عاد الحكم الدولي أمين عمر إلى القاهرة بعد مشاركة مصرية بارزة في كأس العالم 2026 وإدارته مباراتين في البطولة، لكنه لم يجد في استقباله مسؤولًا رياضيًا أو ممثلًا عن اتحاد الكرة أو وزارة الشباب والرياضة، بينما تولى والداه وحدهما مهمة الاحتفاء به، في مشهد فجّر موجة غضب وانتقادات واسعة للإعلام والمؤسسات الرياضية التي تجاهلت إنجازًا مصريًا كان يستحق التقدير.

 

 

والد يقترب من الثمانين يحمل الورود.. والمؤسسات الرياضية غائبة

 

تحولت صور استقبال الحكم الدولي أمين عمر في مطار القاهرة إلى مشهد إنساني مؤثر، لكنه حمل في الوقت نفسه إدانة قاسية للمؤسسات الرياضية والإعلامية المصرية. فبينما عاد الحكم من أكبر بطولة كروية في العالم، لم يكن في انتظاره سوى والده ووالدته، يحملان الورود ولافتة عليها صورته، في محاولة بسيطة لتقديم التكريم الذي غابت عنه الجهات المسؤولة.

 

ونشر محمد عمر، والد الحكم الدولي، صورة تجمعه بنجله داخل المطار، وعلق عليها بعبارة مختصرة لكنها شديدة الدلالة: «تحيا مصر.. رغم النكران». ولم تكن الرسالة بحاجة إلى مزيد من الشرح، إذ عكست شعور الأسرة بأن ما قدمه أمين عمر لم يحظَ بالاهتمام الذي يليق به، رغم أنه مثّل التحكيم المصري في بطولة يتابعها العالم بأكمله.

 

 

وكتبت الناشطة المعروفة باسم «اموول» أن أمين عمر عاد إلى مصر بعد أداء مشرف لحكم مصري في كأس العالم، لكن والده كان الوحيد الذي استقبله، في غياب تام للإعلام والمسؤولين. واعتبرت أن فرحة الأب بابنه ودعمه له كانت أفضل من أي تكريم رسمي، لكنها كشفت في الوقت نفسه حجم التجاهل الذي تعرض له الحكم بعد عودته.

 

المشهد لم يكن مجرد لحظة عائلية عابرة، بل كشف خللًا متكررًا في طريقة تعامل المؤسسات مع أصحاب الإنجازات الحقيقية. ففي الوقت الذي تُفتح فيه قاعات كبار الزوار وتُجهز الكاميرات لاستقبال بعض اللاعبين والمشاهير، عاد حكم مصري من المونديال دون أن يجد مسؤولًا واحدًا يمد يده إليه أو يقول له: شكرًا لأنك مثّلت مصر.

 

 

وعلقت شيرين محمد على الواقعة مؤكدة أن الأب سيظل أكثر من يحب ابنه ويفرح بنجاحه ويدعمه، مشيرة إلى أن والد أمين عمر ذهب بنفسه لاستقباله بالورود، فخرًا بمشاركته في كأس العالم. غير أن جمال المشهد الإنساني لا يحجب قسوة السؤال: أين كان اتحاد الكرة؟ وأين مسؤولو وزارة الشباب والرياضة؟ وأين الإعلام الرياضي الذي يطارد أخبارًا هامشية بالساعات؟

 

 

مشاركة مصرية لافتة في المونديال يقابلها صمت إعلامي ورسمي

 

شهدت كأس العالم 2026 وجود طاقم تحكيم مصري كامل ضم أمين عمر حكمًا للساحة، ومحمود أبو الرجال وأحمد حسام طه حكمين مساعدين، إضافة إلى محمود عاشور ضمن حكام تقنية الفيديو المساعد. وهي مشاركة كان يفترض أن تحظى بتغطية واسعة، باعتبارها شهادة على حضور التحكيم المصري في أهم مسابقة كروية دولية.

 

وأدار أمين عمر مباراتي الأرجنتين والنمسا في دور المجموعات، وكوريا الجنوبية والتشيك، التي انتهت بفوز المنتخب الكوري بهدفين مقابل هدف. ومجرد اختيار حكم مصري لإدارة مباراتين في المونديال يمثل نجاحًا مهنيًا لا يتحقق بالمجاملات أو الضجيج الإعلامي، بل عبر سنوات من العمل والاختبارات والتقييمات الدولية الصارمة.

