أعاد هجوم الطائرة المسيرة على سفينتي غاز في ميناء دمياط يوم 29 يوليو 2026 فتح ملف الجاهزية الدفاعية المصرية بعدما أكدت الحكومة في اليوم التالي أن طائرة مسيرة تسببت في الحريق الذي أصاب سفينتي إنرجوس وينتر وغازلوغ سالم من دون خسائر بشرية بينما بقيت هوية الجهة المنفذة غير معلنة حتى الآن.

 

ويضع الحادث أسئلة مباشرة أمام السلطة التي افتتحت في 4 يوليو 2026 مقر القيادة الاستراتيجية المعروف بالأوكتاجون في العاصمة الإدارية الجديدة وقدمت المشروع باعتباره مركزا متقدما للقيادة والسيطرة وإدارة الأزمات لأن وصول مسيرة إلى منشأة طاقة حيوية بعد أسابيع من الافتتاح يجعل اختبار الجاهزية مرتبطا بالأداء الفعلي لا بحجم المباني أو مراسم الاستعراض.

 

الأوكتاجون وصفقات السلاح أمام اختبار القدرة على الحماية

 

وتكشف بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن مصر كانت ثالث أكبر مستورد للسلاح في العالم خلال الفترة من 2015 إلى 2019 ثم تراجعت إلى المركز الثامن خلال 2020 إلى 2024 رغم استمرارها ضمن قائمة أكبر المستوردين وهو ما يؤكد ضخامة مسار التسليح الذي اتبعته الدولة خلال سنوات حكم عبد الفتاح السيسي.

 

كما شملت المشتريات 24 مقاتلة رافال وفرقاطة متعددة المهام في صفقة فرنسية بلغت قيمتها نحو 5.2 مليار يورو عام 2015 ثم تعاقدت القاهرة في مايو 2021 على 30 مقاتلة رافال إضافية بتمويل يمتد لعشر سنوات وبقيمة قدرتها تقارير دولية بنحو 4.5 مليار دولار إلى جانب توسع بحري في فرقاطات وغواصات وسفن إنزال.

 

وفي المقابل يوضح معهد ستوكهولم أن 51 بالمئة من واردات مصر الرئيسية خلال 2015 إلى 2019 كانت طائرات بينما أصبحت السفن تمثل 65 بالمئة من وارداتها خلال 2020 إلى 2024 وهو تحول يعكس تركيز الإنفاق على قدرات الضرب البعيد والقوة البحرية لكنه لا يقدم وحده دليلا على كفاءة منظومات الإنذار المبكر وحماية الأهداف الحيوية.

 

ومن هذه الزاوية يرى الباحث يزيد صايغ من مؤسسة كارنيغي أن توسع الدور العسكري في عهد السيسي لم يقتصر على المهام الدفاعية بل امتد إلى إدارة الأراضي والبنية الأساسية والأصول والشركات وهو ما جعل المؤسسة العسكرية فاعلا اقتصاديا مستقلا قادرا على التأثير في سياسات الدولة والاستثمار ويمنح هذا التوصيف بعدا مؤسسيا للسؤال عن توزيع الأولويات والموارد.

 

ولهذا لا تسمح الوقائع المنشورة باعتبار كثرة السلاح دليلا تلقائيا على غياب القدرة كما لا تسمح باعتبارها دليلا تلقائيا على الجاهزية لأن تقييم الدفاع الجوي يحتاج إلى بيانات عن الرصد والاستجابة وقواعد الاشتباك وسلسلة القيادة وهي معلومات غير معلنة بينما أثبت حادث دمياط أن اختراقا بطائرة مسيرة وصل بالفعل إلى هدف طاقة استراتيجي داخل الأراضي المصرية.

 

مركزية القرار وتداخل الرئاسة مع المؤسسة العسكرية

 

وبالتوازي افتتح السيسي الأوكتاجون بوصفه مركز القيادة الاستراتيجية للدولة على مساحة ضخمة تضم 13 منطقة رئيسية وفق البيانات الرسمية مع أنظمة للقيادة والسيطرة والاتصالات والذكاء الاصطناعي وقدمت الهيئة العامة للاستعلامات المقر باعتباره أداة لتسريع القرار وتعزيز التنسيق بين أفرع القوات المسلحة ورفع الاستعداد أمام التحديات الإقليمية والدولية المتغيرة.

 

لكن طبيعة النظام السياسي تجعل سؤال من يقرر وكيف تصنع القرارات العسكرية جزءا من تقييم الجاهزية لأن الدستور يمنح الرئيس موقع القائد الأعلى للقوات المسلحة بينما تتركز القرارات الكبرى في مؤسسة الرئاسة كما ظهر في الإشراف الشخصي للسيسي على مشروعات عسكرية ومدنية واسعة وفي الحضور المباشر للرئاسة داخل إدارة قطاعات اقتصادية ترتبط بالمؤسسة العسكرية.

