قتلت قوات الشرطة المصرية 95 متظاهرا وأصابت مئات آخرين فجر 27 يوليو 2013 بطريق النصر قرب النصب التذكاري في القاهرة، خلال تفريق محتجين رافضين لعزل الرئيس محمد مرسي، من دون محاسبة المسؤولين حتى اليوم.
 

وجاءت عملية القتل بعد ساعات من مطالبة عبد الفتاح السيسي المصريين بمنحه تفويضا لمواجهة ما سماه الإرهاب، فتحولت الدعوة إلى غطاء دموي لإطلاق الرصاص على معارضين، وترسيخ حكم بدأ بالانقلاب على  الإرادة الشعبية وسحق المحتجين.

 

وبحسب توثيق حقوقي قدم إلى الأمم المتحدة، أسفرت أحداث طريق النصر عن مقتل 95 متظاهرا وشرطي واحد، بينما رفعت مصادر ميدانية وطبية الحصيلة إلى أكثر من 100 قتيل، وسط اختلاف سببه تشتت الجثامين والمصابين.

 

وفي المقابل زعمت وزارة الداخلية آنذاك أن قواتها لم تستخدم سوى الغاز المسيل للدموع، واتهمت محتجين ببدء العنف، غير أن شهادات أطباء وصور الضحايا وثقت إصابات مباشرة بالرصاص في الرأس والصدر والبطن.

 

ومنذ اللحظات الأولى، تحدث أطباء المستشفى الميداني عن وصول مصابين بطلقات قاتلة أطلقت من مسافات قريبة، بينما استمرت المواجهات ساعات عند طريق النصر، وتعذر نقل كثير من الجرحى إلى المستشفيات بسبب كثافة إطلاق النار.

 

وعلاوة على ذلك، أفادت شهادات شهود بأن قوات ترتدي الزي الرسمي تحركت إلى جانب مسلحين بملابس مدنية، واستخدمت الخرطوش والرصاص الحي وقنابل الغاز، فيما أقيمت حواجز حالت دون وصول سيارات الإسعاف إلى المصابين.

 

وفي أثناء ذلك، تحول المستشفى الميداني داخل اعتصام رابعة إلى مساحة مكتظة بالجرحى والجثامين، وعمل أطباء متطوعون بإمكانات محدودة، وسط نقص الدم والأدوية وأدوات الجراحة، بينما واصلت سيارات الإسعاف مواجهة صعوبات الوصول والمغادرة.

 

وبذلك، لم تكن الواقعة اشتباكا عابرا كما قدمتها السلطة، بل عملية استخدام واسع للقوة المميتة ضد تجمع غالبيته من المدنيين، وقعت بعد 19 يوما فقط من قتل عشرات المحتجين أمام دار الحرس الجمهوري.

 

تفويض سبق الرصاص

 

وقبل المجزرة بيومين، دعا السيسي المصريين إلى النزول لتفويض الجيش والشرطة في مواجهة العنف والإرهاب، وهي صياغة اعتبرها حقوقيون تمهيدا لإطلاق يد الأجهزة الأمنية ضد المعارضين وإضفاء قبول شعبي مصطنع على القمع.

 

ثم خرجت حشود مؤيدة للجيش في ميادين عدة يوم 26 يوليو، بينما نظم معارضو عزل مرسي مسيرات انطلقت من اعتصام رابعة، قبل أن تتوقف إحداها قرب النصب التذكاري وتبدأ المواجهات خلال ساعات الليل.

 

وفي هذا السياق، وصفت هبة مرايف، التي كانت باحثة في منظمة هيومن رايتس ووتش، نمط القتل خلال يوليو وأغسطس 2013 بأنه استخدام متكرر للقوة المميتة، مؤكدة أن السلطات أخفقت في التحقيق الجدي ومحاسبة المسؤولين.

 

كما خلصت المنظمة، بعد تحقيق استمر عاما، إلى أن قوات الأمن قتلت ما لا يقل عن 1150 متظاهرا خلال وقائع يوليو وأغسطس، وأن الطبيعة الواسعة والمنهجية للقتل قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

 

غير أن أجهزة الدولة رفضت فتح تحقيق مستقل في تسلسل الأوامر، ولم تعلن أسماء الضباط الذين قادوا العملية أو نوع الذخيرة المستخدمة، بينما ركزت التحقيقات والمحاكمات اللاحقة على المحتجين والقيادات المعارضة بدل مساءلة مطلقي النار.

 

ومن ناحية أخرى، وصف حسن الشافعي، عضو هيئة كبار العلماء ومستشار شيخ الأزهر آنذاك، ما جرى بأنه ظلم فادح وقتل جماعي، وطالب بوقف سفك الدماء والتحرك لحماية المصريين العزل من استمرار العنف.

