كشفت مصادر اقتصادية، خلال يونيو 2026، اقتراب مصر من الحصول على 1.6 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، بعد تنفيذ شروط شملت بيع حصة من أصول مرتبطة بالقوات المسلحة لأول مرة، وإقرار تعديلات ضريبية جديدة.

 

وبينما تقدم الحكومة الأمر باعتباره إصلاحاً اقتصادياً، تبدو الحقيقة أكثر قسوة؛ فالدولة تبيع ما كان محرماً الاقتراب منه، وتفتح جيب المواطن لضرائب جديدة، فقط كي تعبر مراجعة جديدة لدى الصندوق.

 

كذلك، لا تقف القصة عند شريحة مالية منتظرة، بل تكشف انتقالاً خطيراً في إدارة الأزمة، حيث تتحول أصول عامة وحساسة إلى ورقة تفاوض، بينما يدفع المجتمع ثمن الديون والتعثر.

 

الشريحة السابعة ليست تمويلاً بل مكافأة مشروطة

 

أفادت تقارير اقتصادية بأن مصر استوفت متطلبات المراجعة السابعة لبرنامجها مع صندوق النقد الدولي، بما يمهد للإفراج عن شريحة جديدة بنحو 1.6 مليار دولار بعد اتفاق مرتقب على مستوى الخبراء.

 

وبالتالي، لا تبدو الشريحة تمويلاً جديداً بلا ثمن، بل مكافأة مشروطة على تنفيذ مطالب محددة، في مقدمتها تسريع التخارج من الأصول، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتحديث وثيقة ملكية الدولة.

 

كما أن البرنامج الحالي البالغ 8 مليارات دولار لم يعد مجرد مسار تمويلي عابر، بعدما أصبح إطاراً ضاغطاً لإعادة تشكيل الاقتصاد المصري، من سعر الصرف إلى الضرائب وملكية الشركات العامة.

 

غير أن الحكومة تتعامل مع كل شريحة باعتبارها شهادة نجاح، بينما تكشف الشروط المتراكمة أن البلاد تدفع ثمناً سيادياً واجتماعياً، وأن الأموال لا تأتي لإنقاذ المواطن بل لإنقاذ برنامج متعثر.

 

ومن ثم، يصبح انتظار 1.6 مليار دولار علامة على اختناق مالي لا على تعاف، لأن دولة بحجم مصر لا يفترض أن ترهن قراراتها الاقتصادية بشريحة تقررها اجتماعات خارجية.

 

إضافة إلى ذلك، سبق لصندوق النقد أن انتقد بطء الإصلاحات الهيكلية في مصر، خصوصاً ملف تخارج الدولة والشركات المملوكة لها، ما جعل صفقات يونيو إشارة سياسية قبل أن تكون اقتصادية.

 

في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي أحمد السيد النجار أن الاعتماد على بيع الأصول العامة لمعالجة أزمات الديون يمثل هروباً من أصل الأزمة، لأنه يبدد ملكية الشعب دون إصلاح إنتاجي حقيقي.

 

وعليه، فإن الاقتراض الجديد لا يحل الأزمة، بل يمدد عمرها؛ فالأصول تباع مرة واحدة، أما الديون وفوائدها فتعود كل عام، وتتحول من بند مالي إلى قيد دائم على القرار الوطني.

 

صفقة وطنية تكسر الحاجز ولا تنهي نفوذ الجيش

 

وقعت شركة طاقة عربية اتفاقاً في 11 يونيو 2026 للاستحواذ على حصة 10% في شركة جديدة تدير نحو 172 محطة وقود تابعة لعلامة وطنية، المملوكة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية.

 

وبناءً على ذلك، تمثل الصفقة أول بيع جزئي معلن لأصول مرتبطة بالقوات المسلحة في التاريخ المصري الحديث، وهي خطوة تكسر حاجزاً سياسياً واقتصادياً ظلت الحكومات تتجنبه سنوات طويلة.

 

لكن المفارقة أن هذه الصفقة لا تعني خروج الجيش من الاقتصاد، لأن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية يملك أصلاً حصة 20% في طاقة عربية، ما يجعل البيع انتقالاً معقداً لا تخارجاً صافياً.

 

كما أن الاتفاق يمنح طاقة عربية إدارة وتشغيل الشركة الجديدة، مع حق زيادة حصتها بنسبة 15% إضافية بعد الطرح في البورصة، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة ترتيب أوسع لملكية وطنية.

