تتصاعد المخاوف داخل الأوساط الطبية المصرية من تحول دراسة الطب إلى باب استثماري واسع لا تحكمه طاقة المستشفيات ولا أعداد المدرسين، بينما تُدفع دفعات متضخمة إلى تدريب لا يملك مقاعده ولا مشرفيه.
وتتجاوز الأزمة خلافًا شكليًا بين حكومي وخاص؛ فهي تمس سلامة المرضى، وعدالة الفرص، ومستقبل مهنة يُفترض أن تقوم على الكفاءة، لا على القدرة المالية أو التساهل في شروط الالتحاق.
القبول التجاري يرهق التدريب الجامعي
وبحسب الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الطب بجامعة المنصورة، فإن سياسة التوسع في الكليات الخاصة وقبول أعداد أكبر من الطاقة الواقعية تعيد تعريف التعليم الطبي كمشروع تحصيل رسوم، لا كمرفق مسؤول عن تأهيل طبيب آمن.
ففي تصوره، لا تعالج الحكومة عجز الأطباء بفتح أبواب القبول بلا سقف، لأن تخريج طالب لا يجد سريرًا تدريبيًا أو مشرفًا متفرغًا لا يسد العجز، بل يؤجل كلفته إلى المرضى والمستشفيات.
كما يربط حمدي بين تمدد الكليات الخاصة واستنزاف أعضاء هيئة التدريس من الجامعات الحكومية، معتبرًا أن السماح بالمزاحمة على الكفاءات من دون حماية مالية ومهنية للجامعة العامة يضعف الأصل الذي تعتمد عليه المنظومة كلها.
وعلاوة على ذلك، يرفض حمدي الاكتفاء بعقود تدريب هشة مع مستشفيات حكومية مزدحمة، ويطالب بأن تمتلك كل كلية مستشفى تعليميًا فعليًا وأطقمًا مستقلة، بدل تحميل مرافق الدولة فاتورة توسع لم تخطط له.
وبهذا المعنى، يصبح قبول طالب قادر على دفع مئات الآلاف سنويًا بينما تتراجع صرامة المجموع رسالة مقلقة للمجتمع؛ إذ يبدو المقعد الطبي سلعة، فيما تُهمش الكفاءة التي يفترض أن تحكم مهنة تمس حياة الناس.
وفي المقابل، ترى نجاة علي أن رسوب أعداد كبيرة من طلاب السنوات الإعدادية لا يجوز التعامل معه كحادث فردي، بل كإنذار عن فجوة بين درجات القبول الفعلية والاستعداد العلمي واللغوي المطلوبين لدراسة الطب.
ومن ثم، تقترح علي مسارًا تمهيديًا جادًا أو بكالوريوس علوم قبل الطب للطلاب المتعثرين، في اعتراض صريح على سياسة دفع الجميع إلى الكلية مباشرة، رغم تفاوت قدراتهم في الإنجليزية والعلوم الأساسية.
لكن الحل لا يقتصر على عرقلة الطالب بعد قبوله؛ فالمسؤولية تبدأ قبل ذلك، عند وضع حد أدنى حقيقي للالتحاق، واختبارات تقيس الفهم واللغة، وقواعد شفافة تمنع تحويل الفشل المتوقع إلى عبء نفسي ومالي.
وبينما تبرر الجهات المسؤولة التوسع بالحاجة إلى أطباء أكثر، فإنها لا تقدم للرأي العام حسابًا واضحًا لعدد الأسرة التعليمية، أو ساعات التدريب المتاحة، أو نسب المشرفين إلى الطلاب في كل كلية.
ولذلك، تبدو المطالبة بتدرج إغلاق الكليات غير المؤهلة، أو منع قبول المصريين فيها حتى تستوفي شروطها، طرحًا دفاعيًا عن المريض قبل أن يكون صراعًا على ملكية التعليم أو نفوذ الجامعات.
هيئات التدريس تُستنزف بلا حماية
وفي قلب الأزمة، يضع الدكتور نبيل الميقاتي، الأستاذ المتفرغ بطب القاهرة والعامل حاليًا في طب جامعة مانشستر، أزمة هيئة التدريس في المقدمة، معارضًا سياسة توسع لا تسبقها خطة لإبقاء الكفاءات داخل الجامعات.
فلا يمكن، وفقًا لطرحه، أن تُدار كلية طب بمعيدين ومدرسين موزعين بين عيادات خاصة، وإعارات، وإجازات بلا راتب؛ لأن الطالب يحتاج حضورًا أكاديميًا مستقرًا ومتابعة سريرية يومية، لا أسماء على جداول الاعتماد.
