محمد أبو رمان
أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع
لم تكن معارك الحرب الأميركية ــ الإسرائيلية ضد إيران تدور فقط على خطوط النار، بل على خطوط الشرعية السياسية الداخلية. لذلك، لم يكن السؤال عمّن انتصر عسكريًا فقط، بل عمّن سيتمكّن من إقناع جمهوره بأنّه انتصر، ومن سيحتكر تفسير ما جرى، ومن سيحوّل نتائج الحرب إلى رصيد سياسي في المرحلة التالية.
كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يخوض معركتين في وقت واحد: خارجية مع إيران، وداخلية تتعلق بإرثه السياسي وبالانتخابات المقبلة، مع خصومه الديمقراطيين، وهو غدًا مقبل على انتخابات نصفية تاريخية. أما في إسرائيل، فقد كان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يخوض معركة مصيرية على مستويات متعدّدة، وفق موازنات معقدة ما بين الداخل والخارج وتحالفه وخصومه ومستقبله السياسي والمحكمة التي تنتظره. وفي إيران، تداخلت الحرب بصورة غير مسبوقة مع أسئلة الخلافة وما بعد خامنئي الأب وشكل النظام في العقود المقبلة.
استند النظام الإيراني على امتداد أكثر من أربعة عقود، إلى ثلاثة مصادر رئيسية للشرعية: الشرعية الثورية المستمدة من ثورة 1979، والشرعية الدينية المستندة إلى ولاية الفقيه، وشرعية المقاومة والمواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. غير أنّ هذه المصادر الثلاثة تعرّضت خلال السنوات الأخيرة لاختبارات قاسية.
لم تعش الأجيال الجديدة تجربة الثورة، ولم تعد الشرعية الدينية تملك القدرة التعبوية نفسها التي امتلكتها في الثمانينيات والتسعينيات. أما محور المقاومة، فقد تعرّض لضربات عسكرية واستراتيجية كبيرة في المرحلة الماضية. لذلك، السؤال المطروح اليوم داخل إيران ليس فقط كيف يحافظ النظام على نفسه، بل كيف يعيد إنتاج شرعيته في ظروفٍ مختلفة تمامًا عن التي نشأ فيها. ... بمعنى أنّ اللحظة التاريخية للحرب أخيرًا تشكل بحدّ ذاتها منعرجًا تاريخيًا كبيرًا؛ فيما بعد التظاهرات العارمة التي عمّت إيران احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية والسياسية بالتزامن مع مقتل المرشد الأعلى، الذي مثّل سياسات الجمهورية الثانية والعلاقات المتوازنة وموازين القوى فيها، تظهر فكرة "الجمهورية الثالثة"، وما تثيره من تساؤلاتٍ كبرى؛ منها ما يتعلّق بالشرعية السياسية، ومنها ما يتعلّق بالدور الإقليمي الإيراني وبموازين القوى في الداخل مع المرشد الجديد. والأهم من هذا وذاك كيف سينعكس هذا كله على سؤال الرواية والشرعية والأيديولوجيا في المرحلة المقبلة، هل سنكون أمام تحولات كبيرة على هذه المستويات أم بعضها؟!
تتبدى المفارقة الرئيسية في أنّ هذا التحول لا يقود، بالضرورة، إلى تراجع نفوذ الحرس الثوري، بل ربما إلى العكس تمامًا. فكلما تراجعت القدرة التعبوية للأيديولوجيا، ازدادت أهمية المؤسّسات الصلبة التي تحمي النظام. ولهذا السبب يبدو الحديث عن "عسكرة الجمهورية الثالثة" مهمًّا في طور الفرضية التي تقول بانتقال مركز الثقل تدريجيًا من رجال الدين إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية والتكنوقراطية المرتبطة بها.
على الجهة المقابلة، يسعى الرئيس بزشكيان لبناء شرعية مختلفة، فمصدر قوته لا يأتي من الثورة أو من المؤسّسة العسكرية، بل من الأمل بإعادة تشغيل الاقتصاد الإيراني وتخفيف العقوبات واستعادة جزءٍ من الأموال المجمّدة. ولهذا لن يُقاس نجاحه أو فشله بالشعارات الأيديولوجية، بل بمعدّلات التضخم والنمو وفرص العمل والاستقرار الاجتماعي.
لهذا ليست المعركة المقبلة في إيران حول الاتفاق نفسه، بل توظيفه في المعركة الداخلية؛ من الذي أنقذ إيران؟ ومن الذي فرض شروطه؟ ومن الذي يمتلك حق رسم المرحلة التالية؟ تبدو هذه الأسئلة اليوم أكثر أهمية من تفاصيل المذكرة نفسها.
ستوفر الأموال التي ستتدفق إلى إيران (إذا نُفِّذ الاتفاق)، ستوفر للنظام متنفسًا اقتصاديًا مهمًا، لكنها لن تحلّ المعضلة الأساسية، فالأزمة الحقيقية العابرة للحرب إلى ما قبلها وما بعدها تتمثّل بأزمة الشرعية السياسية. وقد يكون هذا هو السؤال الذي يجب أن ننظر من خلاله إلى إيران اليوم، فالحرب لم تحسم شكل الشرق الأوسط فقط، بل أيضًا فتحت الباب أمام معركة أعمق داخل إيران نفسها. وإذا كانت العقود السابقة قد دارت حول سؤال بقاء الجمهورية الإسلامية، فإنّ المرحلة المقبلة ستدور حول سؤال مختلف تمامًا: أي جمهورية إسلامية ستبقى؟ وأي صيغة جديدة ستولد من رحم هذه التحوّلات؟

