أقر مجلس النواب خلال دور الانعقاد الأول في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة 162 قانونًا تضم نحو 1580 مادة، لتنتهي الدورة بحصيلة تشريعية ضخمة كشفت، وفق منتقدين، تمريرًا شبه كامل للمشروعات الحكومية.
وعكست الحصيلة اتساع الفجوة بين سرعة إصدار التشريعات وبطء الاستجابة لمعاناة المواطنين، إذ بقيت أزمات المعاشات والتموين والتعليم والإنترنت قائمة، بينما تحولت القاعة إلى ممر سريع لرؤية الحكومة لا منبرًا لمحاسبتها.
وبحسب بيانات المجلس، عقد النواب 30 جلسة عامة بإجمالي 102 ساعة، شارك فيها 395 متحدثًا عبر 1525 مداخلة، وهي أرقام تبدو كثيفة ظاهريًا لكنها لا تكشف وحدها عمق المناقشة أو أثر الاعتراضات.
وفي المقابل، قال صلاح حسب الله، المتحدث السابق باسم المجلس، إن جميع المشروعات جاءت من الحكومة، وإن تعديلات النواب لم تتجاوز 3% إلى 5%، بما يعكس اعتمادًا شبه كامل للنصوص التنفيذية دون تغيير جوهري.
كما شملت القوانين التأمين الصحي الشامل، وإعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر، وتعديلات التأمينات والمعاشات، والإجراءات الضريبية، وضريبة القيمة المضافة، إلى جانب تشريعات عسكرية واستيرادية ونووية تمس مجالات واسعة من حياة المصريين.
ومن جهة أخرى، لا تقاس كفاءة البرلمان بعدد المواد التي عبرت التصويت، بل بقدرته على فحص آثارها وتعديل اختلالاتها وحماية الفئات الأضعف، وهي وظائف تراجعت عندما أصبح الإنجاز العددي بديلًا عن التشريع المستقل.
ووفقًا للباحث عمرو هاشم ربيع، المتخصص في الرقابة البرلمانية، فإن استمرار برلمان مصمم وفق ما يلائم السلطة يغلق المجال العام ويضعف التمثيل، وهو توصيف يفسر محدودية المبادرات المستقلة داخل المجلس الحالي.
وفوق ذلك، تكشف نسبة التعديل الضئيلة أن الخلافات المعلنة داخل اللجان لم تتحول إلى نتائج ملزمة، فالحكومة قدمت النصوص وحددت اتجاهها، بينما اكتفى معظم النواب بتنقيحات محدودة لا تعيد توزيع السلطة أو تحمي الحقوق.
تشريع تحت الهيمنة
أولًا، يطرح هذا النمط سؤالًا جوهريًا بشأن وظيفة النائب، فإذا كان المشروع الحكومي يعبر القاعة دون تعديل معتبر، يصبح التصويت إجراءً شكليًا يمنح القرارات غطاءً نيابيًا، بدل إخضاعها لاختبار المصالح العامة والعدالة الاجتماعية.
وعلى صعيد متصل، حذر الفقيه الدستوري الراحل محمد نور فرحات سابقًا من مناقشة القوانين دون دراسة حقيقية لمضامينها وتصويت واع عليها، معتبرًا أن اختزال الفحص يهدر جوهر الدور التشريعي الذي منحه الدستور للنواب.
إلى جانب ذلك، يضاعف غياب المبادرة النيابية الخلل بين السلطتين، لأن البرلمان لا يفترض أن يكون مكتب تصديق موسعًا، وإنما مؤسسة تنتج البدائل وتستمع للمتضررين وتستدعي المسؤولين وتعدل النصوص قبل تحميل المجتمع كلفتها.
وبالمثل، لم تمنع كثرة طلبات الإحاطة استمرار أزمة النظام الرقمي للتأمينات، بعدما تعطلت منافذ وصرفت فئات مسنة وقتًا وجهدًا بحثًا عن مستحقات تمثل مصدر معيشتها وعلاجها، من دون حلول نهائية توازي خطورة الضرر.
وعندما غاب رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي عن الاجتماع الأول للجنة المختصة، ظهرت حدود الأدوات الرقابية الرخوة، ثم حضر لاحقًا وتعهد بحل الأزمة خلال أسابيع، لكن الشكاوى استمرت بلا ترجمة ملموسة لهذا الالتزام.
لهذا، رأى حسب الله أن الظروف كانت تستوجب أدوات أشد، وصولًا إلى طرح الثقة، بدل الاكتفاء بطلبات إحاطة لا تلزم المسؤول بالتنفيذ، ولا تمنح أصحاب المعاشات ضمانة لاستعادة حقوقهم في موعد واضح.
