يعيد مشروع قانون الأسرة الجديد المعروض على مجلس النواب تنظيم ملف النفقة داخل الأسرة، عبر مواد تحدد المسؤوليات المالية بين الآباء والأبناء والنساء غير القادرات على الإنفاق، في محاولة لوضع قواعد أوضح لقضايا تعد من أكثر الملفات اشتعالاً أمام محاكم الأسرة.
ولا يقف مشروع القانون عند ترتيب الالتزامات المالية بصورة جامدة، بل يقترب من منطقة شديدة الحساسية في الحياة اليومية للمواطنين، حيث تتحول النفقة في حالات الطلاق والترمل والنزاع الأسري إلى معركة بقاء، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قدرة كثير من الأسر على الوفاء بالاحتياجات الأساسية.
ويأتي الاهتمام بمواد النفقة لأن هذا الملف لا يتعلق بالزوجين وحدهما، بل يمتد إلى الأطفال والبنات والنساء اللاتي فقدن مصدر الإعالة، سواء بسبب الطلاق أو وفاة الزوج أو انعدام الدخل، وهو ما يجعل النصوص الجديدة ذات أثر مباشر على الاستقرار الاجتماعي والمعيشي.
نفقة المطلقة والأرملة بين الحماية والعبء العائلي
تنص المادة 161 من مشروع قانون الأسرة الجديد على أن نفقة المطلقة أو الأرملة تكون على أبيها إذا لم يكن لديها مال أو مصدر دخل يكفي للإنفاق على نفسها، وذلك ما لم يوجد شخص آخر تجب عليه النفقة وفقاً لأحكام القانون.
ويهدف هذا النص إلى منع ترك المرأة بلا مورد بعد الطلاق أو وفاة الزوج، خصوصاً إذا لم تكن تعمل أو لا تملك دخلاً ثابتاً يكفي احتياجاتها الأساسية من سكن وطعام وعلاج وملبس، وهي حالات تتكرر كثيراً داخل محاكم الأسرة.
غير أن النص يفتح في الوقت نفسه نقاشاً واسعاً حول نقل عبء الإعالة إلى الأب، خاصة إذا كان مسناً أو محدود الدخل أو يعول أسرة أخرى، ما يجعل التطبيق العملي مرهوناً بقدرة القضاء على تقدير الحاجة الفعلية والقدرة المالية للطرف الملزم بالنفقة.
وتكمن أهمية المادة في أنها تحدد جهة يمكن الرجوع إليها قانونياً عند انعدام مصدر الدخل، بدلاً من ترك المطلقة أو الأرملة في فراغ قانوني أو اجتماعي، لكنها تحتاج إلى ضوابط واضحة حتى لا تتحول إلى عبء جديد داخل أسر فقيرة أصلاً.
فالمرأة التي تخرج من تجربة طلاق أو ترمل لا تواجه فقط أزمة مالية، بل تواجه أحياناً ضغوطاً اجتماعية ونفسية ومسؤوليات أسرية، خصوصاً إذا كانت تعول أطفالاً أو لا تملك مؤهلاً يسمح لها بدخول سوق العمل بسرعة.
نفقة الأبناء والبنات مسؤولية لا تنتهي بالعلاقة الزوجية
وفقاً للمادة 157 من مشروع القانون، تظل نفقة الأبناء واجبة على الأب إذا لم يكن للصغير مال يكفي للإنفاق عليه، باعتباره المسؤول الأول عن رعاية أبنائه وتوفير احتياجاتهم الأساسية من مأكل وملبس وتعليم وعلاج.
ويمثل هذا النص تأكيداً لمبدأ مستقر في قوانين الأحوال الشخصية، وهو أن انتهاء العلاقة الزوجية لا يسقط مسؤولية الأب تجاه أبنائه، لأن الطفل ليس طرفاً في النزاع ولا يجوز أن يدفع ثمن الخلاف بين الوالدين.
وتتسع النفقة هنا لتشمل الضروريات المعيشية والتعليمية والصحية، وهي أمور لم تعد بسيطة في ظل ارتفاع الأسعار وتزايد تكاليف المدارس والعلاج والمواصلات، ما يجعل تقدير النفقة قضية شديدة الحساسية داخل المحاكم.
أما بالنسبة للبنت، فقد حدد مشروع القانون الحالات التي تنتهي فيها نفقتها، إذ تستمر حتى زواجها أو حصولها على دخل من عمل أو مصدر رزق يكفي احتياجاتها المعيشية بصورة مستقرة.
ويعني ذلك أن التزام الأب بالإنفاق على ابنته لا يتوقف بمجرد بلوغها سناً معينة، بل يرتبط بقدرتها الفعلية على إعالة نفسها، وهو توجه يستجيب لطبيعة الواقع الاجتماعي الذي قد تواجه فيه الفتاة صعوبة في إيجاد عمل مناسب أو دخل كاف.
لكن هذا النص يحتاج أيضاً إلى دقة في التطبيق، لأن مجرد وجود عمل لا يعني بالضرورة كفاية الدخل، فهناك وظائف بأجور ضعيفة لا تكفي السكن والمواصلات والطعام، ما يستوجب فحصاً واقعياً لا شكلياً عند تحديد سقوط النفقة.
تقليل النزاعات أم فتح باب جديد للخصومات؟
يستهدف مشروع قانون الأسرة الجديد تنظيم المسؤوليات المالية داخل الأسرة بصورة أوضح، وتقليل النزاعات المتعلقة بالنفقات أمام محاكم الأسرة، من خلال جمع الأحكام المنظمة لهذا الملف داخل إطار قانوني أكثر تحديداً.
وتعد قضايا النفقة من أكثر الملفات تأثيراً في الحياة اليومية، لأنها تمس احتياجات لا تحتمل التأجيل، فالطعام والعلاج والتعليم والسكن ليست مسائل ترفيهية، بل شروط أساسية لحياة كريمة داخل الأسرة وبعد تفككها.
ومن الناحية العملية، فإن نجاح النصوص الجديدة لن يتوقف على صياغتها فقط، بل على سرعة الفصل في القضايا، ودقة تقدير الدخل الحقيقي، ومنع التحايل بإخفاء الموارد، وضمان تنفيذ الأحكام دون تعطيل طويل.
فكثير من الأزمات لا تبدأ من غياب النص، بل من صعوبة التنفيذ، حيث تحصل المرأة أو الحاضنة على حكم نفقة ثم تدخل في رحلة أخرى لتحصيل المبلغ، ما يحول الحق القانوني إلى معركة استنزاف.
لذلك، فإن تنظيم النفقة داخل مشروع قانون الأسرة يجب أن يقترن بآليات تنفيذ فعالة، وربط إلكتروني أو إداري يضمن الوصول إلى بيانات الدخل، ويمنع المماطلة، ويحمي الطرف الأضعف من الضياع بين الإجراءات.
وفي النهاية، تكشف مواد النفقة في مشروع قانون الأسرة الجديد أن الدولة تحاول إعادة ترتيب المسؤوليات المالية داخل الأسرة، لكن الاختبار الحقيقي سيبقى في التطبيق، وفي قدرة القانون على تحويل النص إلى حماية فعلية للمطلقة والأرملة والأبناء والبنات غير القادرين على إعالة أنفسهم.

