كشفت بيانات الموازنة العامة في مصر تخصيص 7 مليارات جنيه فقط للبحث العلمي من إجمالي 135 ملياراً للتعليم العالي في مصر، بما يهدد تمويل المؤتمرات الدولية ويعزل الباحثين عن دوائر المعرفة والتعاون العالمي.
سياسياً وإنسانياً، تكشف الأزمة دولة تنفق الجزء الأكبر من مخصصات الجامعات على الرواتب والإدارة، ثم تطالب الباحث المصري بمنافسة العالم من جيبه الخاص، وكأن العلم رفاهية لا أساساً للاستقلال والتنمية.
وبالتالي، لم يعد غياب الباحثين عن المؤتمرات الدولية مسألة شخصية أو أكاديمية محدودة، بل أصبح خسارة مؤسسية تحرم الجامعات من الشراكات الجديدة وتبادل الخبرات والاطلاع المباشر على أحدث المناهج والنتائج.
كما أن الطفرة التي حققتها الجامعات المصرية في النشر الدولي خلال السنوات الأخيرة تواجه خطراً حقيقياً، لأن نشر الأوراق وحده لا يكفي من دون حضور الفعاليات العلمية وبناء شبكات تعاون مستمرة.
ومن جهة أخرى، يستهلك بند الأجور والرواتب والمصروفات الإدارية قرابة 80% من مخصصات الجامعات والمراكز البحثية، تاركاً حصة محدودة للمعامل والمشروعات والسفر والبعثات والأنشطة العلمية الخارجية.
ميزانية تبتلعها الإدارة
في المقابل، أصبح تمويل تذاكر السفر ورسوم الاشتراك والإقامة أول البنود التي يجري تقليصها عند تطبيق خطط التقشف، رغم أن هذه النفقات تمثل مدخلاً أساسياً لعرض الأبحاث وتطوير قدرات الباحثين.
علاوة على ذلك، باتت المبالغ التي توافق الجامعات على صرفها محدودة إلى درجة لا تغطي أحياناً ربع التكلفة الفعلية، ما يدفع الباحث إلى الاعتذار عن المشاركة بعد قبول بحثه في مؤتمر دولي.
وفوق ذلك، ارتفعت رسوم الاشتراك في الفعاليات العلمية مع تراجع قيمة الجنيه، وأصبحت المبالغ المطلوبة بالدولار أو اليورو تتجاوز دخول معظم الأساتذة، حتى مع مساهمتهم الشخصية في تغطية بعض النفقات.
إلى جانب ذلك، تواجه إدارات الجامعات صعوبات في تدبير النقد الأجنبي اللازم للسفر، بينما تتحول الموافقات المالية والإدارية إلى رحلة طويلة قد تنتهي بعد انتهاء موعد التسجيل أو انعقاد المؤتمر.
ومن ثم، يجد الباحث نفسه أمام خيارين قاسيين، إما تحمل تكلفة قد تساوي دخله لعدة أشهر، أو التخلي عن فرصة علمية كان يمكن أن تفتح أمامه أبواب التعاون والتمويل والتطوير.
غير أن الأزمة لا تتوقف عند خسارة مؤتمر واحد، لأن غياب الحضور المصري المتكرر يضعف مكانة الجامعات في الشبكات العلمية، ويقلل فرص المشاركة في المشروعات الدولية والمنح البحثية متعددة الأطراف.
وبالمثل، تتأثر قدرة الباحثين الشباب بصورة أكبر، لأنهم لا يمتلكون مدخرات أو علاقات تمويلية، بينما يحتاجون في بداية مسيرتهم إلى عرض أعمالهم والتعرف إلى المدارس البحثية والمؤسسات المتقدمة.
باحثون خلف الجدار وفي مهب الهجرة
من ناحية ثانية، يؤدي انقطاع الباحث المحلي عن المؤتمرات إلى تأخر وصوله للاتجاهات الحديثة، لأن كثيراً من الأفكار والشراكات العلمية تبدأ خلال النقاشات المباشرة قبل أن تتحول إلى أبحاث منشورة أو برامج ممولة.
