د. عبد التواب بركات

كاتب مصري – أستاذ مساعد في مركز البحوث الزراعية بالقاهرة

 

تتكبد موازنات الدول العربية فاتورة باهظة في استيراد الأغذية بالعملة الأجنبية، وصلت في سنة 2020 إلى 100 مليار دولار، وفق تقرير قطاع الوحدة الاقتصادية بجامعة الدول العربية. وزادت في سنة 2021 إلى 110 مليارات دولار، ما يعادل 4% من الناتج العربي المحلي الإجمالي، وفق "تقرير الأمن الغذائي العربي: مخاطر ومسارات"، الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "إسكوا".

 

وفي سنة 2022، وصلت الفاتورة إلى 152 مليار دولار، بسبب ارتفاع أسعار الأغذية الناتج من الحرب الروسية الأوكرانية. وزادت في سنة 2023 إلى 154 مليار دولار. وهي أرقام ضخمة، لا يمكن تصديقها لولا أنها موثقة في التقرير الاقتصادي العربي الموحد، الصادر في سنة 2025 عن أربع مؤسسات دولية، هي الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وصندوق النقد العربي، ومنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول.

 

ويظل اعتماد الدول العربية على الواردات الغذائية في ارتفاع مستمر دون تدخل جاد، فهي تستورد 50% من السعرات الحرارية المستهلكة، وتستورد 63% من إجمالي القمح المستهلك في صناعة الخبز. وكل زيادة 1% في أسعار الغذاء العالمية، تكلف الموازنات العربية 1.5 مليار دولار. وفي أغسطس الماضي، سجل مؤشر منظمة الأغذية والزراعة ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 1.9% عن مستواه في يوليو ، وبنسبة 2.5% مقارنةً بالعام الماضي، ما يعني زيادة أعباء موازنة الاستيراد في نهاية هذا العام بقيمة 3.75 مليارات دولار. فالدول العربية، التي لا تمثل سوى 5% من سكان العالم، تستورد 25% من القمح المخصص لصناعة الخبز المتداول في السوق العالمية، و33% من لحوم الأغنام المتداولة عالميًا، وأكثر من 25% من منتجات الألبان المتوفرة في الأسواق العالمية، وفق تقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "إسكوا"، الصادر في سنة 2020. ويؤكد البنك الدولي أن الدول العربية تستورد أكثر من 50% من السعرات الحرارية المستهلكة.

 

تقصير ممنهج

 

لا يوجد خلاف على أن انعدام الأمن الغذائي المزمن في المنطقة العربية وغلاء أسعار السلع الغذائية، هما أخطر ما يؤرق الأسر العربية، ويرهق الموازنات العامة، ويهدد استقرار الأنظمة السياسية القابعة في كراسي السلطة. وفي أعقاب الثورات التي اندلعت في الدول العربية مطلع 2011، دار الجدل داخل دواوين الحكم ودهاليز الاستخبارات والمؤسسات الأكاديمية ومراكز الفكر العربية والغربية حول الأسباب الحقيقية لثورات الربيع العربي، هل كانت لأسباب اقتصادية أم ثورة جياع تطالب بالعيش الكريم وتوفير الخبز وتحسين جودته، أم لأسباب سياسية أم ثورة أحرار، تطالب بالإصلاح السياسي، المدخل للإصلاح الاقتصادي وتوفير العيش الكريم والحرية والعدالة الاجتماعية؟

 

وتشكل الإجماع على أن أزمة الغذاء وغلاء المعيشة هما ما دفع جماهير الطبقة الوسطى في كل الدول العربية، بلا استثناء وبأشكال مختلفة، إلى الثورة ورفع شعار "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية"، بعد أن صبرت عقودًا طويلة على الديكتاتورية والفساد وغياب الديمقراطية، على أمل أن توفر هذه الأنظمة لقمة عيش كريم. ورغم تكرار أزمات الخبز والثورات الشعبية في المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي، مرورًا بأزمة الغذاء العالمية في سنة 2008، وفي سنة 2010 التي امتدت لأكثر من أربع سنوات، وأزمة سلاسل إمداد الأغذية في سنة 2020 بسبب جائحة كورونا، لم تستشعر الحكومات العربية الخطر التاريخي، ولم تستثمر في مشاريع الاكتفاء الذاتي من الأغذية الاستراتيجية، أسوة بدول الوفرة الغذائية.

 

وفي سنة 2022، شهد العالم والمنطقة العربية أكبر صدمات الغذاء منذ الحرب العالمية الثانية، بسبب حرب روسيا في أوكرانيا، وتضاعفت أسعار القمح والخبز وزيوت الطعام واللحوم وغيرها من السلع الغذائية. وكانت درسًا لحكومات العالم لمراجعة سياساتها تجاه الأمن الغذائي والإنتاج المحلي. فلم تكن الحرب الروسية الأوكرانية مجرد صراع إقليمي، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لمفهوم الأمن الغذائي العالمي، إذ تُشكّل روسيا وأوكرانيا معًا نحو 30% من صادرات القمح العالمية. وعندما تعطلت هذه الصادرات، تحوّلت الفجوة على الفور إلى أزمة.

