أسفر تجدد القصف الإسرائيلي، الأربعاء، عن وصول 7 شهداء و10 إصابات إلى مستشفيات قطاع غزة خلال 24 ساعة، وفق وزارة الصحة في غزة، فيما أقرّت سلطات الاحتلال في الضفة الغربية 18 منطقة نفوذ استيطانية جديدة ومعدلة؛ لتتسع حصيلة الفلسطينيين بين استهداف مباشر للأجساد ومصادرة تدريجية لحيزهم الجغرافي.

 

ولا تبدو الوقائع المتزامنة في غزة والضفة حدثين منفصلين؛ فبينما يتحول النازح في القطاع إلى هدف داخل خيمته، يجد الفلسطيني في الضفة أرضه محاصرة بالخرائط والطرق والمستوطنات، في سياسة تضغط على الإنسان والمكان معًا وتبقي حياة المدنيين معلقة بين الخوف والاقتلاع.

 

 

خيام النازحين تحت نيران متجددة

 

استشهد الفلسطيني إسماعيل محمد البريم وأصيب آخرون، اليوم، إثر استهداف طائرة مسيّرة إسرائيلية خيمة تؤوي نازحين داخل مخيم غيث في منطقة المواصي غرب خان يونس، وهي منطقة لجأ إليها آلاف الفارين من القصف والتهجير.

 

وتحولت الخيمة، التي يفترض أن تكون الحد الأدنى من المأوى في واقع النزوح، إلى موقع خطر جديد، بعدما فقد النازحون بيوتهم ثم وجدوا أنفسهم معرضين للقصف حتى في مناطق الاحتماء المؤقت.

 

وفي محيط مدينة حمد شمال خان يونس، أطلقت آليات الاحتلال نيرانها الرشاشة باتجاه المناطق الشرقية، ما أدى إلى إصابة مواطن، فيما استهدفت نيران إسرائيلية خيام نازحين في مواصي رفح جنوب القطاع.

 

وامتد القصف إلى شمال مخيم البريج وسط غزة، حيث سُجل قصف مدفعي، وإلى المناطق الشرقية من مدينة غزة التي تعرضت لإطلاق نار من الدبابات الإسرائيلية.

 

وقالت وزارة الصحة إن عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر/تشرين الأول بلغ 1303 شهداء، إضافة إلى 4336 إصابة، فضلاً عن انتشال 814 جثمانًا من تحت الأنقاض.

 

وبحسب الحصيلة التراكمية للوزارة منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ارتفع عدد الشهداء إلى 73438، وعدد المصابين إلى 174447، بينما يظل عدد غير معلوم من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات.

 

ولا تعكس الأرقام حجم المأساة كاملًا؛ إذ إن تعذر وصول الإسعاف والدفاع المدني إلى المصابين والجثامين يجعل الحصيلة مؤقتة، ويحول بعض الطرق والمنازل والخيام إلى أماكن موت لا تصل إليها النجدة في الوقت المناسب.

 

وتقول إسرائيل إن ضرباتها تستهدف مواقع وعناصر تابعة لحركة حماس، إلا أن الوقائع الميدانية المتكررة تظهر أن المدنيين والنازحين ما زالوا يدفعون الثمن الأكبر، خصوصًا في مناطق السكن المؤقت والمخيمات.

 

وكان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك قد حذر، في بيان صدر في أبريل/نيسان 2026، من أن استمرار الضربات وإطلاق النار بعد الهدنة يعكس نمطًا يعرّض المدنيين للخطر ويغذي الإفلات من المساءلة.

 

ويضع استهداف الخيام الهدنة أمام اختبار جوهري: فوقف إطلاق النار الذي لا يمنع قتل النازحين ولا يضمن وصول الإنقاذ لا يوفر أمانًا فعليًا، بل يؤجل الخطر من غارة إلى أخرى.

 

 

قلنديا وقصرة حصار يتجاوز المداهمات

 

وفي الضفة الغربية، تواصل قوات الاحتلال لليوم الثاني السيطرة على معهد قلنديا للتدريب المهني شمال القدس، بعدما أعادت اقتحامه بتعزيزات إضافية عقب عمليات تفتيش واسعة شملت الغرف التي كان يستخدمها الطلبة.

 

وقال مدير دائرة الإعلام في محافظة القدس عمر رجوب إن قوات الاحتلال بدأت أعمال ترميم داخل المبنى، بالتوازي مع نشر صور إسرائيلية تتحدث عن صيانة وإعادة استخدام المكان.

 

وتثير هذه الخطوة تساؤلات تتجاوز الاقتحام العسكري المؤقت، إذ يتعلق الأمر بمؤسسة تعليمية ومهنية فلسطينية تُفرغ من وظيفتها الأصلية بينما تفرض عليها قوة الاحتلال واقعًا جديدًا دون موافقة أصحابها أو طلابها.

