وثقت تقارير صحفية وشهادات دينية 3 مسارات في مصر بعد انقلاب 3 يوليو 2013، حين جرى الانقلاب على أول رئيس مدني منتخب، فكانت النتيجة منح الحكم العسكري غطاء دينيا وسياسيا منظما.
وبالتالي، لم تكن جريمة 3 يوليو محصورة في بيان عسكري أو تحرك أمني، بل امتدت إلى منابر وفتاوى ومؤسسات دينية ساعدت على تحويل الانقلاب على مرسي إلى مشهد مقبول لدى قطاعات واسعة.
كما أن لب القضية لا يتعلق بتدين المصريين ولا بموقف الناس من الدين، بل يتعلق باستخدام بعض الشيوخ مكانتهم العامة لتبرير انتهاك الشرعية، وتقديم سلطة العسكر في صورة حارس للدولة والدين.
لذلك، لا يمكن تناول هذه الزاوية بعبارات عامة عن شيوخ السلطة، لأن أسماء مثل أحمد الطيب وعلي جمعة وسعد الدين الهلالي ومحمد مختار جمعة ومحمد حسان وأسامة الأزهري تمثل أدوارا محددة.
ومن ثم، تكشف قراءة مواقف عصام تليمة وسلامة عبد القوي وعاصم عبد الماجد أن الخلاف لم يكن حول وعظ ديني عابر، بل حول وظيفة الفتوى حين تصبح في خدمة الحكم العسكري.
الغطاء الديني الأول للانقلاب
في البداية، كان ظهور شيخ الأزهر أحمد الطيب في بيان 3 يوليو لحظة مركزية، لأن الصورة لم تعرض السيسي وحده، بل وضعت بجواره رمزا دينيا رسميا يمنح المشهد العسكري ثقلا معنويا.
كذلك، لم يكن ذلك الحضور مجرد تفصيل بروتوكولي، فالأزهر في وجدان المصريين مؤسسة كبرى، وحضور شيخه داخل مشهد الانقلاب على مرسي ساعد السلطة على تسويق القرار باعتباره مخرجا وطنيا ودينيا.
إلى جانب ذلك، استند الطيب إلى منطق أخف الضررين في تبرير موقفه من الانتخابات الرئاسية المبكرة، لكن هذا المنطق ساهم عمليا في نقل المسألة من انقلاب على الشرعية إلى اختيار اضطراري.
غير أن تبرير اللحظة الأولى لا ينفصل عما تلاها، لأن الغطاء الديني الذي منحته الصورة للانقلاب فتح بابا واسعا لتبرير الإجراءات اللاحقة، من الاعتقال وإغلاق القنوات إلى القمع الدموي.
وفي هذا السياق، يرى عصام تليمة أن شيوخ السلطة لم يكتفوا بتأييد السيسي سياسيا، بل قدموا الانقلاب على مرسي في صورة نصر للإسلام، وهي أخطر مراحل تزوير المعنى.
بناء على ذلك، يصبح دور الطيب في البيان جزءا من بنية كاملة، لا موقفا فرديا معزولا، لأن السلطة كانت تحتاج إلى رجال دين يطمئنون الجمهور ويضعفون صدمة الانقلاب على الشرعية.
من ناحية أخرى، ظهر محمد حسان في مساحة التهدئة والثقة بالمؤسسة العسكرية، وهو خطاب بدا حريصا على حقن الدم، لكنه ساعد في تفريغ الشارع المؤيد للشرعية من قوة الاعتراض.
ولهذا، يرى منتقدو هذا المسار أن الدعوة إلى الهدوء أمام انقلاب يتحرك على الأرض لا تكون حيادا كاملا، بل تتحول في لحظة الخطر إلى خدمة غير مباشرة لصاحب القوة.
فتاوى التحريض وتديين الخصومة
بعد ذلك، جاء علي جمعة في موقع أشد وضوحا، حين ارتبط اسمه بخطاب الخوارج الموجه إلى ضباط الجيش والشرطة، وهو خطاب نقل الخلاف السياسي إلى مساحة دينية خطيرة.
كذلك، لم يكن وصف المعارضين بالخوارج مجرد لفظ قاس، بل كان أداة لنزع الشرعية الإنسانية والسياسية عن خصوم الانقلاب، وجعل قمعهم يبدو كأنه مواجهة مع خطر ديني.
ومن هنا، تكمن خطورة خطاب جمعة في أنه جاء أمام رجال يحملون السلاح، لا داخل درس علمي هادئ، بما منح أجهزة الدولة لغة معنوية تبرر القوة ضد أنصار الشرعية.
