أوقفت شركة أنغلو غولد أشانتي أعمال التعدين تحت الأرض في منجم السكري بالصحراء الشرقية، بعد سقوط صخرة داخل نفق أدى إلى وفاة العامل عبد الرحمن نبيل محمود وإصابة 5 آخرين، وسط اتهامات بقصور إجراءات السلامة.
ويكشف الحادث فجوة فادحة بين احتفاء السلطة بعوائد الذهب والاستثمارات الأجنبية وبين حماية من ينتزعونه من باطن الأرض، إذ تحضر أرقام الإنتاج في الخطاب الرسمي، بينما لا تظهر حقوق العمال إلا بعد سقوط ضحية.
وفي التفاصيل، تلقت وزارة البترول بلاغا من شركة السكري لمناجم الذهب عن سقوط الصخرة داخل منطقة عمل تحت سطح الأرض، ثم نقل المصابون إلى مستشفى جراحات اليوم الواحد بمرسى علم، وأعلنت استقرار حالاتهم مبدئيا.
وبحسب بيان الشركة المشغلة، عُلقت العمليات الجوفية مؤقتا إلى حين انتهاء تحقيق شامل، لكن البيان لم يوضح وقت الحادث بدقة، ولا طبيعة تدعيم النفق، ولا نتائج آخر فحص جيولوجي، ولا مستوى تعرض العمال للخطر قبل السقوط.
وفي المقابل، وجه وزير البترول كريم بدوي بتشكيل لجنة لفحص الملابسات ومراجعة اشتراطات السلامة والصحة المهنية، غير أن قيمة اللجنة ستقاس باستقلالها ونشر تقريرها ومحاسبة المقصر، لا بمجرد إعلان إداري ينتهي مع انحسار الاهتمام.
وخلف الأبواب المغلقة، يبقى السؤال الأهم عما إذا كانت مؤشرات عدم استقرار الصخور قد رصدت مسبقا، وهل أوقفت المنطقة فور ظهورها، ومن أجاز دخول العمال، وما سجلات التفتيش والصيانة والتدعيم التي سبقت الحادث.
الخطر يبدأ قبل السقوط
بداية، يصف مركز الميكانيكا الجيولوجية الأسترالي سقوط الصخور بأنه من أخطر تهديدات المناجم الجوفية، ويؤكد أن الوقاية تبدأ بفهم التحكم الأرضي، وتحديد مواضع الخطر، وتأمين الصخور بالدعامات والشبكات والخرسانة المرشوشة قبل السماح بالعمل.
ويؤكد الخبير إيف بوتفان، ضمن أبحاث شارك فيها عن وفيات سقوط الصخور، أن الخطر لا يقتصر على واجهات الحفر، بل يمتد إلى الممرات والتقاطعات، ما يجعل التفتيش المستمر ضرورة تشمل حركة العمال اليومية بأكملها.
ومن ناحية أخرى، استندت أبحاث بوتفان إلى قاعدة تجاوزت 750 واقعة سقوط صخري في 26 منجما معدنياً جوفياً، وميزت بين شظايا صغيرة تنفصل بين المسامير وانهيارات أكبر تهدد طرق الحركة والمداخل.
إلى جانب ذلك، يفرض هذا التصنيف على تحقيق السكري ألا يكتفي بتحديد الصخرة التي سقطت، بل أن يعيد بناء مسار التعرض كاملا، من آخر تفجير وحفر إلى الفحص والتدعيم وإذن الدخول وتوزيع العمال داخل النفق.
كذلك، ينبغي فحص ملاءمة المسامير والشبكات والخرسانة المرشوشة لطبيعة الكتلة الصخرية، ومراجعة أي تغيرات في الشقوق أو المياه أو الاهتزازات، لأن انهيار منظومة الحماية قد يبدأ من حلقة واحدة ضعيفة لا تظهر في التقارير العامة.
وعلى صعيد المسؤولية، لا يجوز اعتبار استقرار حالات المصابين نهاية ناجحة للاستجابة، فهناك عامل فقد حياته و5 نجوا بإصابات، بينما تظل الشركة مطالبة بإعلان الرعاية الطبية والتعويضات والدعم النفسي وضمان عدم تحميل العمال كلفة التوقف.
وبالعودة إلى موقع المنجم، يقع السكري قرب مرسى علم ويعد أكبر منتج للذهب في مصر، وتديره شركة مشتركة مع الدولة، ما يجعل الرقابة الحكومية التزاما مباشرا لا دورا بروتوكوليا يقتصر على استقبال البلاغات.
