُدم بوصفه طريقًا لتخفيف معاناة المواطنين تحول لآلاف المستحقين إلى بوابة لتعليق المعاشات، وتأخير التسويات، وإجبار كبار السن على مطاردة حقوقهم بين المكاتب.
وتزداد حدة الأزمة لأن المتضررين ليسوا أصحاب معاملات تكميلية يمكن تأجيلها، بل ورثة ومرضى وأصحاب عجز يعتمد كثير منهم على المعاش كمصدر دخل أساسي، ما يجعل كل شهر تأخير خصمًا مباشرًا من الغذاء والعلاج.
حقوق معلقة خلف الشاشات
في البداية، يرى محمد البسيوني، خبير الحركات العمالية والأمين العام السابق لحزب الكرامة، أن تأخير المعاشات لعدة أشهر يضرب الأسر الأكثر احتياجًا، خصوصًا كبار السن وورثة المتوفين الذين لا يملكون مصادر دخل بديلة.
وفوق ذلك، يعتبر البسيوني أن المنظومة الرقمية الجديدة واجهت عوائق في التشغيل والتكامل مع البيانات التاريخية، فتراكمت الملفات داخل المكاتب، بينما اضطر المواطن إلى تكرار الزيارات واستكمال مستندات كان يفترض أن يحفظها النظام ويستدعيها.
وعمليًا، تكشف الشكاوى أن كلفة الخطأ التقني لم تتحملها الجهة المنفذة أو الإدارة، بل انتقلت إلى صاحب المعاش نفسه، الذي يدفع مواصلات ويعيد استخراج الأوراق وينتظر ساعات طويلة للحصول على استحقاق يفترض أنه محسوم قانونًا.
وفي المقابل، قالت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي إن المنظومة أطلقت بعد اختبارات وتشغيل تجريبي، ونفت في أبريل وجود أعطال شاملة، لكنها أقرت ببطء بعض الخدمات واعتذرت للمواطنين عن آثار المرحلة الانتقالية.
لكن الأرقام الرسمية نفسها أظهرت اتساع التعطل، إذ أعلنت الهيئة في مايو وجود 76 ألف طلب معاش متبقٍ، وقررت صرف 10 آلاف جنيه تحت حساب التسوية لنحو 42 ألف مستحق استوفوا المستندات المطلوبة.
وبمرور الوقت، وعدت الحكومة بتصفية الملفات المتأخرة وتحقيق الاستقرار الكامل خلال أغسطس، غير أن اتحاد أصحاب المعاشات قال في 25 أغسطس إن 24 ألف حالة ما زالت متضررة، وبعضها ينتظر مستحقاته منذ 6 أو 7 أشهر.
لهذا، تتحول القضية من عطل عابر إلى سؤال عن إدارة المخاطر، لأن إطلاق منظومة تمس دخل ملايين المواطنين كان يقتضي وجود مسار احتياطي يضمن استمرار الحقوق حتى إذا فشل النقل الإلكتروني أو تعثرت مطابقة البيانات.
أزمة تتجاوز البطء
من زاوية أخرى، يقول كامل السيد، خبير التأمينات والمعاشات ووكيل الهيئة سابقًا، إن الأزمة لا تختزل في بطء الأداء، وإن الخدمات الجديدة تعطلت بصورة واسعة منذ بدء تشغيل المنظومة، خصوصًا المعاشات الجديدة والتسويات والتعديلات التأمينية.
وبحسب السيد، فإن انتظام صرف المعاشات القديمة لا يصلح دليلًا على كفاءة المنظومة الجديدة، لأن جانبًا كبيرًا منها كان مربوطًا قبل الانتقال، بينما ظهرت المشكلة أساسًا مع الملفات الجديدة والعمليات التي تحتاج معالجة داخل النظام.
وعلاوة على ذلك، طالب السيد بتشكيل لجنة تقصي حقائق مستقلة تفحص المشروع منذ بدايته، وتحدد مسؤولية تصميمه واختباره وتشغيله، بدل الاكتفاء بتبادل التفسيرات بين الهيئة والمتضررين من دون نشر تقييم فني يحدد موضع الخلل.
وبصيغة أوضح، المشكلة ليست أن التحول الرقمي فكرة خاطئة، بل أن حق المواطن لا يجوز أن يصبح رهينة نجاح تجربة تقنية، ولا ينبغي إغلاق المسار القديم قبل إثبات أن البديل قادر على التعامل مع الحالات المعقدة والاستثنائية.
وفي السياق نفسه، يصبح فقدان مستندات أو عدم ظهور معاملات سابقة أخطر من مجرد تأخير، لأنه يحمّل المواطن عبء إثبات حق سبق أن قدم مستنداته بشأنه، ويحوّل ضعف الأرشفة من خلل إداري إلى تهديد مباشر للاستحقاق.
