واصل مئات عمال شركة إيماك لتصنيع الورق والكرتون اعتصامهم السلمي المفتوح داخل مصنع العين السخنة بمحافظة السويس، مطالبين بتطبيق الحد الأدنى للأجور وصرف المستحقات وتحسين بيئة العمل، بعدما رفضت الإدارة التفاوض قبل إنهاء الاحتجاج.

 

سياسياً وإنسانياً، تكشف الأزمة كيف تحمي الدولة استثمارات بمئات الملايين بينما يطالب العامل بمياه صالحة للشرب وملابس واقية وأجر قانوني، في مشهد يفضح اختلال ميزان القوة بين رأس المال وحقوق العمال.

 

وبالتالي، لم يعد الاعتصام خلافاً محدوداً حول زيادة مالية، بل تحول إلى مواجهة بشأن حق العمال في حياة كريمة وبيئة آمنة، بعد سنوات من الخدمة لم تنعكس على أجورهم أو أوضاعهم الوظيفية.

 

كما أن مطالب العمال تشمل رفع الرواتب الأساسية التي تتراوح حالياً بين 4500 و8500 جنيه، رغم أن خدمة بعضهم تجاوزت 10 سنوات داخل المصنع، من دون وصول أجورهم إلى مستوى يتناسب مع الغلاء.

 

ومن جهة أخرى، يطالب المعتصمون بتطبيق الحد الأدنى للأجور بصورة فعلية على الراتب الأساسي، وليس عبر ضم البدلات والحوافز المتغيرة، بما يضمن حماية دخل العامل وحقوقه التأمينية عند التقاعد أو الإصابة.

 

أجور تدهس الكرامة

 

في البداية، طالب العمال بصرف كامل حصة الأرباح السنوية المتبقية عن عام 2022، مؤكدين أن تأخيرها لسنوات يمثل حرماناً من مستحقات ترتبط مباشرة بإنتاجهم ومساهمتهم في أرباح المصنع.

 

وفي المقابل، توقفت الإدارة عن سداد مقابل ساعات العمل الإضافية منذ عدة أشهر، رغم استمرار تشغيل العمال لساعات تتجاوز المواعيد الأساسية، ما أدى إلى تراكم مستحقات مالية وزيادة الشعور بالظلم داخل المصنع.

 

علاوة على ذلك، طالب العمال برفع بدل الوجبة اليومية من 30 إلى 100 جنيه، معتبرين أن القيمة الحالية لم تعد تكفي لتوفير وجبة مناسبة خلال ورديات العمل الطويلة في منطقة صناعية بعيدة.

 

وفوق ذلك، دعا المعتصمون إلى رفع بدل الوردية إلى 60 جنيهاً، في ظل طبيعة التشغيل المستمر وتغير مواعيد العمل، وما يترتب على ذلك من أعباء صحية وأسرية ومصاريف انتقال إضافية.

 

إلى جانب ذلك، يطالب العمال برفع بدل المخاطر إلى 1000 جنيه شهرياً، بالنظر إلى طبيعة صناعة الورق والكرتون وما تتضمنه من آلات وحرارة وضوضاء ومواد قد تهدد سلامة العاملين.

 

ومن ثم، لا تبدو المطالب مبالغاً فيها مقارنة بحجم المخاطر والإنتاج، بل تعكس محاولة لتعويض العمال عن ظروف قاسية، بينما تحافظ الشركة على نشاط صناعي واسع واستثمارات كبيرة داخل السوق المصرية.

 

غير أن الإدارة لم تقدم حتى الآن عرضاً شاملاً يعالج الأجور والمستحقات، واختارت ربط بدء التفاوض بفض الاعتصام، وهو شرط اعتبره العمال محاولة لسحب أهم وسيلة ضغط سلمية يملكونها.

 

بيئة تفتقر للأمان

 

من ناحية ثانية، طالب العمال بتوفير مياه صالحة للشرب بدلاً من المياه المحلاة المستخدمة في العمليات الصناعية، مؤكدين أن الحصول على مياه آمنة داخل مكان العمل حق أساسي لا يجوز إخضاعه للمساومة.

 

وفي هذا السياق، يكشف مطلب المياه حجم التدهور الخدمي داخل منشأة صناعية ضخمة، إذ يضطر العمال إلى المطالبة بأبسط الاحتياجات الإنسانية، رغم وجودهم لساعات طويلة داخل بيئة إنتاجية مرتفعة المخاطر.

