كشفت أزمة وزارة التربية والتعليم في تنفيذ القرار الوزاري رقم 160 لسنة 2024 أن آلاف العاملين بالمدارس والإدارات والمديريات التعليمية في محافظات مصر ما زالوا ينتظرون إعادة تعيينهم على المؤهل الأعلى، لتبقى أوضاعهم معلقة بلا حسم.
ويكشف استمرار الأزمة أن حكومة تتحدث يوميا عن تطوير التعليم وعلاج نقص المعلمين عاجزة عن تنفيذ قرار أصدرته بنفسها، بينما يدفع الموظفون ثمن بطء المكاتبات وتنازع الاختصاصات، وتظل أسر كاملة رهينة توقيع لا يأتي.
قرار حكومي تحول إلى رحلة انتظار
بدأت الحكاية بقرار واضح يجيز إعادة تعيين العاملين الحاصلين أثناء الخدمة على مؤهل عال في وظائف التعليم، مع استثنائهم من شرطي الإعلان والامتحان، بشرط ملاءمة المؤهل وتوافر متطلبات بطاقة الوصف الوظيفي.
وبعد ذلك، بدلا من التنفيذ السريع، دخل الملف في متاهة إدارية بين وزارة التربية والتعليم والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة ووزارة المالية، حتى تحول الحق الوظيفي إلى رحلة انتظار مفتوحة لا يعرف أصحابها نهايتها.
كما أن الوزارة عقدت في مايو 2025 اجتماعا مع مسؤولي الموارد البشرية بالمديريات والإدارات التعليمية، ثم طلبت كشوف المتقدمين وردود التنظيم والإدارة وشهادات الصلاحية، وحددت نهاية الشهر نفسه موعدا لاستكمال البيانات المطلوبة.
غير أن انتهاء الموعد لم يعن انتهاء الأزمة، إذ بقيت كشوف في محافظات مختلفة عالقة بين مراجعة الدرجات الشاغرة وتدبير الاعتمادات المالية، وكأن تنفيذ القرار يحتاج إلى قرار آخر يخرجه من أدراج الحكومة.
ولزيادة الغضب، اجتاز كثير من المتقدمين التدريبات والاختبارات المطلوبة وحصلوا على شهادات الصلاحية، ثم واصلوا العمل داخل المدارس دون الاستفادة الرسمية من مؤهلاتهم، بما يجعل التأخير عقوبة إدارية لا سند لها.
ومن ثم، لم تعد حجة الدورة المستندية مقنعة بعد هذا الزمن، لأن الجهاز الإداري الذي يعجز عن تنسيق ثلاث جهات حكومية في ملف معروف الأسماء والأعداد لا يواجه ظرفا طارئا، بل يكشف خللا بنيويا.
وفي هذا السياق، يرى الخبير التربوي كمال مغيث أن التعليم لا ينهض بالحلول المؤقتة، وأن الاعتماد على التعاقدات الهشة لا يصنع استقرارا داخل المدارس، وهو ما يمنح ملف التسويات بعدا يتجاوز المطالب الفردية.
وبالتالي، فإن تجميد أصحاب المؤهلات الأعلى يتناقض حتى مع منطق الاستفادة من الموارد البشرية المتاحة، لأن الحكومة تنفق على مسابقات وحلول مؤقتة، بينما تحتفظ بآلاف العاملين المؤهلين داخل المنظومة دون تسوية أو استقرار.
المالية والبيروقراطية تقيدان حقوق العاملين
أما وزارة المالية، فتظهر في قلب الأزمة باعتبارها الجهة المطلوبة لتدبير الفروق والاعتمادات، لكن بقاء الملف معلقا يكشف أن حقوق العاملين يمكن تأجيلها بسهولة كلما اصطدمت بأولويات إنفاق لا تضع التعليم أولا.
علاوة على ذلك، فإن الحديث عن عجز المخصصات يفقد معناه حين يكون المطلوب تقنين أوضاع موظفين يعملون بالفعل داخل المدارس، وليس إنشاء جهاز جديد، ما يجعل المشكلة أقرب إلى ترتيب أولويات منه إلى استحالة مالية.
ويؤكد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني في كتاباته أن ضعف الإنفاق على التعليم يرتبط بعجز المعلمين وتدهور المخرجات، منتقدا توجيه الموارد إلى مشروعات كبرى بينما تعاني الخدمات الأساسية من نقص مزمن في التمويل.
