تجدد الجدل من جديد حول الحالة الإنشائية والتراثية للحديقة اليابانية بحلوان، بعدما ظهرت اتهامات بوجود تلفيات وكسور حديثة طالت عددًا من التماثيل الموجودة داخل الحديقة.
ففي الوقت الذي أكدت فيه مفتشة آثار بوزارة السياحة والآثار، نجلاء مجدي، أنها رصدت خلال زيارة حديثة للحديقة كسورًا وأجزاء متهدمة قالت إنها تشير إلى تعرض بعض التماثيل لأعمال إتلاف حديثة، نفى رئيس مجلس إدارة مشروع الحدائق المتخصصة بمحافظة القاهرة، اللواء ياسر أسعد، وجود أي تخريب جديد، مؤكدًا أن التلفيات التي تظهر على بعض التماثيل تعود إلى أحداث ثورة يناير عام 2011.
وتعيد هذه الواقعة إلى الواجهة ملف حماية الحديقة اليابانية، التي تمثل واحدة من أبرز المساحات التاريخية ذات الطابع المعماري المميز في حلوان، وما يرتبط بها من تساؤلات بشأن أعمال الترميم والصيانة والتأمين والرقابة، فضلًا عن مصير التماثيل المنتشرة داخلها.
بداية الأزمة واختفاء رؤوس التماثيل
بدأت تفاصيل الأزمة في الظهور بشكل واضح خلال نوفمبر الماضي، عندما أثيرت أنباء عن اختفاء رؤوس أربعة تماثيل من داخل الحديقة، إلى جانب تعرض تماثيل أخرى لأضرار جزئية، الأمر الذي فتح باب التساؤلات حول مستوى التأمين والرقابة داخل الموقع، ومدى وجود خطة واضحة للحفاظ على التماثيل ومكوناته المعمارية.
وتكتسب الواقعة أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ الحديقة التي أنشئت عام 1919، وتمتد على مساحة تقدر بنحو 10 أفدنة في حي حلوان، وتضم عشرات التماثيل ذات الطابع البوذي، من بينها 44 تمثالًا لبوذا وتلامذته، وهو ما يمنحها قيمة فنية ومعمارية وسياحية خاصة.
ومع تكرار الحديث عن تلفيات أصابت بعض التماثيل، عادت القضية إلى الواجهة خلال الأسبوع الجاري، بعدما نشرت مفتشة الآثار الإسلامية والقبطية بمنطقة حلوان، نجلاء مجدي، صورًا قالت إنها توثق ما وصفته بأضرار حديثة تعرضت لها مجموعة من التماثيل داخل الحديقة.
مفتشة آثار: كسور جديدة طالت أكثر من أربعة تماثيل
قالت نجلاء مجدي إنها خلال زيارة للحديقة برفقة أسرتها الأسبوع الماضي فوجئت بوجود أضرار طالت أكثر من أربعة تماثيل، معتبرة أن ما شاهدته يمثل استمرارًا لما بدأ ظهوره منذ نوفمبر الماضي.
وأوضحت أن الأضرار لم تقتصر على رؤوس التماثيل التي سبق الإبلاغ عن اختفائها أو تحطمها، وإنما شملت أيضًا خبطات وكسورًا في مناطق مختلفة من بعض التماثيل، بينها الأكتاف والرقاب، إلى جانب وجود أجزاء مكسورة في أماكن متفرقة داخل الحديقة.
وترى مفتشة الآثار أن طبيعة بعض الكسور التي رصدتها لا تتوافق، بحسب تقديرها، مع مجرد عوامل طبيعية أو تقادم زمني، وإنما تشير إلى تعرض التماثيل لضربات مباشرة باستخدام أداة حادة، وهو ما دفعها إلى طرح تساؤلات بشأن مستوى الرقابة داخل الحديقة.
وقالت إن السؤال الرئيسي الذي يطرح نفسه هو كيفية حدوث مثل هذه الأضرار في موقع يضم إدارة وموظفين وأفراد أمن ومسؤولين عن الإشراف، مطالبة بتحديد المسؤول عن حماية تلك التماثيل ومنع العبث بها.
أجزاء من التماثيل ملقاة بجوار البحيرة
وأشارت نجلاء مجدي إلى أنها فوجئت، خلال جولتها داخل الحديقة، بعدم وجود إجراءات واضحة لعزل التماثيل التي تعرضت للضرر أو حماية أجزائها المكسورة.
وأضافت أن بعض القطع المكسورة كانت ملقاة بالقرب من البحيرة، من دون أن يتم جمعها أو حفظها في مكان آمن، بحسب روايتها، معتبرة أن ترك هذه الأجزاء في متناول الزوار قد يؤدي إلى فقدانها أو تعرضها لمزيد من التلف.
وتحدثت عن واقعة شاهدت خلالها طفلًا يحمل جزءًا مكسورًا من أحد التماثيل، قالت إنه كان يستخدمه أثناء اللعب بالقرب من والديه، قبل أن تتدخل وتتحدث إليه بهدوء وتشرح له أهمية القطعة، ليقوم بإعادتها ومحاولة وضعها في مكانها.
