تحولت ودائع وفروق الصيانة في المدن الجديدة إلى واحدة من أكثر الثغرات إثارة لغضب ملاك الوحدات السكنية، بعدما وجد آلاف المواطنين أنفسهم مطالبين بدفع مبالغ قد تصل إلى مئات الآلاف من الجنيهات فوق ثمن العقار، من دون ميزانيات معلنة أو حسابات بنكية مكشوفة أو معايير محاسبية تفسر كيف جرى احتساب هذه المطالبات.
وبينما تصل وديعة الصيانة في بعض المشروعات إلى أكثر من 10% من قيمة الوحدة، تتكرر مطالبات إضافية تحت مسميات فروق الصيانة واستكمال الوديعة، في ظل فراغ تشريعي ورقابي سمح لبعض المطورين بإدارة أموال ضخمة بعيدا عن أعين الملاك، ودفع البرلمان إلى فتح ملف يضع مئات المليارات من الجنيهات تحت سؤال مباشر: أين تذهب أموال الصيانة، ومن يراقب عوائدها، ولماذا يتحمل السكان دائما فاتورة العجز؟
10% من ثمن العقار ثم تبدأ الفاتورة المفتوحة
تبدأ الأزمة منذ توقيع عقد شراء الوحدة، حين يجد العميل نفسه أمام بند يلزمه بسداد وديعة صيانة تتراوح غالبا بين 5% و10% من قيمة العقار، وهو مبلغ يفترض أن يكون مخصصا للحفاظ على المشروع وتمويل خدمات الأمن والنظافة والزراعة وصيانة المرافق والمناطق المشتركة.
لكن ما يبدو في العقد التزاما واضحا يتحول بعد الاستلام، بحسب شكاوى الملاك، إلى باب لا يعرف سقفا محددا، إذ تظهر مطالبات جديدة بمبالغ تحت اسم فروق الصيانة أو استكمال الوديعة، وقد تصل إلى مئات الآلاف من الجنيهات للوحدة الواحدة.
المشكلة ليست في وجود تكلفة حقيقية للصيانة، ولا في إنكار أن التضخم وارتفاع الأسعار يرفعان نفقات التشغيل، بل في الطريقة التي يجري بها تحميل هذه التكلفة للمواطن، من دون كشف حساب يثبت حجم المصروفات أو العجز أو العائد الذي حققته الوديعة الأصلية.
وهنا يصبح المالك أمام معادلة مختلة، فالشركة هي التي تحدد قيمة الوديعة، وهي التي تدير الأموال، وهي التي تحسب المصروفات، وهي التي تعلن وجود عجز، ثم تعود هي نفسها لتحدد مقدار الفروق المطلوبة من السكان.
أما المواطن، الذي دفع ثمن الوحدة والوديعة، فيبقى الطرف الوحيد الذي لا يملك المعلومات، ولا يعرف أين أودعت أمواله، ولا حجم الفوائد الناتجة عنها، ولا ما إذا كانت جرى خلطها بأموال الشركة أو استخدامها خارج المشروع.
وتكشف شكوى النائبة سناء السعيد جوهر هذه الفوضى، إذ تحدثت عن شركات فرضت مبالغ جزافية تتجاوز أحيانا 10% من إجمالي قيمة الوحدة، من دون معايير قانونية أو محاسبية واضحة تضبط طريقة التقدير.
الأخطر أن بعض الملاك يفاجأون بالمطالبة بفروق ضخمة بعد سنوات، من دون أن يتلقوا طوال تلك الفترة قوائم مالية سنوية توضح أن الوديعة تحقق عجزا أو أن تكاليف الخدمات تجاوزت عوائدها.
ويتفق هذا التشخيص مع ما طرحه محمد الغول في تحليله لأزمة فروق الصيانة، إذ رأى أن التضخم وارتفاع تكاليف التشغيل قد يخلقان عجزا حقيقيا، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن غياب الشفافية والمبالغة في تقدير المطالبات وعدم توضيح الحسابات للسكان هي جوهر الصدام المتكرر. واقترح ميزانية سنوية مستقلة، وحسابا واضحا للمقبوضات والمدفوعات، ومراقب حسابات يعتمد الأرقام قبل مطالبة السكان بأي فروق.
