تكشف شهادات وتقارير سياسية عن دور أمريكي حاسم في مصر خلال 3 يوليو 2013، حين انقلب الجيش على أول رئيس مدني منتخب، فكانت النتيجة عودة حكم العسكر وسحق المسار الديمقراطي.
وبالتالي، لم تكن واشنطن مراقبًا بريئًا ولا شاهدًا عاجزًا، بل طرفًا فضّل استقرار الثكنة على حرية المصريين، وترك رئيسًا منتخبًا يواجه الدبابة وحده باسم حسابات الأمن والمصالح.
الضوء الأخضر قبل لحظة الانقلاب
كما أن الباحث شادي حميد يفكك رواية المفاجأة الأمريكية، مؤكدًا أن إدارة أوباما لم تفاجأ بالانقلاب، بل كانت تعرف اتجاه الأحداث ومنحت الجيش ما يشبه الضوء الأخضر لإسقاط مرسي.
لذلك، يصبح الصمت الأمريكي قبل 3 يوليو قرارًا سياسيًا لا ارتباكًا دبلوماسيًا، لأن واشنطن كانت تملك أدوات ضغط حقيقية على الجيش المصري، لكنها اختارت ترك السيسي يتحرك.
ومن ثم، يظهر أن معضلة واشنطن لم تكن مرسي وحده، بل فكرة أن انتخابات عربية حرة قد تأتي بالإسلاميين إلى الحكم، وهو ما جعل الديمقراطية مشروطة برضا المصالح الأمريكية.
غير أن أوباما، رغم صورته المنفتحة على العالم الإسلامي، تصرف ببراغماتية باردة، فاختار المجلس العسكري والاستقرار الأمني، حتى لو كان الثمن تخريب أمل المصريين في انتقال ديمقراطي حقيقي.
علاوة على ذلك، تكشف شهادة مسؤولين في إدارة أوباما أن البيت الأبيض كان يرى المجلس العسكري صمام أمان، لا مؤسسة انقلابية، وهي النظرة التي منحت الجنرالات مساحة سياسية قاتلة.
بناء على ذلك، لم يكن انقلاب السيسي مفاجأة تسللت من الظلام، بل نتيجة طريق مرصوف برسائل أمريكية ملتبسة، فهمها الجيش باعتبارها ضوءًا أخضر للانقضاض على الرئيس المنتخب.
بين البنتاغون والخارجية
كذلك، يوضح ديفيد كيركباتريك في كتابه عن مصر أن الأيام السابقة للانقلاب شهدت اتصالات حاسمة، عرف خلالها الأمريكيون أن الجيش يستعد للتحرك، ولم يستخدموا نفوذهم لمنعه.
لزيادة وضوح الصورة، قال كيركباتريك إن أوباما تحدث مع مرسي قبل الانقلاب بيومين بطريقة بدت كأنها تعقلن موقف الجيش، لا كتحذير حاسم يمنع كسر الشرعية الدستورية.
ومن ناحية أخرى، كان البنتاغون أكثر ميلًا للجنرالات بحكم علاقاته الطويلة مع الجيش المصري، بينما ظلت وزارة الخارجية تتحدث عن الديمقراطية بلغة باردة لا تصنع ردعًا حقيقيًا.
ثم إن تصريحات تشاك هيغل للسيسي قبل الانقلاب حملت رسالة خطيرة، حين قال له إن عليه حماية أمن بلده، وهي عبارة فتحت الباب أمام تفسير عسكري واسع للانقضاض.
كما أن جيمس ماتيس رأى ما حدث كأنه محاكمة شعبية دعمها الجيش، وهو توصيف يفضح عقلية أمريكية اعتبرت الشارع غطاء صالحًا لتعطيل الدستور وإزاحة رئيس منتخب.
غير أن جون كيري مثّل الصوت الأكثر فجاجة داخل الخارجية، بعدما أثنى لاحقًا على السيسي بزعم استعادة الديمقراطية، رغم أن البلاد كانت قد دخلت بالفعل مرحلة الدم والاعتقالات.
ولهذا، لم تكن المشكلة في غياب المعلومة عن واشنطن، بل في غياب الإرادة الأخلاقية والسياسية، إذ رأت الإدارة الأمريكية الانقلاب شرًا مقبولًا إذا حافظ على ترتيب المصالح.
تغطية الجريمة بعد وقوعها
في المقابل، تؤكد ميشيل دن أن عزل مرسي وضع السياسة الأمريكية أمام اختبار حقيقي، لأن استمرار المساعدات العسكرية دون تسمية الانقلاب باسمه حول القانون الأمريكي إلى أداة تهرب.
ومن هنا، كان الامتناع عن وصف ما جرى بأنه انقلاب قرارًا حاسمًا، لا تفصيلًا لغويًا، لأنه سمح باستمرار الدعم العسكري وترك السيسي يرسخ سلطته فوق الجثث والسجون.
إضافة إلى ذلك، جاءت تصريحات جين ساكي عن عدم تحديد طبيعة الحدث لتعلن بداية التغطية الدبلوماسية، بينما كان المصريون يرون بأعينهم دستورًا معلقًا ورئيسًا معتقلًا وقنوات مغلقة.
وفوق ذلك، لم توقف مذابح 8 يوليو و27 يوليو الانحياز الأمريكي العملي، بل استمرت واشنطن في إدارة الأزمة كملف مصالح، لا كجريمة ضد تجربة ديمقراطية ناشئة.
وعليه، تحولت كلمة الاستقرار إلى ستار أمريكي للثورة المضادة، حيث صار الأمن ذريعة لحماية الحكم العسكري، وتراجعت الديمقراطية إلى شعار يصلح للخطب ولا يصلح لحماية الشعوب.
بالمحصلة، لم يمنح أوباما السيسي شيكًا مكتوبًا للانقلاب، لكنه منحه ما هو أخطر: معرفة مسبقة وصمتًا محسوبًا ورسائل ملتبسة وامتناعًا لاحقًا عن تسمية الجريمة باسمها.
لذلك، بعد 13 عامًا، تبدو المسؤولية الأمريكية جزءًا أصيلًا من قصة 3 يوليو، لا هامشًا خارجيًا، لأن واشنطن ساعدت في تشجيع الحركة ثم في تطبيع نتائجها.
هكذا، لم يكن الدور الأمريكي غائبًا بل مخفيًا خلف لغة دبلوماسية مراوغة، منحت العسكر فرصة التحرك، ثم وفرت لهم غطاء البقاء، بينما دفع المصريون ثمن الانقلاب من حريتهم.
وفي النهاية، يكشف ملف أوباما والسيسي أن الديمقراطية العربية كانت مقبولة أمريكيًا ما دامت لا تهدد شبكة المصالح، فإذا أفرزت حكمًا مستقلًا صار الانقلاب عليها خيارًا قابلًا للتسويق.