 

وبالتوازي، أدانت شخصيات عامة ومنظمات محلية المشاهد القادمة من المستشفى الميداني، لكن مؤسسات رسمية وإعلامية سارعت إلى تبني رواية السلطة، وصورت الضحايا باعتبارهم مسلحين، من دون تقديم أدلة قضائية تثبت الاتهامات الجماعية.

 

إضافة إلى ذلك، جاءت المجزرة وسط إغلاق قنوات معارضة واعتقال قيادات سياسية وتقييد التغطية الإعلامية، ما منح الرواية الأمنية مساحة شبه منفردة، وحرم أسر القتلى من منصة مستقلة لعرض الشهادات والمطالبة بالتحقيق.

 

بروفة رابعة الدموية

 

وبعد أقل من 3 أسابيع، فضت قوات الأمن اعتصامي رابعة العدوية والنهضة بالقوة، وقتلت مئات المحتجين في يوم واحد، لتبدو أحداث المنصة مرحلة اختبار سبقت العملية الأكبر ورسخت الإفلات الكامل من العقاب.

 

وترى حسيبة حاج صحراوي، المسؤولة السابقة بمنظمة العفو الدولية، أن غياب المحاسبة عن انتهاكات 2013 شجع السلطات على توسيع الاعتقالات والتعذيب وسوء المعاملة، وأفقد التحقيقات الرسمية أي مصداقية أمام الضحايا وأسرهم.

 

وفقا لمنظمة العفو الدولية، أدى الإفلات من العقاب عن عمليات القتل الجماعي إلى هجوم شامل على المعارضة السلمية، وتآكل ضمانات المحاكمة العادلة، واتساع القسوة داخل السجون خلال السنوات اللاحقة.

 

ولهذا، لا تنفصل ذكرى المنصة عن مسار بدأ بإلغاء نتائج الانتخابات وتعطيل الدستور، ثم تحول إلى قتل جماعي واعتقالات واسعة ومحاكمات استثنائية، قبل أن يرسخ سلطة لا تسمح بتحقيق مستقل في جرائم أجهزتها.

 

وفوق ذلك، تعرض ناجون وأقارب ضحايا لضغوط أمنية حالت دون ملاحقة المسؤولين، فيما غابت الحماية القانونية للشهود، وأصبح مجرد توثيق الانتهاكات أو التشكيك في الرواية الرسمية سببا محتملا للملاحقة والحبس والاتهام بنشر أخبار كاذبة.

 

ومن ثم، بقيت ملفات الطب الشرعي وتقارير المستشفيات وشهادات الأطباء عاجزة عن الوصول إلى محاكمة عادلة، لأن النيابة لم توسع التحقيق ليشمل القيادات التي خططت وأصدرت الأوامر وأشرفت على الانتشار الأمني.

 

كذلك، ساعد الصمت الدولي المتدرج على تثبيت الأمر الواقع، إذ عادت حكومات غربية للتعامل مع السلطة الجديدة وتقديم الدعم العسكري، رغم التقارير التي وثقت عمليات قتل واسعة وانتهاكات ممنهجة بحق المحتجين والمعارضين.

 

ذاكرة تقاوم النسيان

 

وبعد مرور 13 عاما، لا تزال أسر الضحايا تطالب بكشف الحقيقة وتحديد المسؤولين عن إصدار أوامر إطلاق النار، بينما تواصل الدولة إنكار وصف المجزرة وتمنع أي مسار قضائي مستقل يعيد فحص الأدلة والشهادات.

 

وفي المقابل، تحولت صور القتلى وشهادات الأطباء وأسماء الضحايا إلى ذاكرة موازية للرواية الرسمية، تتناقلها الأسر والحقوقيون، وتقاوم محاولات محو الواقعة أو اختزالها في اشتباك بين طرفين متساويين في القوة والمسؤولية.

 

وبناء على ذلك، تظل أحداث النصب التذكاري علامة على انتقال الدولة من إقصاء الخصوم إلى تصفيتهم بالقوة، وعلى استخدام خطاب مكافحة الإرهاب لتبرير قتل المعارضين وحرمانهم من العدالة والحماية القانونية.

 

وأخيرا، لا تسقط جريمة المنصة بمرور الزمن أو بحجب الوثائق، لأن الدماء التي أريقت فجر 27 يوليو 2013 تظل شاهدة على سلطة اختارت الرصاص جوابا عن الاحتجاج، ثم منحت القتلة حصانة مستمرة من الحساب.