وعلى الجانب الآخر، يرفض سلامة عبد القوي هذا المسار، مؤكدا في خطابه المعارض أن دور العالم وقت الفتنة حماية الدماء ورد الظلم، لا صناعة مبررات دينية لقوة السلطة.
ثم إن سعد الدين الهلالي قدم نموذجا مختلفا في الشكل ومشابها في النتيجة، عندما شبه السيسي ووزير الداخلية محمد إبراهيم برسولين كموسى وهارون، في عبارة أثارت صدمة واسعة.
كما أن خطورة هذا التشبيه لا تتعلق بالمبالغة اللفظية فقط، بل بتقديم رجال السلطة الأمنية في صورة دينية عالية، بينما كان المجال العام يعيش آثار الانقلاب والقمع والانقسام.
لذلك، يلتقي خطاب علي جمعة والهلالي عند نقطة واحدة، وهي رفع السلطة فوق النقد الأخلاقي، إما عبر وصف خصومها بالخوارج، أو عبر تصوير قادتها كأصحاب رسالة إنقاذية.
وعليه، فإن نقد سلامة عبد القوي لهذا النوع من الخطاب يتجاوز الخلاف السياسي، لأنه يركز على أن الفتوى عندما تفقد استقلالها تصبح أداة لتسكين المجتمع لا لنصرته.
تأميم المنابر وصناعة الدين الرسمي
في مرحلة لاحقة، تولى محمد مختار جمعة عبر وزارة الأوقاف ضبط المجال الديني بعد الانقلاب، فانتقلت الشرعنة من مواقف أفراد إلى سياسات مؤسسة تسيطر على المساجد والخطب والأئمة.
كذلك، قدم مختار جمعة 30 يونيو باعتبارها إنقاذا لمصر من الجماعة، وهي صياغة جعلت رواية السلطة جزءا من خطاب الوزارة، وربطت بين الاستقرار الرسمي والموقف الديني المسموح.
ومن ثم، أصبحت الخطبة الموحدة والسيطرة على المساجد وجها آخر للانقلاب على المجال العام، لأن المنبر الذي يفترض أن يتحدث عن العدل صار محكوما بسقف الدولة الأمنية.
غير أن أسامة الأزهري ظهر في مساحة أكثر نعومة، حيث ارتبط بخطاب تجديد ديني متصالح مع سلطة ما بعد 3 يوليو، من دون صدام واضح مع بنية القمع السياسي.
وفي هذا الإطار، تكمن خطورة الخطاب الناعم في أنه لا يحتاج إلى عبارات صادمة دائما، بل يكفي أن يجعل الدين الرسمي منشغلا بخصوم السلطة، وصامتا أمام انتهاك الحقوق.
ومن زاوية عاصم عبد الماجد، فإن انقلاب 3 يوليو لم يكن خصومة حزبية ضيقة، بل انقلابا على حق المصريين في اختيار حاكمهم، وكسرًا لإرادة الناس التي عبرت عنها الصناديق.
بالتالي، يظهر التناقض بوضوح بين خطاب شيوخ السلطة وخطاب معارضي الانقلاب من العلماء والدعاة، فالأول قدم الحاكم العسكري كمنقذ، بينما رأى الثاني أن الشرعية والكرامة أصلان لا يسقطان.
إضافة إلى ذلك، ساعد تأميم المنابر على إنتاج مواطن يسمع رواية واحدة في الإعلام والمسجد معا، فيرى الانقلاب على مرسي خلاصا، ويرى الاعتراض فتنة، ويرى الصمت حكمة شرعية.
وفي المحصلة، توزعت الأدوار بين غطاء رمزي في البيان، وخطاب تحريضي يجرم المعارضين، وتقديس سياسي لقادة السلطة، وسيطرة مؤسسية على المنابر، وتجميل ناعم لكل ذلك باسم التجديد.
لذلك، فإن سؤال كيف حول شيوخ السلطة انقلاب السيسي إلى نصر مزعوم للإسلام لا يجد إجابته في العموميات، بل في هذه الأسماء ومواقفها وأقوالها ووظائفها داخل المشهد.
هكذا، لم يكن الانقلاب على مرسي مجرد استيلاء عسكري على الحكم، بل كان أيضا انقلابا على معنى الدين في المجال العام، حين جرى استخدام الفتوى لتخفيف بشاعة كسر الشرعية.
وفي النهاية، تكشف ذكرى 3 يوليو أن أخطر ما فعله شيوخ السلطة أنهم لم يختلفوا سياسيا فحسب، بل ساعدوا على منح الحكم العسكري لغة دينية عطلت الضمير العام.

