في تطور يعكس هشاشة المشهد على الحدود اللبنانية الجنوبية، شنت دولة الاحتلال الإسرائيلي سلسلة غارات على بلدة النبطية الفوقا جنوبي لبنان، مساء السبت، في أول تصعيد من نوعه بعد نحو 24 ساعة فقط من إعلان التوصل إلى ما وصف بـ"اتفاق إطار" بين بيروت وتل أبيب برعاية أمريكية في واشنطن.
وجاءت الغارات لتضع الاتفاق الوليد أمام اختبار مبكر، إذ بدت الرسالة الإسرائيلية واضحة: استمرار الضغط العسكري بالتوازي مع المسار السياسي، في وقت يرفض فيه حزب الله أي مفاوضات مباشرة مع الاحتلال، معتبرًا أن ما جرى يمثل مسارًا خطيرًا يمس السيادة اللبنانية ويهدد بتفجير الداخل.
وبحسب وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية، شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارة على بلدة النبطية الفوقا قرابة السادسة والنصف مساء، قبل أن تنفذ مسيرات إسرائيلية أربع غارات إضافية على حي المنزلة والساحة في البلدة نفسها، من دون الإعلان الفوري عن سقوط ضحايا.
ولم يقتصر التصعيد على النبطية الفوقا، إذ أطلقت القوات الإسرائيلية ثلاث قنابل صوتية على بلدة برعشيت في قضاء بنت جبيل، ونفذت عمليات تمشيط باتجاه بلدة بيوت السياد في قضاء صور، كما توغلت في وقت سابق باتجاه أطراف بلدة كفرشوبا في قضاء حاصبيا، بالتزامن مع تمشيط بالأسلحة الرشاشة المتوسطة والثقيلة.
تصعيد ميداني يسبق اختبار الاتفاق
تكتسب الغارات الإسرائيلية خطورتها من توقيتها السياسي، إذ جاءت بعد ساعات قليلة من إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التوصل إلى "اتفاق إطار" بين لبنان وإسرائيل، وهو ما اعتبرته واشنطن خطوة باتجاه تثبيت ترتيبات أمنية وسياسية جديدة على الحدود الجنوبية.
غير أن المشهد الميداني بدا مختلفًا تمامًا عن لغة البيانات الدبلوماسية. فالغارات على النبطية الفوقا، والتحركات العسكرية في كفرشوبا، وإلقاء القنابل الصوتية قرب بلدات جنوبية، كلها مؤشرات على أن الاحتلال يتعامل مع الاتفاق باعتباره غطاءً لمزيد من فرض الوقائع، لا مدخلًا لوقف الاعتداءات أو الانسحاب الكامل.
وتقع كفرشوبا ضمن المنطقة القريبة من الحدود الجنوبية الشرقية، وهي من المناطق التي يقول الاحتلال إنه يعتبرها جزءًا من نطاق أمني مستحدث، بعمق يصل إلى عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، بعد الحرب الأخيرة على الجنوب. وهذا ما يعمّق المخاوف اللبنانية من تحويل "اتفاق الإطار" إلى بوابة لتكريس احتلال مقنّع تحت عنوان الترتيبات الأمنية.
حزب الله يرفض المفاوضات: اتفاق بلا أرضية
في المقابل، صعّد حزب الله موقفه السياسي ضد الاتفاق، إذ أكد عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب حسن فضل الله رفض الحزب للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، معتبرًا أن هذا المسار يقوض سيادة لبنان ويدفع البلاد نحو انقسامات داخلية خطيرة.
وقال فضل الله، في تصريحات وتعليقات أعقبت توقيع الاتفاق في واشنطن، إن السلطة اللبنانية مطالبة بالتراجع عن هذا المسار، واصفًا ما جرى بأنه "مسار تنازلي مجاني" لا يخدم سوى مصلحة الاحتلال الإسرائيلي، محذرًا من أنه سيؤدي إلى "تخريب البلد".
كما نفى فضل الله ما تردد عن مشاركة أسماء من حزب الله أو شخصيات عسكرية في صياغة موقف لبنان من المفاوضات، مؤكدًا أن ما أُبلغ للسلطات اللبنانية كان واضحًا ومحددًا: رفض الحزب لأي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وعدم منح شرعية سياسية أو وطنية لهذا المسار.
وفي رسالة مباشرة إلى رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، قال فضل الله إن نتنياهو "كان يفاوض نفسه"، مضيفًا أنه اتفق "مع من لا يملك"، في إشارة إلى أن أي تفاهم لا يحظى بقبول المقاومة ولا يعكس ميزان القوى في الميدان، لن تكون له قيمة عملية على الأرض.
السيادة بين واشنطن والميدان
يرى حزب الله أن جوهر الأزمة لا يتعلق بصيغة تفاوضية فحسب، بل بمحاولة فرض واقع سياسي جديد على لبنان تحت الضغط الأمريكي والإسرائيلي. ولذلك وصف فضل الله السلطة اللبنانية بأنها "فاقدة للشرعية الدستورية والميثاقية"، معتبرًا أنها لا تملك صلاحية فرض ما تم الاتفاق عليه في واشنطن.
وذهب النائب اللبناني إلى التحذير من أن تنفيذ الاتفاق لن يكون ممكنًا إلا عبر دفع البلاد، بدعم أمريكي، نحو حرب أهلية، مشددًا على أن المقاومة لن تسمح بتسليم مصير لبنان أو تدمير معادلة الحماية التي فرضتها خلال السنوات الماضية.
ويؤكد هذا الخطاب أن حزب الله يتعامل مع الاتفاق باعتباره مواجهة سياسية وميدانية في آن واحد. فالحزب يربط أي تسوية بانسحاب الاحتلال الكامل ووقف الاعتداءات برًا وبحرًا وجوًا، وهو الموقف الذي كرره الأمين العام للحزب نعيم قاسم، مؤكدًا أن إسرائيل لا تملك خيارًا سوى الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية.
وفي ظل استمرار الغارات الإسرائيلية والتحركات العسكرية جنوبًا، تبدو الساعات المقبلة حاسمة في تحديد مصير اتفاق واشنطن. فإما أن يتحول إلى إطار هش بلا قدرة على وقف النار، أو يصبح شرارة جديدة لتصعيد أوسع، عنوانه الصراع بين اتفاق يُكتب في العواصم وميدان لا يزال يقول كلمته على الحدود.

