تشهد منطقة الخليج واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تزامن تحركات دبلوماسية مكثفة مع رسائل عسكرية متبادلة، حيث أعلنت طهران اقترابها من التوصل إلى اتفاق مع سلطنة عُمان بشأن تنظيم الملاحة في مضيق هرمز، بالتزامن مع تحذيرات مباشرة وجهتها إلى دول الخليج من مغبة دعم أي هجوم أمريكي جديد عليها، بينما تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية انتهاء الحرب "قريبًا جدًا"، في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
اتفاق مرتقب لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز
كشف نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن بلاده وسلطنة عُمان اقتربتا من وضع الصيغة النهائية لاتفاق جديد ينظم حركة الملاحة التجارية في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والتجارة العالمية.
وأوضح المسؤول الإيراني أن المفاوضات استمرت لأكثر من ثلاثة أسابيع، وأسفرت عن تفاهمات واسعة تتعلق بمسارات عبور السفن وآليات إدارة الحركة البحرية، إلى جانب الجوانب الأمنية والفنية المرتبطة بسيادة كل من إيران وسلطنة عُمان.
وبحسب التصور المطروح، سيتم إنشاء مركز تنسيق مشترك يتولى إدارة حركة السفن وجمع المعلومات الخاصة بالملاحة، مع تعديل خطوط المرور الحالية وإغلاق بعض الممرات المؤقتة القريبة من جزيرة لارك الإيرانية والمياه الإقليمية العُمانية.
تغيير في خريطة الملاحة البحرية
يمثل الاتفاق المقترح تحولًا مهمًا في آلية عبور السفن داخل المضيق، إذ ستنتقل أجزاء من الممرات الجديدة إلى المياه الإيرانية، بعدما ظلت حركة الملاحة التجارية لعقود تمر بصورة رئيسية عبر المياه العُمانية.
وأشار غريب آبادي إلى أن النظام الجديد سيخضع لفترة تشغيل تجريبية تمتد ما بين شهرين وأربعة أشهر، مع إمكانية تمديدها، لكنه شدد على أن دخوله حيز التنفيذ يتطلب قرارًا من القيادة الإيرانية العليا.
وأكد المسؤول الإيراني أن الاتفاق المرتقب لا يعني إعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة، موضحًا أن هذا الملف لا يزال مرتبطًا بجملة من الشروط السياسية والأمنية التي ترى طهران أن الولايات المتحدة مطالبة بتنفيذها.
شروط إيرانية لإعادة فتح المضيق
ربطت إيران إعادة فتح مضيق هرمز بإنهاء ما تصفه بـ"الحصار البحري" ووقف أي أعمال عسكرية أو عقوبات جديدة، معتبرة أن استقرار الملاحة في المضيق يرتبط بشكل مباشر بسلوك الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة.
وترى طهران أن أي تفاهم فني بشأن الملاحة لا يمكن أن يتحول إلى اتفاق دائم في ظل استمرار التوترات العسكرية والضغوط الاقتصادية المفروضة عليها.
ترامب يتوقع نهاية قريبة للحرب
في المقابل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الحرب مع إيران قد تنتهي خلال فترة قصيرة، مؤكدًا أن طهران لا تستطيع الاستمرار في المواجهة بالوتيرة الحالية.
وخلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض، أقر ترامب بأن بعض أنواع الذخائر الأمريكية أصبحت أقل توفرًا بعد أشهر من العمليات العسكرية، إلا أنه أكد أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك مخزونًا كبيرًا من الأسلحة المختلفة، يسمح لها بمواصلة القتال إذا اقتضت الضرورة.
وأوضح الرئيس الأمريكي أن شركات الصناعات الدفاعية كثفت إنتاج صواريخ "باتريوت" الاعتراضية وصواريخ "توماهوك"، مشددًا على أهمية إعادة بناء المخزون العسكري استعدادًا لأي نزاعات مستقبلية.
وأكد ترامب أن الولايات المتحدة لا تواجه أزمة تسليح، وأنها تمتلك "إمدادات غير محدودة" من بعض أنواع الأسلحة، مع استمرار مراقبة مستويات المخزون بصورة دقيقة.