 

غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق باسم المستثمر فقط، بل بطبيعة الأصل المباع؛ فمحطات الوقود التابعة لوطنية كانت ضمن رموز التوسع الاقتصادي العسكري، وبيع حصة منها يعلن مرحلة جديدة.

 

ومن ناحية أخرى، كتب الباحث يزيد صايغ أن القوة الاقتصادية المتنامية للمؤسسة العسكرية أضرت بالشركات غير العسكرية، وأن القطاع الخاص كثيراً ما يواجه منافسة غير متكافئة أمام الكيانات العسكرية وشبه الحكومية.

 

لذلك، فإن بيع حصة محدودة لا يكفي لإصلاح السوق إذا بقيت قواعد المنافسة غامضة، وبقيت الشركات المرتبطة بالدولة قادرة على الاحتفاظ بامتيازات النفوذ والأرض والعقود والتمويل.

 

في المقابل، يرى زياد بهاء الدين أن خروج الدولة الكامل من الاقتصاد حديث غير واقعي، لكنه شدد على ضرورة صياغة علاقة واضحة ومطمئنة بين الدولة والقطاع الخاص تقوم على تكامل وقواعد معلنة.

 

وهذا يعني أن المشكلة ليست في وجود الدولة وحده، بل في غياب الشفافية والحياد التنافسي، وفي تحويل التخارج إلى صفقات فوقية لا يعرف المواطن تفاصيل تقييمها ولا مصير حصيلتها.

 

ضرائب جديدة ومواطن يدفع فاتورة الإصلاح المزعوم

 

إلى جانب صفقات الأصول، جاءت تعديلات ضريبية لتكمل شروط المراجعة، وتشمل فرض ضرائب على إيجارات العقارات التجارية وإنتاج الغاز الطبيعي، مع دخولها حيز التنفيذ في بداية السنة المالية الجديدة.

 

وبهذا، لا تكتفي الحكومة ببيع أصول عامة تحت ضغط الصندوق، بل تمد يدها إلى قطاعات اقتصادية داخلية، ما يعني أن المواطن والمستثمر المحلي سيدفعان جزءاً مباشراً من تكلفة الاتفاق.

 

علاوة على ذلك، فإن فرض ضرائب جديدة في بيئة يعاني فيها السوق من ركود وغلاء يهدد بنقل العبء إلى المستهلك النهائي، لأن أصحاب الأنشطة سيعوضون الزيادة عبر الأسعار والخدمات.

 

كما جاءت صفقة شركة الكازار الإماراتية بقيمة 420 مليون دولار لتشغيل وتطوير مزرعة رياح جبل الزيت، ضمن موجة بيع وتشغيل للأصول تقول الحكومة إن حصيلتها ستذهب لخفض الدين العام.

 

غير أن توجيه الحصيلة إلى خفض الدين لا يبدد المخاوف، لأن المشكلة لا تكمن في أصل واحد أو صفقة واحدة، بل في نمط إدارة يبيع الأصول لسداد التزامات صنعها التوسع في الاقتراض.

 

ومن ثم، فإن الحديث عن رفع مساهمة القطاع الخاص إلى أكثر من 65% بحلول 2030 يبدو إيجابياً في ظاهره، لكنه يصبح خطيراً إذا تحول إلى خصخصة انتقائية بلا رقابة شعبية.

 

في السياق ذاته، حذرت مؤسسات دولية من ضرورة خلق مجال منافسة متكافئ بين الشركات المملوكة للدولة والقطاع الخاص، وهو تحذير يعني أن البيع وحده لا يصنع سوقاً عادلة.

 

وفوق ذلك، فإن المستثمرين الأجانب في أدوات الدين ينظرون إلى المراجعة السابعة باعتبارها مؤشر استقرار، بينما ينظر المواطن إليها كفاتورة جديدة، بين ضرائب وبيع أصول ووعود مؤجلة بالتحسن.

 

هكذا، تصبح الشريحة السابعة عنواناً لمعادلة مختلة: الصندوق يحصل على شروطه، المستثمر يراقب عوائده، الحكومة تكسب وقتاً جديداً، بينما يفقد المواطن جزءاً من ملكية عامة ويدفع ضرائب إضافية.

 

وفي النهاية، لا يمكن تسمية ما يجري إصلاحاً كاملاً إذا كان يبدأ ببيع أصول الجيش لأول مرة، ويمر عبر ضرائب جديدة، وينتهي عند شريحة 1.6 مليار دولار تبقي الأزمة قائمة.