كشفت أزمة الزراعة في السودان خلال موسم 2026 تراجع الأمطار وانخفاض منسوب النيل واتساع الأراضي المتضررة، ما دفع نحو 65% من المساحات الزراعية إلى دائرة الخطر، وسط عجز المزارعين عن تحمل كلفة الوقود والأسمدة.
كما تعكس الأزمة الإنسانية المتفاقمة أثر الحرب المستمرة على الريف السوداني، حيث وجد ملايين السكان أنفسهم بين الجوع والجفاف والنزوح، بينما تحولت الأرض التي كانت مصدر رزق إلى مساحات متشققة تنتظر المطر.
ومن ثم، لم يعد المزارع السوداني يواجه مشكلة مناخية فقط، بل أصبح محاصرا بين نقص المياه وارتفاع الأسعار وتعطل سلاسل الإمداد، في وقت تتراجع فيه قدرة الدولة على حماية القطاع الزراعي.
غير أن خطورة الوضع تظهر في اعتماد السودان الكبير على الزراعة كمصدر غذاء ودخل، إذ إن انهيار موسم واحد لا يعني خسارة محصول فقط، بل يهدد حياة أسر ومجتمعات كاملة.
لذلك، أصبحت ضفاف النيل التي كانت ملاذا للزراعة شاهدة على أزمة غير مسبوقة، بعدما تراجعت المياه وظهرت الرمال داخل مجرى النهر في توقيت كان يفترض أن يشهد ارتفاعا بالمناسيب.
علاوة على ذلك، زادت ظاهرة إل نينيو من صعوبة الموسم، بعدما ساهمت في اضطراب الأمطار وتأخرها، ما جعل مناطق واسعة تنتظر الغيث بينما تتراجع فرص إنقاذ المحاصيل قبل نهاية الدورة الزراعية.
وبناء على ذلك، يواجه المزارعون معادلة قاسية، فتكلفة الإنتاج ترتفع، والمياه تقل، والأسواق تضغط، بينما لا يملك كثيرون خيارات بديلة سوى ترك الأرض أو تقليل المساحات المزروعة.
موسم تحت النار
يرى عالم المناخ والهيدرولوجيا السوداني الفاتح الطاهر أن ارتباط ظاهرة إل نينيو بانخفاض منسوب النيل يمثل عاملا مهما في فهم أزمة المياه الحالية، خصوصا مع تغير توقيت الأمطار ومعدلاتها.
في هذا السياق، يكشف تراجع مياه النيل الأزرق تحديا مباشرا للمزارعين، لأن معظم الأنشطة الزراعية في مناطق واسعة تعتمد على انتظام النهر والأمطار معا، وأي خلل يصيب دورة الحياة الزراعية بالكامل.
إضافة إلى ذلك، فإن الحرب الممتدة لأكثر من ثلاث سنوات عطلت قدرة المزارعين على الوصول إلى الأراضي والأسواق، وأدت إلى نقص الوقود وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية التي يحتاجونها لبداية الموسم.
كذلك، تحولت الأسمدة والوقود من أدوات إنتاج أساسية إلى أعباء مالية ضخمة، حيث يجد المزارع نفسه مطالبا بدفع تكاليف متزايدة قبل أن يعرف هل سينجح المحصول أم لا.
ومن ناحية أخرى، فإن تأخر الأمطار دفع مزارعين في مناطق مختلفة إلى أداء صلاة الاستسقاء، في تعبير عن حجم اليأس من موسم يعتمد أساسا على رحمة السماء وانتظام المناخ.
في المقابل، لا تعني الأزمة المناخية وحدها انهيار الزراعة، فغياب الدعم وضعف البنية التحتية الزراعية خلال الحرب جعلا آثار الجفاف أكثر قسوة على المجتمعات الريفية.
وعليه، تحتاج الأزمة إلى تدخلات عاجلة تشمل توفير الوقود والأسمدة ومساندة المزارعين، لأن ترك القطاع الزراعي يواجه الصدمات منفردا يهدد الأمن الغذائي في السودان والمنطقة.
