كشفت وزارة المالية المصرية عن خفض مخصصات مكافآت المعلمين بنسبة 8.15% ضمن موازنة العام المالي 2026/2027، بما أدى إلى تراجع عدد من بنود الحوافز، رغم إعلان الحكومة أن الموازنة تتضمن أكبر زيادة للأجور في تاريخها.

 

ويعكس القرار اتجاها يفاقم الضغوط على المعلمين، إذ تتراجع مستحقاتهم الفعلية بينما ترتفع مخصصات فئات إدارية واستشارية، في مشهد يثير تساؤلات حول أولويات الإنفاق العام ومستقبل العملية التعليمية وجودة الخدمة المقدمة للطلاب.

 

وبحسب بيانات الموازنة، انخفض إجمالي مكافآت التدريس والامتحانات وأعمال التصحيح وحضور اللجان وغيرها بقيمة 5.184 مليار جنيه، لتسجل 58.34 مليار جنيه خلال العام المالي الجديد مقارنة بالعام السابق.

 

وفي المقابل، أعلنت الحكومة أن مخصصات الأجور وتعويضات العاملين تجاوزت 820 مليار جنيه، مؤكدة أن الموازنة تستهدف تحسين أوضاع العاملين بالتعليم، رغم تراجع عدد من البنود المرتبطة مباشرة بدخول المعلمين.

 

ومن ناحية أخرى، خفضت الموازنة مخصصات التعويضات عن الجهود غير العادية إلى 17.925 مليار جنيه، مقارنة بنحو 23.335 مليار جنيه في العام السابق، بانخفاض بلغ 5.41 مليار جنيه دفعة واحدة.

 

وفوق ذلك، تراجع حافز الإثابة بقيمة 261 مليون جنيه، ليسجل 4.091 مليار جنيه، بعدما بلغ 4.352 مليار جنيه في الموازنة السابقة، وهو ما يقلص أحد أهم المكونات المرتبطة بالأداء الوظيفي للمعلمين.

 

وفي هذا السياق، انخفضت كذلك مخصصات حوافز أداء المعلمين بنسبة 7.48%، بعدما تراجعت من 10.16 مليار جنيه إلى 9.4 مليار جنيه، بفارق يقترب من 760 مليون جنيه خلال عام واحد.

 

وعلى الرغم من إعلان الحكومة تحسين هيكل الأجور، فإن خفض الحوافز والمكافآت يقلل الأثر الفعلي لأي زيادات اسمية، لأن هذه البنود تمثل جزءا أساسيا من الدخل الشهري للعاملين في قطاع التعليم.

 

ولهذا، يرى معلمون أن الأرقام المنشورة تعكس تناقضا بين الخطاب الرسمي والواقع المالي، إذ تتحدث الحكومة عن دعم التعليم، بينما تتراجع مخصصات ترتبط مباشرة بمن يقفون داخل الفصول يوميا.

 

أجور ترتفع وحوافز تهبط

 

يرى كمال مغيث، الخبير التربوي والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية سابقا، أن تحسين جودة التعليم يبدأ بتحسين أوضاع المعلم المادية والمهنية، لأن تراجع الحوافز ينعكس مباشرة على بيئة التعليم والاستقرار الوظيفي.

 

وبناء على ذلك، فإن تقليص المكافآت يضعف الحافز على بذل جهد إضافي في التدريس أو أعمال الامتحانات، خاصة مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القوة الشرائية للمرتبات خلال الأعوام الأخيرة.

 

كما أن انخفاض مخصصات أعمال التصحيح بقيمة 15.6 مليون جنيه، لتسجل 453.1 مليون جنيه، يثير تساؤلات حول تقدير الجهد الذي يبذله المعلمون خلال مواسم الامتحانات والكنترولات سنويا.

 

ومن ثم، فإن تقليص هذه البنود قد يدفع أعدادا أكبر من المعلمين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، وهو ما ينعكس في النهاية على الوقت المتاح للعملية التعليمية داخل المدارس الحكومية.

 

علاوة على ذلك، أبقت الحكومة مخصصات مكافآت محو الأمية عند 200 ألف جنيه للعام الثاني، وهو رقم يراه متخصصون محدودا مقارنة بحجم التحديات المرتبطة بمعدلات الأمية في البلاد.

 

ومع ذلك، رفعت الموازنة بعض البنود، إذ زادت مكافآت التدريس من 5.7 مليار جنيه إلى 7.8 مليار جنيه، كما ارتفعت مخصصات الإشراف على الرسائل العلمية إلى 1.11 مليار جنيه.

 

وفي الوقت نفسه، ارتفعت مكافآت حضور الجلسات واللجان إلى 491.6 مليون جنيه، مقابل 457.2 مليون جنيه، كما زادت مكافآت التدريب بنسبة 23.74% لتصل إلى 216.3 مليون جنيه.

 

لذلك، يطرح توزيع الزيادات والتخفيضات تساؤلات حول فلسفة إعداد الموازنة، ولماذا تتراجع بنود تمس غالبية المعلمين، بينما ترتفع مخصصات أخرى يستفيد منها عدد أقل من العاملين.

 

أولويات الإنفاق التعليمي

 

يؤكد حسن شحاتة، أستاذ المناهج بجامعة عين شمس، أن أي إصلاح تعليمي حقيقي يحتاج إلى توفير حوافز مستقرة للمعلمين، باعتبارهم العنصر الأكثر تأثيرا في جودة العملية التعليمية ونتائجها.

 

وبالمثل، فإن تراجع الحوافز يضعف قدرة المدارس على الاحتفاظ بالكوادر المؤهلة، خاصة مع اتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة، وارتفاع الضغوط الاقتصادية على العاملين بالتعليم الحكومي.

 

في المقابل، تؤكد الحكومة أن الموازنة الجديدة توازن بين تحسين الأجور والانضباط المالي، وأن إعادة توزيع المخصصات تستهدف رفع كفاءة الإنفاق العام وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة.

 

وعليه، يبقى الحكم النهائي مرتبطا بالأثر الذي سيشعر به المعلم داخل المدرسة، لا بحجم الاعتمادات الإجمالية المعلنة، لأن الدخل الحقيقي يقاس بما يصل إلى الموظف فعليا نهاية كل شهر.

 

الاستثمار في المعلم

 

يشدد طارق شوقي، وزير التربية والتعليم الأسبق، في أكثر من مناسبة على أن تطوير التعليم يرتبط بالاستثمار في المعلم وتأهيله وتحسين بيئة عمله، باعتباره الركيزة الأساسية لأي إصلاح مستدام.

 

وفي ضوء ذلك، فإن استمرار تقليص بعض الحوافز قد يضعف الرسائل التي تعلنها الدولة بشأن دعم التعليم، خصوصا إذا شعر المعلم بأن دخله الفعلي يتراجع رغم الأرقام الكبيرة الواردة بالموازنة.

 

كذلك، لا يقتصر أثر هذه القرارات على العاملين وحدهم، بل يمتد إلى الطلاب وأولياء الأمور، لأن استقرار المعلم ماديا ووظيفيا يمثل أحد أهم عوامل تحسين جودة التعليم داخل المدارس الحكومية.

 

وأخيرا، تكشف موازنة 2026/2027 مفارقة واضحة بين الإعلان عن أكبر مخصصات للأجور في تاريخ الدولة، وبين خفض عدد من أهم المكافآت والحوافز المرتبطة بالمعلمين، بما يفتح بابا واسعا للنقاش حول أولويات الإنفاق التعليمي.