 

وفي هذا السياق كتب الباحث روبرت سبرينغبورغ أن حكم السيسي نقل الاقتصاد العسكري إلى نموذج أكثر ارتباطا بالأجهزة الأمنية وبشبكات السلطة المقربة من الرئاسة وأن هذا التحول أضعف الطابع المؤسسي لمراكز القرار لصالح دوائر أضيق وهو توصيف يثير مسألة تأثير المركزية الشديدة على قدرة المؤسسات على المبادرة والتقييم المستقل عند الأزمات المفاجئة.

 

ومن ثم لا يمكن الجزم بأن حادث دمياط نتج عن قرار سياسي بتقييد الاستجابة العسكرية لأن التحقيقات المنشورة لم تقدم هذه النتيجة كما لم تعلن السلطات مسار الطائرة أو نقطة إطلاقها أو زمن اكتشافها أو ما إذا كانت وسائل الدفاع الجوي رصدتها قبل إصابة السفن ولذلك يبقى الربط المباشر بين الحادث وإرادة القيادة ادعاء يحتاج إلى دليل غير متاح.

 

ومع ذلك تستطيع الحكومة إغلاق جزء كبير من مساحة الشك بنشر نتائج فنية محددة عن مسار الطائرة ونطاق الرصد وتوقيت الإنذار وإجراءات حماية الميناء لأن الصمت عن هذه العناصر يترك المقارنة قائمة بين الخطاب الرسمي عن مركز قيادة ذكي بالغ التطور وبين واقعة تمكنت فيها طائرة مسيرة من إصابة هدف يرتبط مباشرة بأمن الطاقة خلال ذروة الصيف.

 

جيش واسع التسليح ودور اقتصادي متضخم وأسئلة عن الأولويات

 

وعلى مستوى الموارد تحصل مصر منذ عقود على تمويل عسكري أمريكي سنوي يدور حول 1.3 مليار دولار وقد طلبت الإدارة الأمريكية المبلغ نفسه للسنة المالية 2026 وفق تقرير خدمة أبحاث الكونغرس بينما قدمت الولايات المتحدة لمصر منذ 1946 قرابة 90 مليار دولار من المساعدات الثنائية التاريخية بما فيها المساعدات العسكرية والاقتصادية التي توسعت بعد معاهدة السلام.

 

وفي الوقت نفسه سجل معهد ستوكهولم أن واردات مصر من السلاح انخفضت 44 بالمئة بين الفترتين 2015 إلى 2019 و2020 إلى 2024 لكنها بقيت ضمن الثمانية الكبار عالميا وهو ما يعني أن السؤال لا يتعلق فقط بحجم الشراء بل بترتيب الأولويات بين التسليح والمنظومات الدفاعية المتكاملة والتدريب والجاهزية والصيانة وقدرات الاستخبارات والاستطلاع والإنذار المبكر.

 

ومن الناحية الاقتصادية يقول تيموثي كالداس نائب مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط إن توسع الشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية جعل الاقتصاد أكثر اعتمادا على الدولة والعقود العامة وأضعف المنافسة والاستثمار الخاص بينما حذر في كتاباته من أن تركيز القوة في دوائر ضيقة يحقق سيطرة قصيرة الأجل لكنه ينتج هشاشة مؤسسية على المدى الأطول.

 

وبناء على ذلك يصبح السؤال المشروع هو ما إذا كانت موارد المؤسسة العسكرية موزعة بصورة تحقق أعلى جاهزية لحماية الحدود والموانئ والطاقة أم أن اتساع المهام الاقتصادية والإنشائية والإدارية يستهلك جزءا من الاهتمام المؤسسي الذي يفترض أن يتركز على الدفاع والأمن القومي وهو سؤال تدعمه بنية الدور العسكري لكنه يحتاج إلى بيانات رسمية أكثر شفافية لتحديد أثره العملياتي بدقة.

 

أما الحديث عن عمولات في صفقات التسليح فلا تكشف المصادر المفتوحة التي راجعتها وثائق موثوقة تسمح بإثباته كحقيقة ولذلك لا يصح إدراجه كاتهام جازم بينما تستطيع الصحافة مساءلة غياب الشفافية حول الأسعار وشروط التمويل والأولويات والرقابة البرلمانية لأن جزءا من صفقات السلاح المصرية يعلن بصورة محدودة ولا تتاح تفاصيله المالية والتشغيلية كاملة للرأي العام.

 

وفي الخلاصة لا يثبت اختراق دمياط أن الجيش المصري بلا قدرة ولا يثبت الأوكتاجون وصفقات السلاح أن البلاد محصنة من الاختراق وإنما تكشف الواقعة فجوة تستحق التحقيق بين استثمارات عسكرية ضخمة وخطاب رسمي عن قيادة متطورة وبين قدرة طائرة مسيرة مجهولة على الوصول إلى ميناء استراتيجي وهو اختبار لا تحسمه الاستعراضات بل المعلومات والمحاسبة ونتائج التحقيق الفني.