أثار الزلزال الذي ضرب مصر فجر الاثنين 3 أغسطس 2026 موجة واسعة من التكهنات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد تداول منشورات تزعم أن الهزة ربما نتجت عن "تفجير نووي سري تحت البحر"، أو أن انفجارًا من هذا النوع حرّك أحد الصدوع القريبة من مصر. وانتشرت هذه الرواية على نطاق واسع، وروّج لها بعض المشاهير، إلا أنها لا تستند إلى أي دليل علمي أو بيانات قابلة للتحقق، كما تتعارض مع نتائج شبكات الرصد الزلزالي العالمية.
ووفقًا لبيانات المسح الجيولوجي الأمريكي، بلغت قوة الزلزال 5.3 درجات، ووقع عند الساعة 00:00:33 بالتوقيت العالمي، أي نحو الثالثة صباحًا بتوقيت القاهرة، على بعد نحو 41 كيلومترًا شمال شرقي السويس، وبعمق يقارب 10 كيلومترات داخل القشرة الأرضية، وصُنّف رسميًا على أنه زلزال تكتوني طبيعي. كما قدّر المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية قوته بنحو 5.6 درجات، وحدد مركزه على مسافة تقارب 38 كيلومترًا من السويس، وهو اختلاف طبيعي بين شبكات الرصد ولا يغيّر طبيعة الحدث.
لماذا لا يشبه الزلزال انفجارًا نوويًا؟
رغم أن الانفجارات الكبيرة يمكن أن تُحدث موجات تلتقطها أجهزة قياس الزلازل، فإن العلماء يستطيعون التمييز بينها وبين الزلازل الطبيعية من خلال شكل الموجات الزلزالية وعمق المصدر وطريقة انتشار الطاقة.
فالزلازل تنتج عن انزلاق الصخور على امتداد الصدوع، مولدة موجات ضغط وموجات قص مميزة، بينما يطلق الانفجار طاقة مركزة في نقطة صغيرة تُنتج نمطًا مختلفًا من الموجات. وتوضح هيئة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية أن الزلازل تُظهر عادة موجات قصية أقوى نسبيًا، في حين تتميز الانفجارات بموجات ضغط أكثر وضوحًا، وهو ما يسمح لمراكز الرصد بتمييز الحدث بدقة. ولهذا صنّفت جميع شبكات الرصد زلزال السويس على أنه زلزال طبيعي، وليس انفجارًا.
ماذا لو وقع تفجير نووي تحت البحر؟
لو وقع بالفعل تفجير نووي تحت البحر، فلن يقتصر أثره على تسجيل موجات زلزالية، بل سيولد أيضًا موجات صوتية مائية قوية يمكن رصدها عبر شبكة عالمية من المحطات الهيدروصوتية، إضافة إلى احتمال انبعاث جسيمات وغازات مشعة ترصدها محطات متخصصة.
وتدير هيئة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية منظومة مراقبة دولية تضم محطات زلزالية، وهيدروصوتية، ومحطات لرصد الموجات دون الصوتية، وأخرى لرصد المواد المشعة، وهي قادرة على اكتشاف معظم التجارب النووية حول العالم. وحتى الآن، لم يصدر أي تقرير من أي جهة علمية أو رقابية دولية يشير إلى وقوع انفجار نووي في المنطقة، ما يجعل هذه الادعاءات بلا سند علمي.
هل يمكن لانفجار أن يحرّك صدعًا زلزاليًا؟
من الناحية النظرية، قد تؤدي انفجارات ضخمة للغاية إلى تحفيز هزات صغيرة جدًا بالقرب من موقعها إذا كان الصدع على وشك الانزلاق بالفعل، لكن هذا الاحتمال محدود للغاية ولا يفسر ما حدث في السويس.
ويشير المسح الجيولوجي الأمريكي إلى أن الزلازل المرتبطة بالتجارب النووية كانت أصغر من الانفجار نفسه، وأن تأثيرها اقتصر على نطاق لا يتجاوز عشرات الكيلومترات. وحتى أقوى التجارب النووية الأمريكية تحت الأرض، مثل اختباري "بينهام" و**"كانيكين"**، لم تؤدِّ إلى إطلاق زلازل كبيرة في المناطق المحيطة. ولذلك، فإن الربط بين انفجار مزعوم وزلزال السويس يتطلب أولًا إثبات وقوع الانفجار نفسه وتحديد مكانه وتوقيته، وهو ما لا تقدمه أي من الروايات المتداولة.
تفسير جيولوجي معروف لا يحتاج إلى فرضيات
تقع منطقة خليج السويس ضمن أحد أكثر النطاقات نشاطًا تكتونيًا في مصر، إذ تمثل امتدادًا لمنطقة الانهدام الناتجة عن تباعد الصفيحة العربية عن الصفيحة الأفريقية. وقد سجلت المنطقة على مدار عقود العديد من الزلازل المتوسطة، وهو ما يجعل وقوع هزة أرضية بهذا الحجم متوافقًا مع الطبيعة الجيولوجية للمنطقة، دون الحاجة إلى افتراضات تتعلق بتفجيرات نووية أو أسباب صناعية.
وبناءً على المعطيات العلمية المتاحة، لا توجد أي أدلة تدعم فرضية التفجير النووي، بينما تتفق بيانات الرصد والدراسات الجيولوجية على أن ما شهدته منطقة السويس هو زلزال تكتوني طبيعي، وأن الشائعات المتداولة لا تستند إلى حقائق يمكن التحقق منها.