وفي هذا السياق، تصبح زيادة عدد الأبحاث المنشورة مؤشراً منقوصاً إذا لم يصاحبها تمويل يسمح للباحثين بالمناقشة والتواصل والتعاون، بدلاً من الاكتفاء بإرسال الأوراق إلى دوريات خارجية من داخل مكاتبهم.
كذلك، يهدد ضعف التمويل مجالات ترتبط مباشرة بالأمن القومي، مثل الصحة والدواء والزراعة والطاقة والتكنولوجيا، لأن تطوير هذه القطاعات يحتاج إلى باحثين قادرين على متابعة التحولات العلمية المتسارعة عالمياً.
أما الدول التي تستثمر في المعرفة، فإنها لا تنظر إلى سفر الباحث باعتباره نزهة أو مكافأة، بل تعتبره جزءاً من بناء القدرات الوطنية وجذب التكنولوجيا وتحويل الجامعات إلى مراكز إنتاج وابتكار.
بناء على ذلك، فإن تقليص مخصصات المؤتمرات قد يوفر مبالغ محدودة للموازنة، لكنه يؤدي على المدى الطويل إلى خسائر أكبر، تشمل تراجع الابتكار وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة وضعف القدرة التنافسية.
فضلاً عن ذلك، يدفع غياب الدعم بعض الباحثين إلى البحث عن فرص خارج مصر في جامعات توفر التمويل والمعامل والسفر، ما يفاقم نزيف العقول ويهدر ما أنفقته الدولة على تعليمهم وتأهيلهم.
وفي الوقت نفسه، تظل المؤسسات الخاصة والبنوك والشركات بعيدة بدرجة كبيرة عن تمويل البحث العلمي، رغم إنفاقها مبالغ واسعة على الرعاية الرياضية والإعلانية والفعاليات التي تحقق انتشاراً تجارياً سريعاً.
وعليه، تبدو العلاقة بين الجامعات وقطاع الأعمال محدودة، إذ لا توجد منظومة واسعة تربط احتياجات الصناعة بالأبحاث التطبيقية، أو تمنح الشركات حوافز حقيقية لتمويل الباحثين والمؤتمرات والابتكارات القابلة للتنفيذ.
المعرفة قضية دولة
نتيجة لذلك، أكد عضو مجلس النواب حسين غيته أن البحث العلمي لم يعد ترفاً أكاديمياً، بل قضية أمن قومي وتنمية اقتصادية، لأن الدول المنتجة للمعرفة تسيطر على الصناعة والتكنولوجيا والدواء.
ومن ناحية أخرى، حذر من أن استمرار ضعف المخصصات سيؤثر مباشرة في جودة التعليم الجامعي وقدرة الباحثين على المنافسة، كما سيبقي الاقتصاد المصري تابعاً لما تنتجه وتطوره الدول الأخرى.
مع ذلك، تواصل الحكومة تقديم أرقام النشر والتصنيفات الجامعية بوصفها دليلاً على التقدم، بينما تتجاهل العقبات اليومية التي تواجه الباحث عند محاولة شراء مادة علمية أو تشغيل معمل أو حضور مؤتمر.
وفي ضوء ذلك، طالب النائب بإعلان خطة عاجلة لزيادة مخصصات البحث العلمي، بما يضمن تمويل الأبحاث ومشاركة أعضاء هيئة التدريس والباحثين في المحافل الدولية وفق قواعد معلنة وعادلة.
لهذا، تبرز الحاجة إلى إنشاء صندوق وطني دائم لتمويل سفر الباحثين بعد قبول أبحاثهم، على أن يعتمد الاختيار على جودة البحث وأهمية المؤتمر، بعيداً عن العلاقات الشخصية والقرارات الإدارية المتفاوتة.
إضافة إلى ذلك، يمكن إطلاق شراكة وطنية مع القطاع الخاص لتبني الأبحاث التطبيقية، ومنح الشركات والبنوك حوافز مقابل تمويل الابتكارات العلمية والمشاركة في تأسيس المعامل ومراكز التطوير داخل الجامعات.
أخيراً، لن تستطيع مصر بناء اقتصاد قائم على المعرفة بباحث معزول وجامعة عاجزة عن تمويل تذكرة سفر، لأن النهضة العلمية تحتاج إلى موازنة حقيقية وإدارة رشيدة وإيمان بأن الاستثمار في العقول ليس إنفاقاً زائداً.