وبناء على ذلك، تبدو أزمة التسويات نموذجا مصغرا لسياسة أوسع تفضل تأجيل الاستثمار في البشر، ثم تتحدث عن جودة التعليم، بينما تترك المعلم أو العامل المؤهل محاصرا بين راتب لا يعكس دوره ووضع وظيفي مرتبك.
ولذلك، فإن كل شهر تأخير لا يمثل مجرد ورقة ناقصة، بل فروقا مالية مؤجلة، وأقدميات مهدرة، ومسارا مهنيا متوقفا، وشعورا متزايدا بأن الدولة تطلب من موظفيها احترام القانون بينما لا تحترم آثار قراراتها.
في المقابل، تحاول الحكومة تحميل التعطيل لعبارة فضفاضة هي الدورة المستندية، مع أن هذه الدورة صنعتها مؤسساتها ويمكن اختصارها بقرار تنفيذي واضح، وإطار زمني ملزم، ومسؤولية محددة عن كل مرحلة من مراحل التنفيذ.
ومع ذلك، لا يزال المتضررون يواجهون الصمت نفسه، بلا جدول نهائي معلن ولا كشوف مكتملة في جميع المحافظات، وهو غياب للمساءلة يسمح لكل جهة بإلقاء المسؤولية على الأخرى بينما يبقى أصحاب الحق عالقين.
مدارس تبحث عن معلمين والحكومة تعطل المؤهلين
وعلى صعيد آخر، تتضخم المفارقة لأن المدارس المصرية تعاني منذ سنوات نقصا حادا في المعلمين، بينما يعمل كثير من أصحاب طلبات التسوية فعليا على سد فجوات داخل الفصول دون الاعتراف الرسمي بوضعهم الجديد.
كما أن النائبة سناء السعيد نقلت الأزمة إلى البرلمان، مؤكدة أن عددا كبيرا من المتقدمين استوفوا الشروط واجتازوا التدريبات والاختبارات، وطالبت الحكومة بتفسير واقعي وتشريعي لتأخر القرار النهائي رغم اكتمال المتطلبات.
وفوق ذلك، أشارت النائبة إلى أن هؤلاء العاملين ساهموا في سد العجز داخل المدارس، ما يضع الحكومة أمام تناقض فاضح بين شكواها من نقص المعلمين ورفضها العملي لتسوية أوضاع أشخاص مؤهلين موجودين بالفعل.
ويرى عبد الحفيظ طايل، مدير مركز الحق في التعليم، أن عجز المعلمين يمثل انتهاكا مستمرا للحق في التعليم ولا يعالج بإجراءات مؤقتة، وهي رؤية تكشف خطورة تعطيل مورد بشري جاهز داخل المدارس.
وبهذا المعنى، فإن ملف التسويات ليس نزاعا إداريا محدودا، بل جزء من أزمة إدارة التعليم نفسها، حيث تتحول القرارات إلى إعلانات، والمواعيد إلى أوراق، والموظفون إلى أرقام تنتظر موافقة جديدة كلما انتهت موافقة.
كذلك، فإن إبقاء العاملين في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم يهدر خبراتهم ويعمق الإحباط داخل المؤسسات التعليمية، بينما يفترض أن تكون الدولة أول جهة تحسن توزيع الكفاءات وتستفيد من التدريب الذي أنفقت عليه.
لهذا، يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا تأخرت التسويات، بل لماذا تقبل الحكومة أن يستمر التأخير كل هذه المدة دون محاسبة مسؤول أو إعلان جدول تنفيذي، رغم أن الأزمة تمس آلاف الأسر ومدارس تعاني نقصا.
وفي النهاية، لا يحتاج الملف إلى لجنة جديدة ولا خطاب جديد، بل إلى قرار تنفيذي يحدد الأسماء والمواعيد والاعتمادات، ويجبر الجهات الثلاث على إنهاء التنسيق، بدلا من استخدام البيروقراطية ستارا لتجميد حقوق العاملين.
وعليه، فإن استمرار التأخير بعد القرار والاجتماعات والكشوف والتدريبات يكشف أن المشكلة لم تعد نقص معلومات، بل غياب إرادة حكومية للحسم، وأن ثمن هذا الغياب يدفعه المعلمون والطلاب والعملية التعليمية معا.
وأخيرا، فإن الحكومة مطالبة بإنهاء التسويات فورا ونشر جدول زمني معلن لكل محافظة، لأن من غير المقبول أن تطالب المعلمين بإنقاذ المدارس من العجز، ثم تترك حقوقهم معلقة بين المالية والتنظيم والإدارة والوزارة.

