حذرت منظمة أطباء بلا حدود من انهيار وشيك للخدمات الأساسية في ولاية النيل الأزرق جنوب شرق السودان، بعد أن وجد أكثر من 100 ألف نازح وعائد أنفسهم في محيط مدينة الدمازين، وسط نقص حاد في المياه والرعاية الصحية والصرف الصحي، ما يفتح الباب أمام كارثة إنسانية وصحية واسعة.

 

ولا تبدو الأزمة مجرد فصل جديد في مأساة السودان الطويلة، بل جرس إنذار يكشف كيف تحولت الحرب إلى آلة سحق يومية للمدنيين، حيث يفر الناس من الرصاص ليجدوا أنفسهم في مواجهة الجوع والمرض والعطش، وسط تراجع التمويل الدولي وضعف الاستجابة الإنسانية.

 

أكثر من 100 ألف نازح على أبواب الدمازين

 

تؤكد المعطيات الميدانية أن محيط مدينة الدمازين تحول إلى نقطة تجمع كبيرة للنازحين والعائدين، بعدما دفعت المواجهات المسلحة آلاف الأسر إلى ترك منازلها والبحث عن ملاذ آمن، لكن الواقع الذي وجدته هناك لم يكن أقل قسوة من الخطر الذي هربت منه.

 

ويعيش أكثر من 100 ألف شخص في ظروف شديدة الصعوبة، حيث تتكدس الأسر في مناطق تفتقر إلى المياه النظيفة ومرافق الصرف الصحي والخدمات الطبية الأساسية، بينما تتآكل قدرة المجتمع المحلي على استيعاب موجات النزوح المتواصلة.

 

وتحذر منظمة أطباء بلا حدود من أن الخدمات الأساسية في الولاية باتت على حافة الانهيار، لأن النظام الصحي كان يعاني أصلا من ضعف مزمن قبل تصاعد الصراع، ثم جاءت الحرب لتدفعه إلى مرحلة العجز الكامل عن تلبية الاحتياجات المتزايدة.

 

ويظهر هذا الانهيار في نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وتراجع عدد الكوادر الصحية، وصعوبة الوصول إلى المرافق العلاجية، وهي عوامل تجعل أي إصابة بسيطة أو مرض قابل للعلاج تهديدا حقيقيا لحياة النازحين، خاصة الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل.

 

ولا تقف المشكلة عند المستشفيات والمراكز الصحية وحدها، فغياب المياه النظيفة ومرافق الصرف الصحي يحول المخيمات والتجمعات السكانية إلى بيئة خطرة، قابلة لتفشي الأمراض بسرعة، خصوصا في ظل الاكتظاظ وغياب أدوات الوقاية والمراقبة الطبية المنتظمة.

 

سوء التغذية وموسم الأمطار يضاعفان الخطر

 

تتزايد المخاوف من ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد في ولاية النيل الأزرق، خصوصا بين الأطفال والنساء الحوامل، في وقت تفقد فيه الأسر النازحة مصادر دخلها وغذائها، وتعجز عن تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية.

 

ويعني سوء التغذية في مثل هذه الظروف أن جسد الطفل يصبح أقل قدرة على مقاومة المرض، وأن أي عدوى أو إسهال أو حمى قد تتحول إلى خطر قاتل، خاصة مع ضعف الرعاية الصحية وقلة الأدوية وانعدام التغذية العلاجية الكافية.

 

وتزداد الصورة قتامة مع دخول موسم الأمطار، إذ تحذر المنظمات الإنسانية من احتمالات تفشي الكوليرا والملاريا وأمراض أخرى مرتبطة بتلوث المياه وتكاثر البعوض، في مناطق لا تملك بنية صحية قادرة على مواجهة موجة وبائية واسعة.

 

وبين الجوع والمرض والمطر، يجد النازحون أنفسهم أمام دائرة مغلقة من الخطر، فالأرض الموحلة تعيق الحركة، والمياه الراكدة تنشر العدوى، والمرافق الصحية المتهالكة لا تملك القدرة على الاستجابة، بينما تتأخر المساعدات أو تصل بأقل من المطلوب.

 

ولهذا دعت منظمة أطباء بلا حدود المانحين الدوليين والوكالات الإنسانية إلى التحرك العاجل، عبر زيادة التمويل وتوسيع التدخلات الطبية والغذائية وتوفير المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي، قبل أن تتحول الأزمة الحالية إلى انفجار وبائي يصعب احتواؤه.

 

لكن خطورة النداء تكمن في أنه يأتي وسط تراجع عالمي في تمويل الاستجابة الإنسانية، وهو ما يترك آلاف الأسر السودانية في مواجهة مصيرها وحدها، كأن حياة النازحين يمكن تأجيلها إلى حين انتهاء الحسابات السياسية والمالية للمانحين.

 

الحرب السودانية تصنع خرائط جديدة للموت

 

تأتي أزمة النيل الأزرق ضمن مشهد سوداني أوسع، حيث أدى الصراع المسلح إلى نزوح واسع وانهيار خدمات أساسية في ولايات عدة، بينما تتكرر التحذيرات من تمدد الجوع والمرض في بلد أنهكته الحرب وانسداد الأفق السياسي.

 

وتشير بيانات النزوح إلى أن عشرات الآلاف فروا من مناطقهم بين يناير ومايو 2026، مع استمرار تدفق الأسر نحو الدمازين والمناطق المحيطة بها، وهو ما جعل الموارد المحدودة أصلا عاجزة عن تغطية الحد الأدنى من الاحتياجات.

 

ولا يمكن فصل هذه المأساة عن استمرار القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وما خلّفه من تدمير للبنية التحتية وتعطيل لمسارات الإغاثة وإضعاف قدرة السلطات والمنظمات على الوصول إلى المتضررين في الوقت المناسب.

 

وتتوازى هذه الأزمة مع تقارير أممية تحذر من اتساع خطر الجوع الحاد في السودان، بعدما أصبح البلد ضمن أخطر بؤر الجوع في العالم، في مؤشر يعكس حجم الانهيار الذي يضرب الأمن الغذائي والصحي معا.

 

وبينما تتصدر الأرقام بيانات المنظمات، يبقى المدنيون هم الوجه الحقيقي للكارثة: أم تبحث عن ماء نظيف لطفلها، ومريض ينتظر دواء غير موجود، وأسرة هربت من القتال لتعيش في مركز إيواء لا يحميها من الجوع ولا المرض.

 

ومن ثم، فإن إنقاذ ولاية النيل الأزرق لا يحتاج إلى بيانات قلق جديدة، بل إلى استجابة عاجلة ومباشرة، تبدأ بتوفير الغذاء والمياه والدواء وخدمات الصرف الصحي، وتفتح ممرات آمنة لوصول المساعدات إلى كل المتضررين دون تعطيل.

 

وفي النهاية، تكشف مأساة الدمازين أن الحرب في السودان لم تعد تقاس بعدد الجبهات فقط، بل بعدد المدنيين الذين يسقطون خارج نشرات القتال، في المخيمات المزدحمة، والمستشفيات الخاوية، ومناطق النزوح التي تنتظر إغاثة قد تأتي متأخرة.