كشفت بيانات فلسطينية وأممية وحقوقية استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغربية خلال يوليو وأغسطس 2026، رغم سريان وقف إطلاق النار في القطاع منذ أكتوبر 2025، إذ ارتفعت حصيلة الشهداء بعد الاتفاق إلى 1257 شهيدا، بينما وثقت منظمة البيدر 1666 انتهاكا في الضفة خلال يوليو وحده، في مشهد يجمع بين القتل والتدمير والحصار والتوسع الاستيطاني.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة استشهاد فلسطينيين اثنين وإصابة 6 آخرين خلال 48 ساعة، ليرتفع عدد الجرحى منذ وقف إطلاق النار إلى 4131 جريحا، بما يؤكد أن الاتفاق لم يوفر حماية حقيقية للسكان، ولم يوقف سقوط الضحايا أو يضمن انتهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل القطاع المنكوب.
وفي الوقت نفسه، تكشف الأرقام الواردة من الضفة الغربية انتقال الاعتداءات إلى مستوى أكثر اتساعا وتنظيما، حيث تتكامل اقتحامات الجيش وإطلاق النار واعتداءات المستوطنين وتوسيع البؤر الاستيطانية مع القيود الاقتصادية والحواجز، بما يفرض بيئة قسرية تستنزف الفلسطينيين وتدفعهم تدريجيا نحو الرحيل عن أراضيهم ومساكنهم.
غزة بين القصف والحصار
رصد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ارتفاع حجم المساعدات الداخلة إلى قطاع غزة خلال يوليو بنسبة 33% مقارنة بيونيو، وكانت غالبية الشحنات من المواد الغذائية، غير أن هذه الزيادة لم تُنه اعتماد نحو 2,1 مليون فلسطيني على الإغاثة، في ظل بقاء الاحتياجات الإنسانية عند مستويات مرتفعة واستمرار تدمير مقومات الحياة.
وتحذر الجهات الإنسانية من أن المشكلة لا تتعلق بحجم المساعدات فقط، وإنما بنوعية المواد التي تسمح إسرائيل بإدخالها، إذ تتكرر عمليات رفض زيوت المحركات وقطع الغيار الضرورية لتشغيل المركبات والمولدات الاحتياطية، ما يهدد قدرة المستشفيات ومحطات المياه والمخابز على مواصلة تقديم خدماتها الأساسية للسكان.
ويمثل منع هذه المواد امتدادا للحصار بأدوات غير مباشرة، لأن توقف مولد داخل مستشفى أو تعطل مركبة إسعاف أو مضخة مياه قد تكون له نتائج قاتلة، خصوصا في قطاع دُمرت أجزاء واسعة من بنيته التحتية وأصبح معظم سكانه نازحين ويعيشون داخل خيام أو مراكز إيواء تفتقر إلى أبسط الاحتياجات.
كما تشمل القيود الإسرائيلية مواد الإيواء اللازمة للنازحين، رغم مرور أشهر على وقف إطلاق النار واستمرار انتشار الدمار، وهو ما يترك العائلات في مواجهة الحر والبرد وانعدام الخصوصية، ويحول العودة إلى المناطق السكنية المدمرة إلى خيار شبه مستحيل، حتى بالنسبة لمن تمكنوا من الوصول إلى أحيائهم السابقة.
وقدر تقييم حديث لمركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية ارتفاع عدد المباني المدمرة بنسبة 9% منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، فيما تضرر نحو 82% من مباني القطاع، بما يزيد على 200 ألف منشأة، ودُمر ثلثها بالكامل، في دلالة على أن التدمير تواصل بعد الاتفاق ولم يتوقف عند حدود الحرب السابقة.
وتكشف هذه المعطيات أن غزة تواجه مسارين متوازيين، أولهما استمرار القتل والإصابات، وثانيهما تعطيل شروط البقاء وإعادة الإعمار، إذ لا تكفي زيادة المواد الغذائية وحدها لإنقاذ مجتمع يحتاج إلى مستشفيات عاملة ومياه ومخابز ووقود ومعدات ومواد إيواء، فضلا عن ضمانات حقيقية تمنع تجدد القصف وسقوط مزيد من الضحايا.
عنف المستوطنين يتصاعد
شن مستوطنون إسرائيليون سلسلة هجمات على قرى ومساكن وممتلكات فلسطينية في مناطق متفرقة بالضفة الغربية، شملت اقتلاع أشتال الزيتون وتخريب خزانات المياه ومضايقة السكان وإطلاق المواشي بين المنازل، إلى جانب اقتحام محيط مساكن فلسطينية وتوسيع بؤر استيطانية على حساب أراضي المواطنين.
ففي بلدة دير شرف غرب نابلس، اقتلع المستوطنون أشتال زيتون وخربوا خزانات مياه يستخدمها المزارعون، في اعتداء استهدف الأرض ومصادر الرزق معا، بينما تعرض تجمع عرب الكعابنة شرق رام الله لأربع هجمات منذ مساء الخميس، ما نشر الخوف بين الأهالي بسبب تكرار الاعتداءات خلال فترة زمنية شديدة القصر.
وفي منطقة جباس شرق قرية الطيبة، اقتحم مستوطنون محيط منزل فلسطيني وضايقوا السكان وأطلقوا مواشيهم قرب مساكن الأهالي، رغم إعلان الجيش الإسرائيلي المنطقة عسكرية مغلقة قبل أسبوع، وهو ما أثار تساؤلات بشأن منع الفلسطينيين من الحركة والسماح للمستوطنين بدخول المنطقة والتصرف فيها بحرية.
