وثق تقرير مشترك أصدرته 3 مؤسسات حقوقية تضرر سيناء، بعد تولي جهاز مستقبل مصر إدارتها وفرضه قيودا واحتكارا أفضيا إلى انهيار الدخول وتراكم الديون.

 

وتكشف الواقعة كيف تحولت وعود التنمية في شمال سيناء إلى غطاء لانتزاع أرزاق مجتمعات كاملة، بينما تدفع أسر الصيادين ثمن إدارة مغلقة تجمع السلطة الاقتصادية والأمنية وتحاصر الاحتجاج السلمي بالملاحقات والمنع.

 

 

احتكار يلتهم أرزاق الصيادين

 

وبحسب التقرير، اعتمدت المؤسسات الثلاث على 28 مقابلة ميدانية أجريت بين ديسمبر 2025 ومارس 2026 مع صيادين وتجار وموظفين محليين، إلى جانب فحص أوراق قضايا ونصوص قانونية ودراسات مرتبطة بالبحيرة.

 

كما رصدت الشهادات انتقال جهاز مستقبل مصر من دور الإشراف إلى التحكم الكامل في شراء الأسماك، إذ فرض أسعارا منخفضة على الصيادين ثم أعاد بيع الإنتاج للتجار بهوامش ربح تجاوزت 100 بالمئة.

 

علاوة على ذلك، امتد الاحتكار إلى الوقود والزيوت ومياه الشرب، مع منع الصيادين من الحصول عليها من مصادر بديلة، حتى عند تعطل الإمدادات، بما ضاعف تكاليف التشغيل وهدد سلامة الرحلات.

 

ومن ثم، فقد الصيادون قدرتهم على التفاوض داخل سوق يفترض أن تحكمه المنافسة، وأصبح المشتري هو الجهة المنظمة نفسها، بما خلق تضاربا صارخا بين سلطة الإدارة ومصالح النشاط التجاري المباشر.

 

في المقابل، تراكمت الديون على أصحاب المراكب والعاملين بعدما تراجعت حصيلة البيع وارتفعت نفقات التصاريح والمستلزمات، بينما ظلت الأسر مرتبطة بدخل يومي لا يحتمل التوقف أو التأخير أو التسعير القسري.

 

وفوق ذلك، أدى التحكم في منافذ التسويق إلى إضعاف التجار المحليين والجمعيات التعاونية، بعدما جرى تقليص دورهم التاريخي في شراء الأسماك وتوفير الخدمات والدفاع عن مصالح الصيادين أمام الجهات الإدارية.

 

ويرى أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة نادر نور الدين أن بحيرة البردويل تمثل ثروة قومية بسبب جودة إنتاجها وقيمته التصديرية، وهو ما يجعل إدارة مواردها بشفافية وحماية مجتمعها المحلي ضرورة عامة.

 

وبالتالي، لا يمكن فصل تدهور معيشة الصيادين عن قيمة البحيرة الاقتصادية، لأن تحويل مورد طبيعي شديد الأهمية إلى سوق مغلق يهدد استدامة الإنتاج ويجعل الربح المؤسسي مقدما على حقوق العاملين.

 

 

تصاريح باهظة وعقاب جماعي

 

أما على المستوى الإداري، فقد وثق التقرير تضاعف تكاليف التصاريح عشرات المرات وتعقد إجراءات استخراجها، وهو ما حول حق مزاولة المهنة إلى عبء مالي وبيروقراطي يصعب على العاملين محدودي الدخل تحمله.

 

كذلك، أصبحت مخالفة التعليمات الإدارية مدخلا مباشرا للقبض والإحالة إلى المحاكم العسكرية وفرض العقوبات، استنادا إلى القرار رقم 294 لسنة 2019 الذي صنف البحيرة وشواطئها ضمن المناطق المتاخمة للحدود.

 

غير أن توسيع الاختصاص العسكري ليشمل نزاعات مرتبطة بالصيد والتراخيص يحرم المدنيين من قاضيهم الطبيعي، ويضع العمال أمام منظومة عدالة استثنائية لا توفر الضمانات نفسها المتاحة أمام المحاكم المدنية المصرية.