 

لم يكن التطور الأخطر هو ارتفاع الأسعار فحسب، بل إن قرار 32 دولة تعليق صادرات المواد الغذائية خلال ذروة الأزمة كان هو الأخطر على الأمن الغذائي العالمي عمومًا، والعربي خصوصًا.  فقررت الهند وقف صادرات القمح، وعلقت إندونيسيا صادرات زيت النخيل، ومنعت ماليزيا صادرات الدجاج، ومنعت الأرجنتين صادرات اللحوم. وكان من تبعات القرار توقف تداول 17% من إجمالي السعرات الحرارية المتداولة عالميًا في لحظة واحدة. وانكشف الخلل الجوهري في سياسات الاعتماد على الاستيراد لتحقيق الأمن الغذائي، فعقود الشراء، رغم تحصينها بالشروط الجزائية، لا تضمن توريد السلع عندما تقرر الدولة المصدرة حماية مواطنيها أولًا.

 

وفي مطلع هذا العام، 2026، ارتفعت أسعار الغذاء حول العالم وفي المنطقة العربية؛ وكانت هذه المرة بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. واكتشف العالم أن إغلاق مضيق هرمز كان سببًا لوقف صادرات 20% من منتجات الطاقة و30% من أسمدة اليوريا والكبريت. وكشفت تلك الحرب أن الحكومات العربية ما زالت تهمل إنتاج الأغذية الاستراتيجية محليًا، وتستورد 63.5% من احتياجاتها من القمح، و55% من احتياجاتها من الأرز، و77% من السكر، و65% من زيوت الطعام، و55% من الفول والعدس والبقوليات، و70% من الذرة، و74% من الشعير، وفق التقرير السنوي لأوضاع الأمن الغذائي العربي الصادر عن المنظمة العربية للتنمية الزراعية.

 

أولويات غائبة

 

من البديهي أن تزيد حكومات الدول العربية دعم مزارعيها لزيادة إنتاج القمح والحبوب الاستراتيجية الأخرى، زيادة تتناسب مع الزيادة السكانية والأزمات الغذائية، نظرًا لاعتماد السكان العرب على الحبوب والخبز في توفير احتياجاتهم الغذائية من السعرات الحرارية. لكن الواقع مخالف للمتوقع تمامًا. فقد شهد إنتاج الحبوب في الدول العربية انخفاضًا مستمرًا، من 57 مليون طن في عام 2019 إلى 49 مليون طن في عام 2022، نتيجةً لانخفاض الإنتاجية والمساحة المزروعة.

 

من منظور اقتصادي، أو ما يعرف بالفرصة وتكلفة الفرصة البديلة، إن استثمار الحكومات في مشروعات الاكتفاء من الأغذية الاستراتيجية محليًا وعربيًا بدعم المزارعين العرب، هو الفرصة الأصلية لتشغيل ملايين الشباب العربي العاطل من العمل في مشروعات الإنتاج الزراعي، والبحث العلمي والإرشاد الزراعي، والميكنة الزراعية، واستثمار القيمة المضافة في التصنيع الزراعي، والنقل، والتخزين، والتوزيع. ويكون تخطي هذه الفرصة إلى الاستيراد من الخارج بمليارات الدولارات هو تكلفة الفرصة البديلة، التي تصب في مصلحة المزارع الغربي، وتسبب عجز الموازنات العربية وزيادة فاتورة الاستيراد وبطالة الشباب وغلاء الأسعار ومعاناة الأسر وإفقار الشعوب.

 

ومن منظور الأمن القومي، إن تفريط الحكومات، غير الرشيدة، في سياسات الاكتفاء الذاتي من الأغذية، وتوقف مشروعات الاستثمار الزراعي والقطاعات الخادمة لها، والاعتماد على الاستيراد لتلبية الاحتياجات الغذائية هو تفريط في السيادة واستقلال القرار الوطني، وتقصير في مقتضيات الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي، وتكريس للتبعية والابتزاز الاقتصادي، ورهن القرار السياسي لدول السيادة الغذائية، وإهدار للمال العام على حساب الصحة والتعليم والإسكان.

 

إنتاجية الحبوب، أو متوسط الإنتاج لكل هكتار، في الدول العربية لا يزيد عـلى نصف نظيره على المستوى العالمي، ويرجع هـذا إلى عدم توفر الأسمدة الزراعية بالكمية الكافية، وضعـف الاستثمار في البحوث الزراعية المتعلقة بتكنولوجيا البذور عالية الإنتاج، والتي تتحمل الجفاف، حيـث يقدر الإنفاق المخصص للبحوث بين 0.2 - 0.4% من قيمـة الإنتاج الزراعي، مقارنة بـ2.8% في البلدان المتقدمة زراعيًا، و1.7% في البرازيل، والتي تعد نموذجًا يحتذى في الاستثمار الزراعي.

 

الدول العربية التي تعاني أزمة غذائية طاحنة ومزمنة، لا تدعم المزارعين العرب، ولا تستهدف الاكتفاء الذاتي من الأغذية الإستراتيجية. في المقابل، تدفع الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، البالغ عددهم 54 عضوًا، 851 مليار دولار إعانات للمزارعين كل عام منذ سنة 2020، وبزيادة 250%، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقدين من الزمان، من أجل هدف واحد فقط، هو تحقيق الأمن الغذائي من خلال الاكتفاء الذاتي.