بينما تواصل إسرائيل اعتداءاتها على جنوب لبنان رغم التحركات السياسية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، تكشف الأرقام الرسمية عن كارثة زراعية وبيئية تتسع يوماً بعد آخر، بعدما تضرر أكثر من خُمس الأراضي الزراعية اللبنانية، وارتفعت قيمة الخسائر إلى ما يتجاوز مليار دولار. وفي قلب محافظة النبطية، إحدى أكثر المناطق تضرراً، أجرى وزير الزراعة اللبناني نزار هاني جولة ميدانية لتفقد المؤسسات الرسمية والبلديات والحقول والمنشآت الزراعية التي طالتها الغارات والقصف الإسرائيلي.

 

تأتي الجولة في ظل تطورات أمنية متسارعة شهدها الجنوب خلال الساعات الأخيرة، إذ أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بمقتل شاب إثر استهداف مسيّرة إسرائيلية دراجة نارية في منطقة كفررمان بقضاء النبطية، إلى جانب وقوع إصابات في غارات أخرى، في أحدث خرق للترتيبات المعلنة لخفض التصعيد. كما سبقت ذلك بأيام غارة قرب مستشفى في النبطية الفوقا أسفرت عن مقتل شخصين، ما يؤكد أن النشاط العسكري الإسرائيلي لا يزال يشكل خطراً مباشراً على المدنيين والمزارعين وعمليات إعادة الإعمار.

 

 

56 ألف هكتار منكوبة

 

استهل هاني جولته بزيارة دائرة مصلحة الزراعة في النبطية، حيث استمع إلى عرض حول الصعوبات التي يواجهها المزارعون، بدءاً من فقدان المحاصيل وتعذر الوصول إلى الأراضي، مروراً بتدمير شبكات الري والآبار والمنشآت الإنتاجية، وصولاً إلى نقص العمالة الزراعية وارتفاع تكاليف استعادة النشاط.

 

وأكد الوزير أن الدمار الإسرائيلي لم يقتصر على المنازل والممتلكات الخاصة، بل امتد إلى مؤسسات ومبانٍ رسمية، من بينها السرايا الحكومية ومبنى مصرف لبنان، في مؤشر على اتساع نطاق الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المدنية والإدارية في المحافظة.

 

وبحسب الأرقام التي عرضها هاني، تضرر نحو 22.5% من إجمالي المساحات الزراعية في لبنان، بما يقارب 56 ألف هكتار. وتركزت الغالبية الساحقة من الأضرار في محافظتي الجنوب والنبطية، بنحو 52 ألف هكتار، مقابل نحو أربعة آلاف هكتار في محافظة بعلبك–الهرمل. وتتطابق هذه التقديرات مع تقييمات حديثة أشارت إلى تأثر قرابة 56 ألف هكتار نتيجة الأضرار المباشرة وصعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم.

 

ولا تعني هذه المساحات مجرد خسارة موسمية لمحاصيل يمكن تعويضها سريعاً، إذ تضم مناطق واسعة من بساتين الزيتون والحمضيات والموز والأشجار المثمرة، وبعضها يحتاج إلى سنوات طويلة قبل استعادة قدرته الإنتاجية. كما تضررت الخيم البلاستيكية وخلايا النحل وقطعان الماشية ومخازن المعدات والمنتجات الزراعية.

 

وتشير بيانات نشرت خلال الأشهر الماضية إلى أن الزيتون كان من بين الزراعات الأكثر تضرراً، إلى جانب الحمضيات والموز والحيازات الزراعية الصغيرة والمتوسطة. وتكتسب هذه الخسائر خطورة إضافية نظراً لاعتماد آلاف الأسر الجنوبية على الزراعة كمصدر أساسي للدخل، فضلاً عن مساهمة المنطقة في تزويد الأسواق اللبنانية بالخضراوات والفواكه والزيت والزيتون ومنتجات النحل.

 

 

خسائر بالمليارات وتلوث يتجاوز المعدلات الطبيعية 

 

وكشف وزير الزراعة أن التقديرات الأولية التي أُعدت بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلمية ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» رفعت قيمة الخسائر والأضرار الزراعية إلى أكثر من مليار دولار، بعدما كانت التقديرات السابقة تدور حول 800 مليون دولار حتى نهاية عام 2024.