أما صرف مبالغ مؤقتة لبعض الحالات، فيخفف الضرر لكنه لا يحل أصل المشكلة، خصوصًا حين يحصل مستحق على 1700 جنيه بينما يتراوح معاشه الأصلي بين 4000 و6000 جنيه، فتتحول التسوية المؤقتة إلى عجز معيشي ممتد.
وعندئذ، تصبح المساءلة ضرورية حول الجهة التي اعتمدت الانتقال، ومعايير قبول المنظومة، وخطط الرجوع عند التعطل، ومدى اختبار البيانات التاريخية، وهي تفاصيل لم يحصل الجمهور حتى الآن على تقرير مستقل يشرحها بصورة كاملة.
وعلى هذا الأساس، لا يعود السؤال متعلقًا بسرعة إصلاح الخلل وحدها، وإنما بمن يتحمل تبعات أشهر التعطيل، ومن يراجع القرارات التي سمحت باستمرار الأزمة، وكيف تعوض الأسر التي اضطرت للاقتراض أو الاستدانة.
وعود بلا نهاية
في موازاة ذلك، أعدت الباحثة داليا موسى بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مراجعة للأزمة خلصت إلى أن المواعيد التي أعلنتها الحكومة لإنهاء التعطل انقضت، بينما استمرت شهادات متضررين تؤكد بقاء مشكلات الصرف والخدمات.
ووفق هذه المراجعة، بدأت الأزمة مع تشغيل المنظومة الجديدة في 24 فبراير، ثم تكررت الوعود بإنهائها خلال أشهر لاحقة، وهو ما يجعل استمرار الشكاوى في أغسطس مؤشرًا على مشكلة إدارة وتنفيذ تتجاوز صعوبة البداية المعتادة.
وبينما تؤكد الهيئة أن المنظومة تستهدف الحوكمة ومنع التحايل وتقديم الخدمة من أي مكتب، فإن هذه المزايا المستقبلية لا تلغي مسؤوليتها عن الفترة الانتقالية، لأن التطوير يفقد معناه عندما يدفع صاحب الحق ثمن الانتقال من دخله.
وعلى الجانب الآخر، تكشف تصريحات إبراهيم أبو العطا، أمين اتحاد أصحاب المعاشات، أن بعض المتضررين يعيشون منذ أشهر على الحد الأدنى المؤقت، بينما آخرون لم يحصلوا على مستحقاتهم كاملة، وهو ما يفسر تصاعد الغضب بينهم.
وبالتالي، فإن الحديث عن 24 ألف حالة لا ينبغي اختزاله في نسبتها إلى ملايين المستحقين، لأن وظيفة التأمين الاجتماعي حماية كل صاحب حق، كما أن الخلل الذي يصيب أقلية يكشف قدرة النظام على معالجة الحالات المركبة.
كما أن كبار السن وذوي الإعاقات ليسوا الفئة التي يمكن مطالبتها بتكرار الحضور إلى المكاتب أو العاصمة الإدارية، فالتحول الرقمي يفترض أصلًا تقليل الحركة والورق، لا إعادة إنتاج الطوابير بصورة أشد تعقيدًا وأعلى كلفة.
ومن ثم، يصبح الحل العاجل هو فصل الحق المالي عن مسار المراجعة التقنية، بصرف مبالغ مؤقتة عادلة تقترب من الاستحقاق المتوقع، ثم تسوية الفروق لاحقًا، بدل ترك الأسرة بلا دخل حتى تنتهي عمليات المطابقة والتدقيق.
إضافة إلى ذلك، تحتاج الأزمة إلى نشر بيانات دورية بعدد الملفات المتأخرة ونوعها ومتوسط زمن التسوية وأسباب التعطل، لأن غياب الأرقام التفصيلية يسمح بتضارب الروايات ويمنع قياس ما إذا كانت الأزمة تنكمش فعلًا أم تتغير أشكالها.
وفي النهاية، لا يكفي إعلان استقرار المنظومة ما دامت حالات معلقة تظهر بعد كل موعد للحسم، فالمعيار الحقيقي هو وصول المستحقات كاملة وفي وقتها، وقدرة المواطن على إنهاء معاملته من دون وساطة أو رحلة متكررة بين المكاتب.
وخلاصة الأمر، أن أزمة التأمينات كشفت ثغرة أوسع من خلل تقني، تتمثل في تحميل الفئات الأضعف تكلفة تحديث حكومي لم تختاره، بينما يظل المطلوب ضمان الحقوق أولًا ثم إصلاح المنظومة ومحاسبة المسؤول عن أي تقصير.

