كشفت مصادر اقتصادية عن اقتراب صندوق النقد الدولي من الإفراج عن 1.6 مليار دولار لمصر، بعد استيفاء حكومة الانقلاب شروط المراجعة السابعة، بما يمهد لاتفاق خبراء جديد يربط التمويل ببيع أصول عامة.
سياسيا، لا تبدو الشريحة الجديدة إنقاذا مجانيا لاقتصاد مأزوم، بل فاتورة مشروطة يدفعها المواطن مرتين، مرة عبر الغلاء والضرائب، ومرة عبر تحويل الملكية العامة إلى أوراق تفاوض مع الدائنين.
تمويل مشروط وبلد محاصر بالديون
وفق ذلك، أكدت جولي كوزاك المتحدثة باسم صندوق النقد أن مناقشات المراجعة السابعة تتقدم، وأن الهدف عقد اجتماع المجلس خلال الصيف، بما يتيح صرف نحو 1.6 مليار دولار لمصر.
في المقابل، يظل الصمت الرسمي المصري لافتا، لأن الحكومة تفضل إعلان النجاح حين يصل المال، وتتهرب من شرح الثمن السياسي والاجتماعي لشروط تمتد من سعر الصرف إلى بيع الأصول.
وبالتالي، فإن الحديث عن استيفاء المعايير لا يعني تحسن حياة الناس، بل يعني أن الدولة نفذت ما يكفي لإرضاء الدائن، بينما بقي المواطن أمام أسعار أعلى وخدمات أضعف ودخل متآكل.
كما أن برنامج التمويل البالغ 8 مليارات دولار لم يعد مجرد قرض، بل صار إطارا لإعادة تشكيل الاقتصاد المصري، عبر تقليص حضور الدولة في قطاعات وفتح الباب لصفقات انتقائية.
لذلك، يقرأ الخبير الاقتصادي تيموثي كلداس برامج الصندوق في مصر باعتبارها وصفة تقشفية أضعفت الطلب المحلي وزادت الفقر، بينما لم تنجح في بناء اقتصاد منتج أو قطاع خاص قوي.
ومن ثم، يصبح السؤال الحقيقي ليس متى تصل الشريحة، بل كم أصل عام سيباع قبلها، وكم ضريبة جديدة ستفرض بعدها، ومن يملك حق محاسبة السلطة على هذه التنازلات.
غير أن الحكومة تقدم الالتزام بسعر صرف مرن كعلامة انضباط، بينما يشعر المواطن بمرونته في جيبه فقط، حين يتحرك الدولار فتقفز الأسعار ولا تتحرك الأجور بالسرعة نفسها.
بيع وطنية وجبل الزيت كجسر إلى الصندوق
علاوة على ذلك، جاءت صفقة محطات وطنية لتكشف أن الخصخصة اقتربت من أصول حساسة، بعدما حصلت طاقة عربية على حصة 10% في شركة تدير 172 محطة وقود.
وبناء على ذلك، لا تبدو الصفقة مجرد شراكة تشغيلية، بل اختبارا سياسيا لبيع جزئي في أصول مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، تحت عنوان توسيع مشاركة القطاع الخاص وتحسين الإدارة.
في السياق نفسه، منحت صفقة جبل الزيت شركة الكازار للطاقة حق الاستثمار والتشغيل والإدارة في مزرعة رياح بقدرة 580 ميغاوات، مقابل استثمار معلن قدره 420 مليون دولار.
أما خطورة الصفقة، فتتمثل في أن منشأة طاقة قائمة ومرتبطة بالبنية التحتية تتحول إلى مصدر سيولة عاجلة، بدلا من إدارتها ضمن رؤية وطنية طويلة الأجل لحماية أصول الطاقة.
كذلك، يرى الباحث يزيد صايغ أن سياسة ملكية الدولة تواجه عقبات حقيقية، لأن تقليص دور الدولة لا ينجح ما لم يشمل شفافية كاملة ومنافسة عادلة ومساءلة للمؤسسات الاقتصادية النافذة.
على هذا الأساس، تبدو صفقة وطنية ناقصة الشفافية، إذ لم تعلن القيمة المالية بوضوح، ولم تعرض تفاصيل التقييم للرأي العام، رغم أن الأصل محل الصفقة تراكم من المال العام.
فضلا عن ذلك، فإن بيع الأصول لا يعالج أصل الأزمة، لأن الدولة تستبدل موردا مستمرا بعائد مرة واحدة، ثم تعود بعد شهور إلى الديون والضرائب لتغطية الفجوة نفسها.
ومن ناحية أخرى، تستخدم السلطة مفردات مثل التخارج والشراكة وتعظيم العائد، لكنها لا تجيب عن سؤال الملكية العامة، ولا عن مصير العوائد، ولا عن رقابة البرلمان والمجتمع.
ضرائب جديدة ومواطن يدفع الحساب
لزيادة الإيرادات، تتجه الحكومة إلى توسيع الوعاء الضريبي عبر تعديلات تشمل الغاز الطبيعي وإيرادات تأجير العقارات التجارية، في مسار يربط استرضاء الصندوق بمزيد من السحب من جيوب المواطنين.
ثم إن وثيقة ملكية الدولة الجديدة حتى 2030 ترفع شعار زيادة مساهمة القطاع الخاص إلى أكثر من 65%، لكنها لا تضمن وحدها عدالة المنافسة أو منع الاحتكار أو حماية العمال.
ومن زاوية المستثمرين، قال ليزلي ماسدورب رئيس مؤسسة الاستثمار البريطانية الدولية إن جذب الاستثمار يحتاج إلى تسوية الملعب بين الدولة والقطاع الخاص، بما يعني أن المشكلة أعمق من بيع حصص متفرقة.
إلا أن تسوية الملعب في بلد محكوم بامتيازات غير معلنة لا تتحقق ببيانات حكومية، بل بإتاحة المعلومات، ونشر عقود البيع، وإخضاع الكيانات السيادية والاقتصادية للقواعد نفسها.
في المحصلة، تتحول كل شريحة من الصندوق إلى محطة اختبار ولاء اقتصادي، حيث تثبت الحكومة أنها مستعدة للبيع والجباية، بينما لا تثبت أنها مستعدة للشفافية أو الحماية الاجتماعية.
وبالمثل، فإن تداعيات حرب إيران والاضطراب الإقليمي منحت السلطة مبررا جديدا للأزمة، لكنها لم تصنع الأزمة وحدها، لأن جذورها تمتد إلى الديون والمشروعات المكلفة وغياب الأولويات.
لذلك، فإن الإفراج المحتمل عن 1.6 مليار دولار لن يكون نهاية الأزمة، بل تأجيلا قصيرا لها، ما دام الاقتصاد يعتمد على بيع الأصول لا على الإنتاج والتصدير والرقابة الشعبية.
ختاما، تبدو القاهرة وهي تطرق باب الصندوق محملة بمحطات وقود ومزارع رياح وضرائب جديدة، بينما يقف المواطن خارج الصفقة، مطالبا بالصبر على فاتورة لم يشارك في كتابتها.