 

وتشمل الفاتورة خسائر الإنتاج المباشر، والأضرار التي لحقت بالأراضي والأشجار والمنشآت والآبار وشبكات الري والمعدات، إلى جانب تكلفة إعادة التأهيل وتعويض المزارعين. وكانت تقديرات أخرى قد وضعت الخسائر الزراعية ضمن فاتورة اقتصادية أوسع وصلت إلى مليارات الدولارات نتيجة الحرب وتداعياتها على التجارة والسياحة والإنتاج.

 

وتتجاوز الأزمة حدود الخسائر المالية إلى مخاطر بيئية وصحية بعيدة المدى. فقد أعلن هاني أن الوزارة ستطلق جولة جديدة من الفحوص المخبرية لعينات التربة والمياه والنباتات في المناطق الحدودية، بهدف تحديد نطاق التلوث ومتابعة تطور مستوياته.

 

وبحسب النتائج السابقة، ظهرت مادة الغليفوسات في بعض العينات بتركيزات تفوق المعدلات الطبيعية بما يتراوح بين 50 و60 ضعفاً. وكانت السلطات اللبنانية قد بدأت إجراءات لتوثيق عمليات رش مواد ومبيدات سامة فوق أراضٍ وبساتين حدودية، محذرة من تأثير التعرض المتكرر وغير المنضبط على صحة الإنسان والحيوان والنبات والتوازن البيئي.

 

وتثير هذه النتائج مخاوف من تلوث المحاصيل والمياه الجوفية وتراجع خصوبة التربة، ما قد يحول بعض الأراضي المتضررة إلى مناطق غير قابلة للزراعة بصورة آمنة قبل استكمال الفحوص وعمليات المعالجة. كما أن استمرار الغارات وتحليق الطائرات المسيّرة يعرقل وصول الفرق الفنية إلى جميع القرى الحدودية وإجراء تقييم شامل للأضرار.

 

 

مشاريع إنقاذ محدودة وسط انقسام سياسي حاد

 

أكد هاني أن أولوية الوزارة تتمثل في تقديم مساعدة عاجلة للمزارعين، تشمل دعماً نقدياً وتأمين اليد العاملة، تمهيداً لإطلاق برامج أكثر اتساعاً لإعادة تأهيل القطاع. وأوضح أن العمل بدأ على إعادة تأهيل 1500 خيمة بلاستيكية في الجنوب والنبطية، إلى جانب إصلاح 50 بئراً وتجهيزها بمضخات وأنظمة طاقة شمسية، بما يسمح باستعادة جزء من الإنتاج.

 

واختتم الوزير جولته بزيارة بلدة زبدين، حيث تفقد الخيم والمنشآت المتضررة، مؤكداً استمرار دعم المزارعين وتعزيز صمودهم. غير أن حجم المشروعات المعلنة لا يزال محدوداً مقارنة باتساع الكارثة، خصوصاً مع تجاوز المساحات المتأثرة 56 ألف هكتار واستمرار صعوبة الوصول إلى بعض الأراضي.

 

وتأتي محاولات الإنقاذ الزراعي بينما دخل الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل مرحلة أولية من التنفيذ، بالتزامن مع وصول وفد عسكري أمريكي إلى بيروت للمساعدة في متابعة الترتيبات الميدانية وانتشار الجيش اللبناني في بعض المناطق الجنوبية. إلا أن الاتفاق يواجه اعتراضات سياسية واسعة، خصوصاً بسبب ربط الانسحاب الإسرائيلي بملف سلاح حزب الله وغياب جدول زمني واضح للانسحاب الكامل.

 

وفي الوقت نفسه، لا تزال الغارات الإسرائيلية تقوض الثقة بأي تهدئة. فقد طالبت منظمة العفو الدولية بالتحقيق في ثلاث غارات إسرائيلية وقعت خلال مارس 2026 وقتلت 24 مدنياً، نصفهم من الأطفال، معتبرة أن الوقائع التي وثقتها قد تستوجب التحقيق باعتبارها جرائم حرب.

 

وبذلك يجد المزارع اللبناني نفسه بين خسارة أرضه ومحصوله، ومخاطر التلوث، ونقص التمويل، واستمرار التهديد العسكري. ومن دون وقف فعلي للاعتداءات وتوفير تمويل دولي واسع لإعادة الإعمار والتعويض، قد تتحول الكارثة الزراعية في الجنوب من أثر مباشر للحرب إلى أزمة مزمنة تهدد الأمن الغذائي اللبناني وتدفع مزيداً من سكان القرى إلى النزوح وترك أراضيهم.