 

وفي بلدة قصرة جنوب نابلس، يتواصل العدوان لليوم الرابع عشر، فيما يستمر حصار منطقة رأس العين غربي البلدة لليوم الثاني عشر وتحويلها إلى منطقة عسكرية مغلقة.

 

وقال رئيس بلدية قصرة عبد العظيم وادي إن إدخال الاحتياجات إلى العائلات المحاصرة يتطلب تنسيقًا قد يمتد إلى يومين إذا سمح الاحتلال به أصلًا، ما يحول الغذاء والدواء والملابس إلى احتياجات مشروطة بإرادة القوة المحاصِرة.

 

ولا يتوقف الأمر عند الحصار؛ إذ وثقت المحافظة إصابات واعتقالات وانتشارًا لقناصة ودوريات بين منازل الفلسطينيين، فضلًا عن إغلاقات متقطعة لمداخل مخيم قلنديا وطرق رئيسية تربط القدس برام الله.

 

وفي مناطق أخرى من الضفة، تواصلت اعتداءات المستوطنين على الأراضي والمركبات والممتلكات والمساكن، من برقا شرق رام الله إلى الأغوار الشمالية وترمسعيا والعبيدية، في ظل حماية أو وجود قوات الاحتلال في عدد من الوقائع.

 

وحذرت إريكا غيفارا روساس، كبيرة مسؤولي البحوث والمناصرة والسياسات والحملات في منظمة العفو الدولية، في بيان صدر في أغسطس 2026 بشأن حصار عائلات في قصرة، من أن ما يجري ليس حادثًا معزولًا بل جزء من نمط منظم من عنف المستوطنين المدعوم من الدولة بهدف دفع الفلسطينيين إلى الرحيل.

 

وبهذا المعنى، لا يمثل الحصار مجرد تقييد مؤقت للحركة؛ فهو أداة إنهاك يومي تدفع العائلات إلى العيش تحت التهديد، وتجعل البقاء في البيت أو الوصول إلى الأرض أو تأمين الاحتياجات الأساسية معركة مستمرة.

 

 

مناطق النفوذ خريطة ضم مؤجلة

 

وأقرت سلطات الاحتلال، في 25 أغسطس، 18 منطقة نفوذ استيطانية جديدة ومعدلة في الضفة، في قرار وقّعه قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال آفي بلوط بعد إعداده من «إدارة الاستيطان» والإدارة المدنية.

 

وتشمل الحزمة مناطق لمستوطنات جديدة أقرها الكابينيت الإسرائيلي، وأخرى تهدف إلى تحويل بؤر استيطانية إلى مستوطنات مستقلة، إلى جانب توسيع مناطق نفوذ مستوطنات ومجالس قائمة.

 

ولا يعني إقرار منطقة النفوذ نزع ملكية الأرض فورًا أو منح تراخيص بناء مباشرة، لكنه يضع الأرض في مسار إداري وتخطيطي يخدم التوسع الاستيطاني لاحقًا.

 

فبمجرد إدخال الأرض في نطاق النفوذ، تصبح احتياطيًا للتخطيط الاستيطاني، وتُفتح أمامها مخططات طرق ومياه وكهرباء وصرف وعطاءات وموازنات، فيما تتقلص عمليًا فرص البناء والزراعة والتطوير الفلسطيني.

 

وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أعلن الاحتلال خلال الأعوام الثلاثة الماضية أكثر من 28 ألف دونم من أراضي الفلسطينيين «أراضي دولة»، تركز أكثر من 24 ألف دونم منها خلال عام 2024 وحده.

 

كما شهد عام 2026 قرارات متتالية لإنشاء مستوطنات جديدة وتوسيع القائم منها، من بينها الإعلان عن 34 مستوطنة في مارس وتخصيص 1.3 مليار شيكل للأحياء الاستيطانية في يونيو.

 

وتشير بيانات المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» إلى تصاعد لافت في إنشاء البؤر، من متوسط 8 بؤر سنويًا بين 2012 و2022، إلى 32 بؤرة في 2023 و62 في 2024 ثم 86 بؤرة خلال 2025.

 

وكانت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، قد وصفت في فبراير/شباط 2026 إجراءات توسيع الاستيلاء على الأراضي بأنها خطوات متدرجة ومدروسة نحو ضم دائم، لا تعديلات إدارية عادية.

 

وتكشف قرارات مناطق النفوذ أن المعركة على الضفة لا تُدار بالجرافة وحدها؛ فالخريطة والقرار الإداري والميزانية وشبكة الطرق أدوات قد تسبق البناء، لكنها تمهد لتغيير واقع الأرض وتطويق القرى وتقليص أفق الحياة الفلسطينية عليها.