كما ينتقد الميقاتي استمرار الرواتب الهزيلة التي تدفع أطباء الجامعات إلى البحث عن دخل خارجها، ثم تُعامل هجرتهم بوصفها اختيارًا شخصيًا، رغم أن الدولة تترك بيئة العمل والتدريب تنهاران بلا حماية كافية.
وعندما يفقد القسم الأكاديمي أستاذه الأكثر خبرة، لا يخسر محاضرة فقط، بل يفقد القدرة على تصحيح الأداء داخل العنابر وغرف العمليات، وعلى نقل الحكم السريري الذي لا تمنحه الملفات الإلكترونية ولا المحاضرات المسجلة.
لذلك، يقتضي نقده لسياسات الحكومة ربط أي ترخيص جديد بحد أدنى معلن للتفرغ الأكاديمي، ورواتب قابلة للحياة، ونسب إشراف قابلة للمراجعة، حتى لا تتحول الكلية إلى مبنى يستأجر الخبرة ساعات محدودة.
وبالمثل، لا يكفي الاحتفاء بقدرة الأطباء المصريين على اجتياز اختبارات الخارج، لأن نجاحهم هناك يفضح فشلًا محليًا في الاحتفاظ بهم؛ فالكفاءة التي تدربت في مصر تصبح رصيدًا لخدمات صحية أخرى.
ومن ناحية أخرى، تُنتج الإعارات المتكررة فراغًا لا تملؤه التعاقدات الجزئية، خصوصًا في التخصصات الدقيقة، حيث يتعلم الطالب من تكرار الممارسة تحت عين الخبير، لا من المرور السريع على قسم مكتظ.
وعليه، فإن أي حديث رسمي عن مضاعفة المقاعد يظل ناقصًا ما لم يسبقه إعلان سنوي عن أعداد المدرسين المتفرغين، وحركة استقالاتهم، وحجم التدريب السريري المتاح، ومصادر تمويله، ومساءلة من يخل بهذه الالتزامات.
اعتماد موحد يوقف فوضى القبول
وفي مواجهة دعوات الإغلاق، يقدم الدكتور عاطف السهتاني، صاحب رؤية إصلاحية في التعليم الطبي، اعتراضًا مختلفًا على سياسة الحكومة: المشكلة ليست في صفة المالك، بل في غياب رقابة مستقلة تمنع أي كلية من تجاوز قدرتها التعليمية.
فبحسب السهتاني، لا تمنح اللافتة الحكومية خريجًا كفؤًا تلقائيًا، كما لا تجعل الملكية الخاصة التعليم رديئًا حتمًا؛ الفاصل الحقيقي هو اعتماد صارم، ومعايير قبول موحدة، ومختبرات ومشرفون ومستشفيات تكفي العدد المقيد.
وبدلًا من ترخيص الكليات ثم انتظار ظهور العيوب، يدعو إلى فحص الطاقة التدريبية قبل قبول أي طالب، وربط الزيادة السنوية ببيانات منشورة عن الأسرة، والعمليات، والعيادات، وعدد الساعات السريرية الفعلية لكل دفعة.
كذلك، يطالب السهتاني بأن تُقاس الكليات بنتائج طلابها في امتحانات موحدة، وبكفاءة التدريب الإكلينيكي، وتقييم جهات العمل ورضا المرضى، لأن التراخيص الورقية وحدها تسمح بتجميل الصورة بينما يظل العجز الحقيقي بعيدًا عن المحاسبة.
وفي هذا الإطار، يوضح الدكتور علاء عمر، الطبيب المهتم بمسارات القبول الطبي، أن النموذج الأمريكي لا يبدأ من الثانوية مباشرة، بل يفرض سنوات دراسة سابقة واختبار MCAT وخبرات ومقابلات قبل منح مقعد الطب.
ومن هنا، يضع عمر أمام سياسة القبول المتساهل سؤالًا محرجًا: لماذا يُطلب من الطالب في نظم أخرى إثبات نضجه الأكاديمي والإنساني مرارًا، بينما قد يُسمح محليًا بالعبور إلى الطب بمجموع متدنٍ وقدرة مالية مرتفعة؟
غير أن استدعاء النموذج الأمريكي لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير لغلاء التعليم، فتكلفته الباهظة تقابلها شروط قبول ومؤسسات تدريب وإجراءات مساءلة؛ أما نقل المصروفات وحدها، فيعني استيراد أسوأ ما في التجربة.
وأخيرًا، لا يحتمل إصلاح التعليم الطبي حلولًا تجميلية أو بيانات عامة؛ فإما أن تُراجع الحكومة سياسات القبول والترخيص والتمويل على أساس معلن، أو تستمر الجامعات في إنتاج أزمة يدفع ثمنها الطالب والطبيب والمريض معًا.