ومن زاوية الحجم، تعرض الشركة قوة عمل تقارب 4893 شخصا بينهم متعاقدون، وهو رقم يضاعف واجبها في توحيد معايير الحماية والتدريب والإبلاغ بين العمال الدائمين والمقاولين، ومنع قيام طبقتين مختلفتين من السلامة داخل الموقع.
رقابة بلا حصانة
أما الجيولوجي المصري حسن بخيت، المدير الأسبق للمناجم والمحاجر، فسبق أن طالب بإنشاء معهد مستقل لتدريب العاملين في التعدين وفقا للأكواد العالمية، وهو طرح يعيد الحادث إلى سؤال الكفاءة والتأهيل قبل دخول الأنفاق.
وفوق ذلك، دعا بخيت إلى دعم التفتيش الفني على التشغيل وتأمين الآلات والمعدات، وهما مطلبان يقتضيان نشر سجل واضح يبين دورية التفتيش في السكري، والجهة المنفذة، والملاحظات المسجلة، وكيف أغلقت قبل استئناف النشاط.
وعمليا، لا يكفي أن تراجع اللجنة أوراق الشركة، بل يجب أن تستمع منفردة إلى المصابين وزملاء الوردية وممثلي العمال والمقاولين، مع ضمان عدم تعرض أي شاهد للضغط أو الفصل أو الانتقام بسبب كشف خلل سابق.
في السياق نفسه، تمنح اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن السلامة والصحة في المناجم العمال حق الإبلاغ عن الأخطار ورفض العمل عند وجود خطر جسيم، وتلزم صاحب العمل بإزالة المخاطر وتوفير التدريب والمعلومات ومعدات الحماية.
وبالتوازي، ينبغي أن يجيب التحقيق عما إذا كانت لجنة السلامة تضم تمثيلا فعليا للعمال، وهل كانت خرائط المخاطر محدثة، وهل أجريت تدريبات إخلاء وإنقاذ قريبة، وهل امتلك كل عامل سلطة إيقاف المهمة دون عقوبة.
رغم ذلك، تكرر الجهات الرسمية عقب الحوادث صيغة تشكيل اللجان من دون جدول زمني ملزم لنشر النتائج، وهو نمط يحول التحقيق من أداة للمحاسبة إلى وسيلة لامتصاص الغضب، ثم يعيد تشغيل الموقع بلا معرفة عامة.
وفي ضوء صفقة استحواذ أنغلو غولد أشانتي على سنتامين بنحو 2 مليار و500 مليون دولار، تصبح حجة نقص الإمكانات غير مقبولة، فشركة بهذا الحجم مطالبة بتطبيق أعلى نظم الرصد والتدعيم والإنقاذ، لا الحد الأدنى لاستمرار الإنتاج.
حياة العامل أولا
إنسانيا، يقول خبير السلامة التعدينية هيلموت إينس إن لكل عامل منجم الحق في العودة إلى منزله آمنا كل يوم، وإن الوفاة والإصابة والعجز المهني نتائج غير مقبولة، وهي قاعدة تضع حياة العامل قبل مؤشرات الإنتاج.
اقتصاديا، لا يمكن فصل مئات الملايين التي يضخها السكري عن شروط توليدها، لأن الذهب الذي يرفع الإيرادات يفقد شرعيته الأخلاقية حين تدفع أسرة عامل ثمنه، بينما تظل العقود والعوائد أكثر شفافية من سجلات الأمان.
قانونيا، يتطلب الإنصاف حفظ موقع الحادث وأدلته، وتوثيق حالة النفق والدعامات وأجهزة القياس وسجلات الورديات، ثم إتاحة النتائج للنيابة ولأسرة المتوفى والمصابين، حتى لا تنفرد الشركة أو الجهة الشريكة بصياغة الرواية النهائية.
ومهنيا، يجب ربط استئناف التعدين الجوفي بشهادة مستقلة تؤكد إزالة الخطر، لا بمجرد انتهاء اللجنة من المعاينة، مع إخضاع الأنفاق المشابهة للفحص، ومراجعة تصميم الدعم الأرضي، وإعلان الإجراءات التصحيحية ومواعيد تنفيذها والمسؤولين عنها.
وأخيرا، لا تُقاس سلامة السكري بندرة الحوادث المعلنة، بل بقدرة العمال على كشف الخطر ووقف العمل، وبشفافية التحقيق عند وقوعه، وبمحاسبة من قصر، وبضمان ألا يتحول عبد الرحمن نبيل محمود إلى رقم منسي.