وترى مفتشة الآثار أن هذه الواقعة تكشف، من وجهة نظرها، حجم الحاجة إلى وجود رقابة ميدانية مستمرة، خصوصًا في المناطق التي تحتوي على تماثيل تعرضت بالفعل للضرر.
اتهامات بغياب الصيانة والرقابة
وحملت نجلاء مجدي مسؤولية ما وصفته بالإهمال وقصور المتابعة على المستوى الإداري والرقابي، مشيرة إلى عدد من الجهات التابعة لمحافظة القاهرة والمعنية بالحديقة.
وأوضحت أن الحديقة ليست مكانًا مهجورًا، وإنما تضم إدارة وموظفين وأجهزة إشراف وأمنًا ومسؤولين عن قطاعات مختلفة، وبالتالي فإن حماية التماثيل، بحسب رؤيتها، يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من مهام الإدارة اليومية.
وقالت إن المشكلة لا تتعلق فقط بترميم ما تعرض للكسر، وإنما تبدأ من منع حدوث الضرر من الأساس، من خلال تأمين التماثيل ووضع حواجز حول المناطق المتضررة ومراقبة حركة الزوار، إلى جانب التعامل الفوري مع أي أجزاء تسقط من التماثيل.
وأرفقت مفتشة الآثار أكثر من 15 صورة قالت إنها توثق حالة عدد من التماثيل داخل الحديقة، معتبرة أن الصور تظهر حجم التلفيات التي تتطلب تدخلًا متخصصًا.
محافظة القاهرة تنفي وجود تخريب حديث
في المقابل، جاءت رواية محافظة القاهرة مختلفة تمامًا، إذ نفى اللواء ياسر أسعد، رئيس مجلس إدارة مشروع الحدائق المتخصصة بالمحافظة، صحة ما تم تداوله بشأن تعرض تماثيل الحديقة اليابانية لأعمال هدم أو إتلاف حديثة.
وأكد أسعد أن التلفيات الموجودة ببعض التماثيل ليست نتيجة وقائع تخريب حديثة، موضحًا أن عددًا من التماثيل تعرض للتكسير خلال أحداث ثورة يناير عام 2011.
وأشار إلى أن بعض رؤوس التماثيل تم كسرها خلال تلك الفترة، وأن هذه التماثيل ما زالت موجودة ضمن الحديقة، ومن المقرر أن تدخل في مراحل التطوير والترميم المقبلة.
خلاف حول صفة الحديقة الأثرية
ومن بين أبرز جوانب الجدل المتعلق بالحديقة اليابانية مسألة وضعها القانوني والتراثي.
وتقر نجلاء مجدي بأن الحديقة ليست مسجلة حتى الآن كأثر رسمي، لكنها تشير إلى إدراجها ضمن قائمة الطراز المعماري المتميز، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل مرحلة مهمة في طريق تسجيلها رسميًا.
وبحسب روايتها، يوجد ملف مقدم من وزارة السياحة والآثار بشأن تسجيل الحديقة كأثر، إلا أن إجراءات حسم الملف لم تنتهِ بعد، وهو ما يجعل مستقبل الحديقة من الناحية القانونية والتراثية محل اهتمام واسع.
وترى مفتشة الآثار أن الإسراع في تسجيل الحديقة كأثر رسمي من شأنه أن يوفر لها حماية قانونية أكبر، ويضع أي أعمال تدخل أو تعديل أو ترميم داخلها تحت ضوابط أكثر صرامة.
آخر ترميم متخصص قبل أكثر من عقد
وأشارت نجلاء مجدي إلى أن آخر عملية ترميم متخصصة للتماثيل استعانت خلالها الجهات المعنية بمرممي وزارة الآثار جرت قبل نحو 12 أو 13 عامًا.
وتقول إن مرور هذه الفترة الطويلة دون تنفيذ أعمال ترميم متخصصة واسعة يفرض ضرورة إعادة تقييم الحالة الحالية للتماثيل، خاصة في ظل تعرض بعضها للكسر أو فقدان أجزاء منه.
كما أشارت إلى أنها حاولت التواصل مع السفارة اليابانية بهدف بحث إمكانية المساهمة في تطوير الحديقة والحفاظ على طابعها، إلا أنها لم تتمكن من الوصول إلى الجهات المعنية هناك.
مطالب بتدخل حكومي عاجل
وطالبت نجلاء مجدي بتدخل حكومي عاجل لإنقاذ الحديقة والحفاظ على تماثيلها، داعية محافظة القاهرة ورئاسة مجلس الوزراء ووزارة التنمية المحلية والجهات المعنية بإدارة الحدائق إلى إدراج الموقع ضمن خطط التطوير العاجلة.
كما شددت على ضرورة الإسراع في استكمال إجراءات تسجيل الحديقة رسميًا كأثر، بما يضمن وضعها تحت مظلة حماية قانونية أكثر وضوحًا.
وطالبت كذلك بأن تقتصر أعمال ترميم التماثيل على المرممين المتخصصين بوزارة السياحة والآثار، نظرًا لطبيعة الأعمال المطلوبة وحساسيتها، مؤكدة أن التعامل مع التماثيل التراثية يختلف عن أعمال البناء والصيانة التقليدية.