وهذا الرأي يهدم الذريعة الأسهل التي تختبئ خلفها بعض الإدارات، فارتفاع الأسعار لا يمنح أحدا شيكا على بياض، ولا يحول المالك إلى ماكينة دفع تستقبل رقما جديدا كلما قررت الشركة أن الأموال لم تعد تكفي.
ودائع الملاك خلف أبواب مغلقة وعوائد لا يعرف أحد مصيرها
تصل الأزمة إلى أخطر مستوياتها عندما ينتقل السؤال من مقدار الصيانة إلى مصير أصل الوديعة نفسها، لأن الشكاوى الواردة لا تتحدث فقط عن ارتفاع الرسوم، بل عن حرمان الملاك من الاطلاع على الحساب البنكي وحجم العوائد وأوجه الإنفاق.
في الوضع الطبيعي، يدفع الآلاف ودائع ضخمة يفترض أن تبقى أصولها محفوظة وتستخدم عوائدها في تمويل الخدمات، لكن غياب الإفصاح يحول هذه الأموال إلى كتلة مالية مغلقة لا يعرف أصحابها الحقيقيون كيف تدار.
وبحسب طلب الإحاطة، لا تودع بعض الشركات أصل الودائع في حسابات مستقلة ومغلقة لكل مشروع، وهو ما يفتح الباب لخلط أموال الملاك بأموال المطور، ويجعل تتبع حركة الأموال وعوائدها أمرا بالغ الصعوبة.
هنا لا يعود الحديث عن خلاف بسيط بين شركة وعميل بشأن قيمة فاتورة النظافة، بل عن أموال ضخمة يدفعها المواطنون لمهمة محددة، بينما يغيب عنهم الحساب الذي يحتفظ بها والمصرف الذي يستثمرها والعائد الناتج عنها.
وتزداد الشكوك عندما يرى السكان أن الخدمات على الأرض لا تتناسب مع حجم المبالغ المحصلة، فالمساحات الخضراء تتراجع، والنظافة لا تتحسن، والأمن لا يتطور، ثم تصل مطالبة جديدة بفروق مالية أكبر.
وتبدو المفارقة أكثر استفزازا حين تطلب بعض الشركات من المالك دفع عجز لم تطلعه أساسا على طريقة احتسابه، وكأن المطلوب منه أن يصدق رقما نهائيا من دون أن يرى الفواتير أو العقود أو الأجور أو الإيرادات أو العوائد البنكية.
الخبير القانوني هيثم السايس يعترف بوجود أسباب اقتصادية قد تؤدي فعلا إلى عدم كفاية عائد الوديعة، لكنه يضع قيدا مهما على أي زيادة، مؤكدا أن الزيادة في قيمة الصيانة ينبغي أن تحدد عبر اتحاد الشاغلين والجمعية العمومية عند الاتفاق عليها، لا بقرار منفرد يسقط على السكان من أعلى.
وهذه النقطة تحديدا تكشف حجم الخلل في مشروعات كثيرة، حيث يتأخر تأسيس اتحادات الشاغلين، وتبقى الإدارة والمال والقرار في يد جهة واحدة، بينما يتحول الملاك إلى ممولين بلا سلطة رقابية حقيقية.
ويرى المهندس طارق شكري أن إدارة المشروع وصيانته يجب أن تخضع لمتابعة محاسبية، وأن يقوم مراقب الحسابات بمتابعة الإنفاق من وديعة الصيانة المخصصة للمشروع، وهو طرح يعيد النقاش إلى أبسط قواعد إدارة الأموال: لا إنفاق بلا حساب، ولا حساب بلا رقابة.
لكن ما يطالب به الخبراء باعتباره قاعدة بديهية يبدو غائبا عن شكاوى قطاع واسع من السكان، الذين لا يريدون إعفاءهم من تكلفة الصيانة، بل يريدون فقط معرفة كيف تحولت ودائعهم إلى عجز دائم لا ينتهي.
البرلمان يفتح الملف بعد أن أصبحت الصيانة سبوبة بلا سقف
أمام تصاعد الغضب، وجهت النائبة سناء السعيد طلب إحاطة عاجلا إلى وزارات الإسكان والتنمية المحلية والبيئة وجهاز حماية المستهلك، مطالبة بمواجهة ما وصفته بالعشوائية في تقدير ودائع وفروق الصيانة داخل المدن الجديدة.