 

 

وكتب حساب يحمل اسم «صلاح» أن أمين عمر قدم أداءً عظيمًا في المونديال، وأن والديه توجها لاستقباله بعد غياب أي احتفال جماهيري أو رسمي. وأضاف، بحسب ما نشره، أن الحكم المصري صُنّف ضمن أفضل عشرة حكام في البطولة وحصل على إشادة كبيرة من الاتحاد الدولي لكرة القدم، وهي معلومات وردت في المنشور ولم يصدر ضمن المادة المتاحة توثيق رسمي مستقل لها.

 

وأشار المنشور كذلك إلى أن والد أمين عمر يقترب من سن الثمانين، وربما يعاني مشقة الحركة، لكنه أصر على الذهاب إلى المطار والاحتفال بابنه. وهنا تصبح الصورة أكثر إحراجًا: أب مسن يتحمل عناء الوصول إلى المطار كي يؤدي الدور الذي تهربت منه مؤسسات تملك الموظفين والميزانيات والسيارات والمكاتب الإعلامية.

 

ولم يقتصر الحضور المصري على أمين عمر، إذ سجل محمود عاشور مشاركة واسعة في البطولة، وظهر خلال ثماني مباريات بصفته حكم فيديو وحكم فيديو مساعد «VAR وAVAR»، وفق ما أورده متابعون. ومع ذلك، لم يحظَ هو الآخر بالاهتمام الإعلامي المتناسب مع حجم مشاركته، وكأن النجاح لا يلفت الأنظار ما لم يكن مرتبطًا بلاعب مشهور أو نادٍ جماهيري.

 

إن تجاهل هذه المشاركة لا يمكن تبريره بزحام الأحداث أو ضعف الإمكانات. فالإعلام الرياضي المصري يخصص ساعات لمشاجرات الاستوديوهات، وصفقات لم تكتمل، وتصريحات مكررة، وخلافات مواقع التواصل، لكنه لم يجد دقائق كافية للاحتفاء بحكام رفعوا اسم مصر في المونديال وظهروا أمام مئات الملايين.

 

 

وزارة الرياضة واتحاد الكرة أمام سؤال النكران: لمن تُقام حفلات التكريم؟

 

طرح سعيد المغربي تساؤلًا مباشرًا عن غياب الإعلام المصري عن استقبال أمين عمر ومحمود عاشور، مطالبًا بتكريم رسمي من وزارة الشباب والرياضة، ومتسائلًا عما إذا كانت حفلات التكريم أصبحت مخصصة للاعبي المنتخب فقط. وهو سؤال مشروع يكشف انتقائية واضحة في توزيع الاهتمام والتقدير.

 

 

لا يحتاج تكريم أمين عمر وزملائه إلى مهرجان ضخم أو ميزانية استثنائية. كان يكفي وجود ممثل عن اتحاد الكرة أو وزارة الرياضة في المطار، مع بيان رسمي محترم وتغطية إعلامية تشرح للجمهور قيمة المشاركة المصرية. لكن حتى هذا الحد الأدنى غاب، ليجد الأب نفسه يحمل الورود واللافتة، بينما حملت صورته وحدها كل معاني الاعتزاز والعتاب.

 

المفارقة أن الجهات الرياضية لا تتوقف عن الحديث عن دعم الكفاءات المصرية وتشجيع النماذج الناجحة، لكنها عند لحظة الاختبار تختفي. وحين يعود شخص حقق حضورًا دوليًا حقيقيًا، يُترك لوالديه وبعض المتابعين على مواقع التواصل كي يدافعوا عن حقه في التقدير، بينما تنشغل المنظومة بتلميع أسماء أخرى لم تقدم إنجازًا مماثلًا.

 

هذا التجاهل لا يظلم أمين عمر وحده، بل يبعث برسالة محبطة إلى كل حكم ومدرب ورياضي يعمل بعيدًا عن أضواء النجومية: النجاح وحده لا يكفي للحصول على الاعتراف، وأن الاهتمام قد تحكمه الشعبية والعلاقات والضجيج أكثر مما تحكمه الكفاءة والإنجاز.

 

عبارة والد أمين عمر، «تحيا مصر.. رغم النكران»، اختصرت المشهد كله. إنها ليست هجومًا على الوطن، بل عتاب موجع لمن يحتكرون الحديث باسمه ثم يتجاهلون أبناءه عندما ينجحون. فمصر حضرت في المونديال عبر حكامها، لكن مؤسساتها غابت عن المطار عندما عادوا.

 

ويبقى الأب في الصورة بوصفه صاحب التكريم الحقيقي: رجل اقترب من الثمانين، حمل الورود وذهب ليستقبل ابنه، بينما بقيت المقاعد الرسمية فارغة. أما وزارة الرياضة واتحاد الكرة والإعلام، فعليهم الإجابة بوضوح: إذا لم يكن تمثيل مصر في كأس العالم يستحق الاحتفاء، فما الإنجاز الذي يستحقه؟