 

كذلك، أشار العاملون إلى توقف صرف الملابس ومهمات الأمن الصناعي منذ 5 سنوات، ما يثير مخاوف بشأن مدى التزام الإدارة باشتراطات السلامة المهنية وحماية العمال من الحوادث والإصابات المحتملة.

 

أما استمرار العمل دون مهمات حماية كافية، فيعني أن العامل يتحمل الخطر بجسده بينما تحصل الشركة على عائد الإنتاج، وهو وضع يناقض أبسط قواعد العدالة والمسؤولية داخل المنشآت الصناعية.

 

بناء على ذلك، طالب العمال بتمكينهم من الاطلاع على اللائحة الداخلية المنظمة للمصنع، حتى يتمكنوا من مراجعة بنود الأجور والجزاءات والإجازات والتأكد من توافقها مع قانون العمل.

 

فضلاً عن ذلك، رفضت الإدارة إتاحة اللائحة للعاملين، بحسب روايتهم، ما عزز الشكوك حول الإجراءات المطبقة داخل المصنع، ودفع العمال إلى التمسك بمطلب الشفافية باعتباره جزءاً من حقوقهم القانونية.

 

وفي الوقت نفسه، يتمسك المعتصمون بالطابع السلمي لتحركهم، مؤكدين أن استمرارهم داخل ساحة المصنع يستهدف الضغط من أجل فتح تفاوض جاد، وليس تعطيل المنشأة أو الإضرار بالمعدات والإنتاج.

 

وعليه، فإن اشتراط إنهاء الاعتصام قبل التفاوض يضع العمال أمام معادلة غير متكافئة، إذ يطلب منهم التخلي عن وسيلة الضغط الوحيدة قبل الحصول على ضمانات مكتوبة لتنفيذ أي مطلب.

 

إدارة تواجه العمال

 

نتيجة لذلك، اتهم العمال الإدارة بمحاولة شق صفهم عبر صرف بعض البدلات والمستحقات لنحو 15 عاملاً من غير المشاركين في الاعتصام، بينما استمرت في حجبها عن بقية العاملين المحتجين.

 

ومن ناحية أخرى، اعتبر المعتصمون الإجراء الانتقائي رسالة تهدف إلى معاقبة المشاركين ومكافأة الممتنعين، بما يحول الحقوق المالية إلى أداة ضغط بدلاً من صرفها وفق قواعد موحدة تشمل الجميع.

 

مع ذلك، دخلت مديرية العمل بمحافظة السويس على خط الأزمة، وأجرت زيارة ميدانية للمصنع، حيث استمع المفتشون إلى مطالب العمال ونقلوها إلى الإدارة تمهيداً لفحص المخالفات والشكاوى المقدمة.

 

وفي ضوء ذلك، انتهت المعاينة بتحرير محضر رسمي ضد الشركة لإثبات التجاوزات الواردة في شكاوى العاملين، وهي خطوة تعزز موقف العمال لكنها لا تمثل حلاً ما لم تتبعها قرارات ملزمة.

 

لهذا، ينتظر المعتصمون تحركاً سريعاً من وزارة العمل يضمن فتح التفاوض وحماية المشاركين من الفصل أو العقوبات، مع إلزام الإدارة بصرف المستحقات وتطبيق قواعد السلامة والأجور القانونية.

 

إضافة إلى ذلك، تعيد الأزمة إلى الأذهان اعتصام عمال المصنع عام 2012، حين أغلقوا الأبواب واحتجزوا 6 مديرين بعد مرور عام من عدم تنفيذ مطالبهم المالية والوظيفية.

 

وفي نهاية المطاف، يثبت تكرار الاحتجاج بعد أكثر من عقد أن المشكلات لم تعالج جذرياً، وأن إدارة الأزمات عبر الوعود المؤقتة لا تمنع عودتها عندما تستمر الأسباب نفسها من أجور متدنية وحقوق مؤجلة.

 

أخيراً، تأسس المصنع باستثمارات بدأت بنحو 700 مليون دولار، وتوسعت المجموعة في قطاع الورق، لكن ضخامة رأس المال لا تكتمل قيمتها دون عدالة تحمي العمال الذين يشغلون خطوط الإنتاج ويصنعون الأرباح.