التحرك البرلماني يكشف أن المشكلة لم تعد نزاعا فرديا بين مالك غاضب وشركة عقارية، بل ظاهرة اتسعت إلى حد استدعاء عدة جهات حكومية مسؤولة عن الإسكان والمحليات والبيئة وحماية حقوق المستهلك.
وتشير النائبة إلى أن قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 ولائحته التنفيذية لا يتضمنان نصوصا ملزمة تحدد سقفا لهذه الودائع أو تضبط طريقة حسابها، وهي فجوة فتحت الباب أمام تقديرات متفاوتة وممارسات غير منضبطة.
والنتيجة أن بعض المطورين يستطيعون وضع نسبة مرتفعة في العقد، ثم العودة بعد سنوات للمطالبة بفروق إضافية، من دون قانون يحدد بدقة متى تكون هذه الفروق مشروعة ومتى تتحول إلى تحميل تعسفي للملاك.
وتطالب التحركات البرلمانية بإلزام الشركات بفتح حسابات مستقلة لكل مشروع، ونشر كشوف دورية بقيمة الودائع وعوائدها والمبالغ المنفقة، وهي مطالب لا تبدو ثورية بقدر ما تبدو الحد الأدنى لأي إدارة أمينة لأموال الآخرين.
كما تطالب بإصدار أكواد استرشادية لتسعير خدمات الصيانة قبل بيع المشروعات، حتى يعرف المشتري منذ البداية ما الذي سيدفعه، وكيف يحتسب، وما الخدمات التي يحصل عليها مقابل هذه الأموال.
ولا يقل أهمية عن ذلك اقتراح منع فرض أي مبالغ إضافية إلا بموافقة الجمعيات العمومية للملاك وبناء على تقارير محاسبية معتمدة، لأن الفاتورة التي لا تمر على أصحاب الأموال ولا يدققها طرف مستقل تظل موضع شك مهما حاولت الشركة تبريرها.
القضية، في جوهرها، ليست خلافا حول رفاهية الكومباوند أو تكلفة قص الأشجار، بل اختبار لحقوق الملكية نفسها، فالمواطن الذي اشترى وحدة بملايين الجنيهات لا ينبغي أن يظل أسيرا لرسوم مفتوحة يحددها طرف واحد.
وعندما تصل الأموال الموضوعة تحت تصرف المطورين إلى مئات المليارات من الجنيهات، بحسب ما حذرت منه النائبة، فإن غياب الحسابات المستقلة والرقابة الدورية لا يعود مجرد إهمال إداري، بل خطرا مباشرا على الثقة في السوق العقارية.
السوق التي تطلب من المواطنين شراء وحدات قبل بنائها بسنوات، وسداد أقساط طويلة، ودفع ودائع صيانة ضخمة، لا تستطيع في المقابل أن تعتبر كشف الحساب سرا داخليا لا يحق للمالك الاطلاع عليه.
والأكثر خطورة أن استمرار هذه الفوضى يضرب المطورين الجادين أيضا، لأن غياب القواعد الموحدة يسمح بخلط الشركة التي تدير أموال الصيانة بشفافية مع أخرى تحول الوديعة إلى صندوق غامض وتترك السكان أمام مفاجآت مالية متلاحقة.
لهذا، لم يعد كافيا عقد اجتماعات أو إصدار توصيات عامة، فالملف يحتاج إلى قواعد ملزمة تحدد سقف الوديعة أو منهج حسابها، وتفرض الحساب المستقل، وتوجب مراجعة سنوية، وتمنح الملاك حق الاطلاع والموافقة على أي فروق.
وفي النهاية، فإن وديعة الصيانة ليست هدية للمطور، وفروق الصيانة ليست ضريبة خاصة يفرضها من يشاء، وأموال الملاك ليست خزينة مغلقة تدار بلا كشف حساب.
ما يطالب به المواطنون بسيط وواضح: أرونا أين ذهبت الوديعة، وكم ربحت، وكم أنفقتم، وعلى ماذا أنفقتم، ثم تحدثوا بعد ذلك عن أي عجز.
أما استمرار مطالبة الأسر بمئات الآلاف من الجنيهات اعتمادا على رقم يخرج من مكاتب الشركات بلا ميزانية معلنة، فهو الطريق الأسرع لتحويل حلم السكن في المدن الجديدة إلى كابوس مالي، وتحويل الصيانة من خدمة لحماية العقار إلى سبوبة بلا سقف.