النيل يفقد قوته
يحذر الباحث في شؤون المياه محمد عبد الله الدومة من أن تراجع الموارد المائية في السودان يفرض تحديات كبيرة على الزراعة، خصوصا عندما تتزامن قلة الأمطار مع ضعف القدرة على إدارة المياه.
ومن هنا، يصبح انخفاض منسوب النيل أكثر من ظاهرة موسمية، لأنه يؤثر على تشغيل المضخات ونقل المياه إلى الحقول، ويجبر المزارعين على تقليص المساحات أو التخلي عن زراعات كاملة.
فضلا عن ذلك، فإن ظهور الجزر الرملية داخل النهر خلال أشهر الفيضان المعتادة يعكس تغيرا واضحا في دورة المياه، ويزيد مخاوف السكان الذين يعتمدون على النيل في حياتهم اليومية.
ثم إن ولاية القضارف، المعروفة بإنتاج السمسم والذرة الرفيعة، أصبحت نموذجا للأزمة، حيث تحولت مساحات واسعة من اللون الأخضر المتوقع إلى أراض رملية تنتظر أمطارا قد لا تأتي.
وبالتالي، فإن خسارة المحاصيل في هذه المناطق لا تعني خسارة اقتصادية فقط، بل تهدد توفر الغذاء وفرص العمل، وتزيد الضغط على الأسر التي تعاني أصلا من آثار الحرب.
وعلى الرغم من محاولات بعض المزارعين الاستمرار، فإن ارتفاع تكلفة الزراعة إلى أضعاف ما كانت عليه جعل كثيرا منهم يعملون فقط لتقليل الخسائر وليس لتحقيق أرباح حقيقية.
لذلك، فإن استمرار هذا الوضع قد يدفع مزيدا من السكان إلى ترك الزراعة، وهو ما يهدد قاعدة اقتصادية أساسية في بلد يمتلك مساحات زراعية واسعة لكنها تعاني من ضعف الاستثمار والحماية.
أزمة غذاء متفاقمة
يرى الباحث الزراعي السوداني محمد بابكر أن إنقاذ القطاع الزراعي يحتاج إلى خطط طويلة الأمد تتعامل مع تغير المناخ، وليس فقط إجراءات مؤقتة مرتبطة بموسم أمطار ضعيف أو أزمة طارئة.
ومن جهة أخرى، فإن اعتماد السودان على استيراد الوقود والأسمدة جعل المزارع أكثر هشاشة أمام الأزمات الخارجية، حيث تنعكس اضطرابات الأسواق العالمية مباشرة على تكلفة زراعة الأرض المحلية.
كما أن الحرب زادت من صعوبة الوصول إلى مناطق الإنتاج، وأضعفت قدرة المؤسسات على تقديم الإرشاد الزراعي والخدمات اللازمة، ما جعل المزارعين يخوضون الموسم بوسائل محدودة للغاية.
إلى جانب ذلك، فإن تراجع الإنتاج الزراعي يضاعف خطر المجاعة، لأن ملايين السودانيين يعتمدون على المحاصيل المحلية في توفير الغذاء، بينما تتراجع قدرة الأسر على شراء البدائل بسبب الفقر.
ومع ذلك، يواصل بعض المزارعين العمل رغم الخسائر، لأن الزراعة بالنسبة لهم ليست مجرد مهنة، بل وسيلة للحفاظ على الحياة والأمل وسط ظروف اقتصادية وإنسانية شديدة القسوة.
وفي النهاية، تكشف أزمة الزراعة السودانية أن اجتماع الحرب والجفاف وارتفاع الأسعار يمكن أن يحول الأرض الخصبة إلى مصدر للخوف، ما لم تتحرك جهود عاجلة لحماية المزارعين وإنقاذ الموسم الزراعي القادم.