 

وفي هذا السياق، قال أحمد سالم المدير التنفيذي لمؤسسة سيناء لحقوق الإنسان إن محاكمة الصيادين عسكريا بسبب العمل دون تصريح تمثل انتهاكا صارخا، مطالبا بإسقاط التهم وإحالتهم إلى قضاء مدني مستقل.

 

ومن ناحية أخرى، أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن محاكمات خمسة صيادين شابتها انتهاكات للعدالة، بينها تجاهل طلبات استجواب شهود الادعاء وعقد جلسات دون حضور المتهمين، بما أضعف حق الدفاع.

 

وتؤكد سارة حشاش، نائبة المديرة الإقليمية بمنظمة العفو الدولية، أن المحاكم العسكرية المصرية ارتبطت بإصدار أحكام جائرة عقب إجراءات منقوصة، داعية إلى إصلاح التشريعات بما يمنع امتداد اختصاصها إلى المدنيين.

 

وبناء على ذلك، لم تعد العقوبة مرتبطة فقط بغرامة أو حبس، بل امتدت إلى سحب التراخيص والمنع من دخول البحيرة، وهي إجراءات تقطع مصدر رزق الصياد وأسرته دون بديل أو حماية اجتماعية.

 

ثم إن استخدام المنع الإداري عقب الاحتجاجات السلمية يرسخ عقابا جماعيا يتجاوز المخالفات الفردية، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن الاعتراض على شروط العمل قد يؤدي إلى الإقصاء الكامل من المهنة.

 

 

إضراب محاصر وتنمية غائبة

 

وعندما لجأ الصيادون إلى الإضراب الجماعي عن العمل باعتباره وسيلة سلمية للاحتجاج، واجه بعضهم سحب التراخيص والحظر من دخول البحيرة، بدلا من فتح حوار جاد حول الأسعار والتصاريح وآليات الإدارة.

 

وفي الوقت نفسه، يكشف التعامل مع الإضراب عن غياب أي قناة تفاوض مستقلة، إذ جرى التعامل مع مطالب معيشية باعتبارها تحديا للسلطة، لا باعتبارها نزاعا مهنيا يستوجب الوساطة والحلول العادلة.

 

إضافة إلى ذلك، يضعف تهميش الجمعيات التعاونية قدرة الصيادين على التنظيم الجماعي، لأن هذه الكيانات كانت تمثل تاريخيا مظلة للخدمات والتفاوض وتوزيع المستلزمات، قبل أن تنكمش أمام سيطرة الإدارة الجديدة.

 

ويؤكد سليمان عياش، وكيل معهد الدراسات البيئية بجامعة العريش، أن البردويل من أهم المصايد المصرية وأعلى البحيرات قيمة بيئية واقتصادية، بما يستدعي حماية موردها الطبيعي ومجتمع الصيادين المرتبط بها.

 

لهذا، فإن أي تطوير حقيقي للبحيرة يجب أن يبدأ بدراسة مستقلة وشاملة للأثر الاجتماعي والبيئي، لا بقرارات مغلقة تعيد توزيع المنافع على حساب أصحاب الخبرة والعاملين الذين حافظوا على المورد لعقود.

 

وفي المحصلة، طالبت المؤسسات الثلاث بإعادة الإدارة المدنية المتخصصة، وتحرير السوق من الاحتكار، ووقف إحالة الصيادين إلى القضاء العسكري، والإفراج عن المحتجزين، وإشراك المجتمع المحلي في القرارات.

 

فضلا عن ذلك، دعت التوصيات إلى دعم الجمعيات التعاونية واستعادة دورها التمثيلي والخدمي، مع ضمان وصول الصيادين إلى الوقود والمياه والزيوت بأسعار عادلة، وفتح منافذ بيع متعددة تمنع فرض الأسعار.

 

وأخيرا، تكشف أزمة البردويل أن الحديث الرسمي عن التنمية يفقد معناه حين يقترن بإفقار السكان وإسكات اعتراضهم، لأن حماية البحيرة لا تتحقق بعسكرة أرزاقها، بل بصون حقوق الصيادين وعدالة السوق.