كشفت وزارة الصحة في مصر أرقاما ضخمة لمنظومة العلاج على نفقة الدولة، بلغت 4,022,923 قرارا خلال 2025 بتكلفة 30.8 مليار جنيه، وسط رصد حملات تسويق خاصة تستهدف المرضى وتحول الدعم إلى أرباح.
كما تكشف الظاهرة وجها قاسيا من سوق العلاج، حيث يتحول المريض غير القادر إلى فرصة مالية، ويصبح خوف أسرته من المرض مدخلا للضغط عليه، بدلا من حمايته داخل منظومة عامة عادلة وآمنة.
ومن ثم، لم تعد الأزمة مجرد منافسة بين مستشفى عام وآخر خاص، بل اتسعت إلى شبكة اصطياد منظمة تبدأ قرب المجالس الطبية والمستشفيات الحكومية، ثم تمتد إلى الهواتف والوعود والخوف والمصاريف المفاجئة.
غير أن خطورة المشهد تكمن في استهداف فئة لا تملك رفاهية الاختيار، فالمريض الذي يحمل قرار علاج رسمي يبحث غالبا عن النجاة السريعة، ويصدق أي خطاب يعده بعملية آمنة ورعاية أفضل.
لذلك، يصبح خطاب الترهيب من المستشفيات الحكومية أخطر أدوات التسويق، لأنه لا يناقش جودة الخدمة بشفافية، بل يزرع الفزع في قلب المريض وذويه، كي يدفعهم إلى تحويل القرار نحو مستشفى خاص.
علاوة على ذلك، تكشف الاتصالات الهاتفية غير المبررة مع المرضى شبهة تسريب بيانات حساسة، لأن أرقام المتقدمين للعلاج لا يجوز أن تتحول إلى قوائم تسويق، ولا أن تدار كسلعة بين الوسطاء.
وبناء على ذلك، تحتاج وزارة الصحة والمجالس الطبية إلى تحقيق معلن يحدد كيف تصل بيانات المرضى إلى جهات تجارية، ومن يسمح بوجود مناديب قرب المكاتب العامة، ومن يراقب مسار القرار بعد صدوره.
سماسرة حول المريض
يرى الدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، أن العلاج حق اجتماعي لا سلعة، ولذلك فإن تحويل قرارات غير القادرين إلى فرصة ربح يضرب جوهر الدعم الصحي.
في هذا الإطار، يبدو وجود الوسطاء أمام المرافق الصحية إنذارا لا تفصيلا صغيرا، لأن المريض الخارج من رحلة أوراق وفحوص وانتظار يكون أكثر هشاشة، وأسهل وقوعا تحت ضغط الكلام المنظم والمخاوف المصنوعة.
إضافة إلى ذلك، تعتمد هذه الشبكات على مقارنة غير عادلة، فهي تضخم عيوب المستشفيات الحكومية وتخفي تكلفة القطاع الخاص، ثم تبيع للمريض وهما بالأمان الكامل، قبل أن تصطدم الأسرة بفواتير إضافية.
كذلك، يتكرر الفخ حين يكتشف ذوو المريض أن خطاب العلاج لا يغطي كل المستلزمات أو الإقامة أو الفوارق، فيتحول القرار الذي كان يفترض أن يخفف العبء إلى باب ديون وإيصالات أمانة.
ومن ناحية أخرى، لا تعني هذه المخالفات إعفاء المستشفيات الحكومية من مسؤولية تحسين الخدمة، لكنها تكشف أن ضعف الثقة في العام يتحول مباشرة إلى ربح خاص، عندما تترك الدولة المريض بين الخوف والوسيط.
في المقابل، تبدأ حماية المريض من لحظة تسلمه القرار، عبر إرشاد رسمي واضح يشرح حقوقه والمستشفيات المتاحة والتكاليف المغطاة، حتى لا يترك وحيدا لمندوب يخلط النصيحة بالتجارة عند أول باب.