وفي السياق نفسه، ناقش المجلس بطاقات التموين وصرف الألبان المدعمة وأسعار المحاصيل والأسمدة، غير أن إدراج الأزمات على جدول اللجان لا يساوي حلها، ما لم يرتبط بمواعيد معلنة ومساءلة للمقصرين ونشر نتائج التنفيذ.
ورغم ذلك، بقيت شكاوى المواطنين من ارتفاع أسعار الإنترنت وضعف تغطية المحمول وكثافات الفصول وأوضاع معلمي الحصة حاضرة، لتكشف أن وفرة القوانين لم تنعكس تلقائيًا على الخدمات الأساسية أو تخفيف الأعباء اليومية.
رقابة بلا أنياب
ثانيًا، تعيد هذه الوقائع تعريف الحصاد البرلماني من منظور المتضررين، فالمسن الذي تأخر معاشه، والأسرة التي فقدت دعمها، والطالب داخل فصل مكتظ، لا تعنيهم كثرة المواد ما دامت أزماتهم تتحرك أبطأ من التصويت.
ومن زاوية دستورية، أكد صلاح فوزي، أستاذ القانون الدستوري وعضو اللجنة التشريعية، أهمية الرقابة الدورية والشفافية والمساءلة في متابعة الجهات العامة، وهو معيار يجعل إعلان الأرقام غير كاف دون تقارير نتائج قابلة للفحص.
وبناءً على ذلك، فإن إخضاع جهاز مستقبل مصر لتقارير دورية ورقابة الجهاز المركزي للمحاسبات يظل اختبارًا عمليًا، لأن النصوص الرقابية تفقد قيمتها إذا لم تنشر البيانات، وتحدد المسؤوليات، وتكشف الإنفاق والعائد بوضوح للرأي العام.
أما ملف الإدارة المحلية، فقد أظهر بوضوح أزمة التشريع المؤجل، بعدما أعادت الحكومة مشروعًا أعد عام 2016 عقب انتظار دام 10 سنوات، من دون تطوير كاف يواكب التحولات السكانية والخدمية التي شهدتها البلاد.
كذلك انتقد النائب أحمد عبد المعبود النص المعاد، معتبرًا أنه جامد ولا يراعي بصورة سليمة متطلبات المادة 180 من الدستور بشأن تمثيل الشباب والمرأة، ما يفتح الباب أمام مراجعة دستورية ومجتمعية أوسع.
ومع أن الحكومة قدمت التأخير بوصفه عودة إلى ملف معطل، فإن إعادة تدوير مشروع قديم لا تمثل إصلاحًا، بل تكشف عجزًا عن إنتاج تصور حديث للامركزية يمنح المجالس المنتخبة صلاحيات وموارد حقيقية.
محليات مؤجلة الحقوق
ثالثًا، يؤكد أستاذ الإدارة المحلية حمدي عرفة أن تطوير المحليات يحتاج رؤية وآليات تنفيذ، وهو ما يبرز خطورة تعطيل المجالس المنتخبة التي تراقب المياه والنظافة والطرق والتراخيص والأسواق وتحاسب الأجهزة التنفيذية محليًا.
وفي هذا الإطار، لا يكفي تثبيت نسب للمرأة والشباب على الورق إذا صيغ النظام بطريقة تقيد المنافسة أو تقلص استقلال المجالس، لأن التمثيل الحقيقي يتطلب صلاحيات مؤثرة وقدرة على مساءلة المحافظين ومراجعة الموازنات.
علاوة على ذلك، يكشف تمرير مشروعات رفضها عدد من النواب أن الأغلبية العددية قادرة على إخماد الاعتراض من دون الرد على مضمونه، وهو ما يحول الجلسة العامة من ساحة تفاوض إلى محطة تصويت محسومة.
ومن ثم، تبدو الفجوة واضحة بين رواية المجلس عن حصاد تاريخي ورواية المعترضين عن تشريع حكومي مغلف بموافقة نيابية، فالأولى تحتفي بالكم، بينما تسأل الثانية عمن كتب القوانين ولمن تعمل ومن يتحمل آثارها.
أخيرًا، يظل تقييم دور الانعقاد مرهونًا بما تغير في حياة الناس، لا بما تراكم في الجريدة الرسمية، إذ تكشف الأزمات المؤجلة أن البرلمان أقر 162 قانونًا لكنه لم ينتزع استقلالًا تشريعيًا أو رقابة تردع التقصير.