كما واصل المستوطنون توسيع بؤرة استيطانية في منطقة غرابة شمال غرب بلدة سنجل، وسط مخاوف من تمددها باتجاه الأراضي الفلسطينية وفرض مزيد من القيود على وصول أصحابها إليها، بينما اقتحم آخرون خربة الخرابة شرق السموع جنوب الخليل وأطلقوا مواشيهم بين مساكن السكان في اعتداء استفزازي جديد.
ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، ارتكب المستوطنون 3488 اعتداء خلال النصف الأول من 2026، شملت مهاجمة القرى والاعتداء على الفلسطينيين وإحراق المنازل وإطلاق النار والاستيلاء على الأراضي وإقامة البؤر الاستيطانية، وأسفرت تلك الاعتداءات عن استشهاد 17 فلسطينيا، في ظل اتساع ظاهرة الإفلات من العقاب.
ومنذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في 8 أكتوبر 2023، صعد الجيش والمستوطنون اعتداءاتهم في الضفة، ما أدى، وفقا للمعطيات الفلسطينية الرسمية الواردة، إلى استشهاد أكثر من 1182 فلسطينيا وإصابة نحو 13 ألفا واعتقال قرابة 25 ألفا، فضلا عن خسائر مادية واسعة لحقت بالمنازل والمتاجر والأراضي الزراعية.
وفي مخيم قلنديا بالقدس، رصدت الفرق الإنسانية أضرارا واسعة بالمنازل والمحال عقب عملية إسرائيلية استمرت يومين، وأبلغت عشرات العائلات عن خسائر مادية وتضرر ممتلكاتها، بينما سجل الهلال الأحمر الفلسطيني إصابة أكثر من 50 شخصا، بما يعكس الكلفة المدنية المباشرة للاقتحامات العسكرية المتكررة.
1666 انتهاكا في شهر
وثقت منظمة البيدر 1666 انتهاكا إسرائيليا في الضفة الغربية خلال يوليو 2026، بمعدل يقارب 53,7 انتهاكا يوميا، واعتبرت أن هذا الحجم لا يعبر عن حوادث منفصلة، بل عن سياسة متكاملة تستهدف إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي، خصوصا في الأغوار والمرتفعات الشرقية ومحيط القدس والمناطق المصنفة ج.
وسجل التقرير 472 اعتداء نفذها المستوطنون، تمثل نحو 28% من إجمالي الانتهاكات، وتركزت بصورة رئيسية في محافظات نابلس ورام الله والبيرة والقدس والخليل، وهي المناطق نفسها التي تشهد توسعا استيطانيا متسارعا، بما يكشف الارتباط بين العنف الميداني ومحاولات السيطرة الدائمة على الأراضي الفلسطينية.
كذلك وثقت المنظمة 152 حادثة إطلاق نار استهدفت الفلسطينيين والتجمعات البدوية خلال شهر واحد، بمعدل يقارب 5 حوادث يوميا، وهو ما جعل حركة الرعاة والمزارعين والوصول إلى الأراضي ومصادر المياه أكثر خطورة، وحول السلاح إلى وسيلة لإبعاد السكان تدريجيا عن الحيز الجغرافي المستهدف بالاستيطان.
وأشارت توثيقات المنظمة إلى استشهاد 16 فلسطينيا في الضفة والقدس خلال يوليو، بينهم امرأة و3 أطفال، أحدهم الرضيع أحمد معروف زيد البالغ 4 أشهر، الذي توفي بعدما منعت قوات الاحتلال عائلته من نقله إلى المستشفى عبر حاجز قرب دير عمار غرب رام الله.
كما استشهدت سجود وائل فقهاء، وهي أم لطفلين، عند بوابة بلدة سنجل بعدما مُنعت سيارة الإسعاف التي كانت تنقلها من المرور رغم خطورة حالتها، بينما استشهد 3 فلسطينيين في القدس، وقُتل 4 من عائلة رمضان خلال هجوم للمستوطنين على بلدة تل بمحافظة نابلس.
وقال المشرف العام لمنظمة البيدر المحامي حسن مليحات إن الضغط على الفلسطينيين تجاوز مصادرة الأرض وتدمير الممتلكات إلى استهداف الحق في الحياة، سواء بإطلاق النار أو بمنع المرضى والجرحى من بلوغ المستشفيات، بما يعزز البيئة القسرية ويقوض قدرة القرى والتجمعات البدوية على الصمود.
ورصد التقرير أيضا 21 نشاطا استيطانيا خلال يوليو، شملت توسيع مستوطنات وإنشاء بؤر وشق طرق جديدة، وهي خطوات تعمل على تفتيت التواصل الجغرافي الفلسطيني وعزل التجمعات عن محيطها، بالتزامن مع تدمير المنشآت وسرقة المواشي ومنع الوصول إلى المراعي وتجفيف مصادر الدخل.
وتوضح مجمل الأرقام أن التهجير لا يجري بأوامر إخلاء مباشرة فقط، بل عبر صناعة واقع يستحيل احتماله، تتداخل فيه الهجمات المسلحة والحواجز والاستيطان وتدمير الاقتصاد ومنع العلاج، بهدف إضعاف الوجود الفلسطيني في المناطق الأكثر حساسية وفتح الطريق أمام الضم وتقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية.