تحذير إيراني مباشر إلى دول الخليج
في الوقت نفسه، كشفت مصادر إيرانية وخليجية عن توجيه طهران رسائل تحذير صريحة إلى عدد من دول الخليج، طالبتها فيها باستخدام نفوذها لدى الإدارة الأمريكية لمنع أي هجوم جديد على إيران.
وحذرت طهران من أن استهداف منشآتها أو بنيتها التحتية سيقابله رد مباشر يستهدف منشآت الطاقة وحقول النفط والمصافي وشبكات الكهرباء والمياه والبنية التحتية الحيوية في دول الخليج.
وأكد مسؤول إيراني أن الرسائل جاءت في إطار استراتيجية ردع تهدف إلى منع أي تصعيد أمريكي جديد، مشيرًا إلى أن بلاده تعتبر استهداف منشآت الطاقة الخليجية جزءًا من خيارات الرد المطروحة إذا تعرضت لهجوم جديد.
تحركات دبلوماسية لاحتواء الأزمة
وأفادت مصادر مطلعة بأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أجرى سلسلة اتصالات مع مسؤولين في السعودية وقطر وتركيا، بالإضافة إلى قائد الجيش الباكستاني، لحشد دعم إقليمي يمنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة جديدة.
وأكدت المصادر أن الرسالة الإيرانية كانت موحدة في جميع الاتصالات، ومضمونها أن الحل الدبلوماسي يبقى الخيار الأفضل لتجنب حرب إقليمية واسعة، مع التشديد على جاهزية إيران للرد إذا تعرضت لهجوم.
وفي المقابل، نقلت المصادر أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أجرى اتصالًا بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، دعاه خلاله إلى منح المسار الدبلوماسي فرصة جديدة وتأجيل أي عمل عسكري، بما يسمح باستئناف المفاوضات والتوصل إلى وقف لإطلاق النار.
كما أشارت المصادر إلى أن السعودية وقطر وسلطنة عُمان كثفت جهودها لدى واشنطن لدفعها نحو العودة إلى طاولة المفاوضات مع طهران، محذرة من أن أي مواجهة جديدة قد تهدد أمن المنطقة وإمدادات الطاقة العالمية.
رسائل ردع متبادلة
وأكد مسؤولون إيرانيون أن بلادهم أوضحت لدول الخليج أن أي استهداف للبنية التحتية الإيرانية سيقابله استهداف مماثل لمنشآت النفط والمصافي وشبكات الكهرباء والمياه ووسائل النقل في المنطقة.
واستحضرت طهران في رسائلها هجمات عام 2019 التي استهدفت منشأتي بقيق وخريص السعوديتين، باعتبارها نموذجًا لما قد يحدث إذا توسعت المواجهة العسكرية.
ويرى مسؤولون إيرانيون أن الإدارة الأمريكية تواجه خيارين؛ إما التصعيد بما يهدد استقرار الخليج وسوق الطاقة العالمية، أو القبول بتسوية سياسية لا تحقق جميع أهداف واشنطن.
انفجارات في قشم وتعثر مفاوضات روما
وفي تطور ميداني، أفادت مصادر إيرانية بأن دوي انفجارين في جزيرة قشم الواقعة عند مدخل مضيق هرمز نجم عن عمليات اعتراض لأهداف معادية، دون الكشف عن تفاصيل إضافية.
بالتزامن مع ذلك، أعلنت الخارجية الإيرانية أن البيان المشترك مع سلطنة عُمان بشأن مضيق هرمز دخل مرحلة المراجعة والصياغة النهائية، مؤكدة أن الاتفاق قد يرى النور قريبًا إذا لم تتدخل أطراف خارجية لتعطيله.
وعلى مسار آخر، نقلت تقارير عن مسؤولين لبنانيين وأمريكيين أن جولة المفاوضات التي عقدت في العاصمة الإيطالية روما بين لبنان وإسرائيل انتهت دون تحقيق أي اختراق ملموس، في مؤشر جديد على تعقيدات المشهد الإقليمي الذي يشهد تداخلًا بين الملفات العسكرية والسياسية والدبلوماسية.