أموال مخصصة للفقراء
تحذر الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء السابقة، مرارا من أن تدهور الإنفاق والخدمات العامة يدفع الناس نحو القطاع الخاص اضطرارا، وهو ما يجعل الفقراء أكثر عرضة للاستغلال باسم العلاج.
ومن هنا، فإن رقم 30.8 مليار جنيه لا يجب أن يقرأ كإنجاز حسابي فقط، بل كمسؤولية رقابية ضخمة، لأن كل جنيه مخصص لغير القادرين ينبغي أن يصل إلى خدمة حقيقية لا عمولة تسويق.
فضلا عن ذلك، فإن إصدار 1,044,845 قرارا في الربع الأول من 2026، بتكلفة 8.512 مليار جنيه، يؤكد استمرار تدفق مالي يستدعي حماية أقوى من الاختراق التجاري حول أبواب العلاج المفتوحة.
ثم إن اتساع المنظومة إلى 2.4 مليون مستفيد خلال 2025 يجعل أي ثغرة في الرقابة ذات أثر واسع، فكل وسيط قادر على تحويل الخوف إلى فاتورة يقتطع جزءا من مال الفقراء.
وبالتالي، لا يكفي الإعلان عن عدد القرارات والتكلفة، بل يجب إعلان نسب التنفيذ داخل المستشفيات العامة والخاصة، وقيمة ما دفعه المرضى من جيوبهم، وعدد الشكاوى المرتبطة بمصاريف إضافية أو تسويق مضلل.
وعلى الرغم من أن القطاع الخاص قد يشارك في تقديم الخدمة عند الحاجة، فإن مشاركته يجب أن تكون بعقود واضحة وأسعار معلنة ورقابة صارمة، لا عبر سماسرة يطاردون المرضى عند أبواب الجهات الحكومية.
رقابة لا بيانات
يشدد المحامي الحقوقي نجاد البرعي على أن الحق في الخصوصية وحماية البيانات جزء من حماية المواطن، ولذلك فإن وصول أرقام المرضى إلى مناديب تسويق يستدعي مساءلة قانونية لا مجرد تحذير إداري.
ومن جهة أخرى، تمثل بيانات المرضى أكثر أنواع المعلومات حساسية، لأنها تكشف المرض والحالة المالية واحتياج الأسرة، وأي تسريب لها يفتح الباب للابتزاز الناعم عبر الخوف والعروض والاتصالات المتكررة جدا.
كما أن استخدام المال العام لخدمة مريض غير قادر لا يمنح أي مستشفى حق التعامل معه كزبون محتمل، لأن أصل القرار هو الدعم والحماية، وليس فتح قناة مبيعات على حساب الموازنة.
لذلك، تحتاج المنظومة إلى حظر واضح للوسطاء حول المجالس الطبية، وتجريم الحصول غير المشروع على أرقام المرضى، وإلزام المستشفيات الخاصة بإقرار مكتوب يمنع أي تسويق مباشر لحملة قرارات العلاج رسميا.
وفي الوقت نفسه، يجب فتح خط شكاوى متخصص وسريع للمرضى الذين يتعرضون للضغط أو الترهيب أو المصاريف المفاجئة، مع نشر نتائج التحقيقات والعقوبات، حتى لا تبقى الواقعة في دائرة الكلام العام.
غير أن الإصلاح الحقيقي يتطلب تقوية المستشفيات الحكومية نفسها، لأن المريض لن يكون صيدا سهلا إذا وجد خدمة لائقة وقوائم انتظار معلنة ورعاية محترمة ومستلزمات متاحة داخل القطاع العام دائما.
أخيرا، تكشف أزمة سماسرة العلاج أن المال المخصص للفقراء قد يتحول إلى غنيمة إذا غابت الرقابة، وأن حماية 30.8 مليار جنيه تبدأ بحماية المريض من الخوف والتسريب والفاتورة الخفية أيضا.

