تعد الجامعات معقلاً من معاقل السياسة في تاريخ مصر الحديث، ولطالما اشتعلت من خلالها المظاهرات والاحتجاجات في الأحداث المقصلية الكبرى، من خلال التفاعل الواسع من جانب الطلاب، مما جعلها تتحول في كثير من المحطات الإيجابية والمفصلية من مجرد مؤسسات تعليمية إلى مراكز لصناعة النخبة، وساحات للاحتجاج، ومختبرات لتشكيل الوعي القومي.

 

لكن الوضع تغير الآن للأسوأ، حيث بات الطلاب في الجامعات يتجنبون خوص النقاش في الموضوعات والقضايا السياسية، او التعاطي معها من قريب أو بعيد داخل الحرم الجامعي خوفًا من إمكانية تعرضهم  للاعتفال أو الفصل.

 

الحراك الاحتجاجي والتظاهر خط أحمر


وأصبح الحراك الاحتجاجي والدعوات للتظاهر خطًا أحمر مطلقًا داخل الجامعات، على عكس ما كان عليه الحال بعد ثورة 25 يناير 2011، وحتى ما قبلها إبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، حيث كانت الجامعات مسرحًا تعج بالأنشطة الطلابية، ولا تهدأ الحركة بين جدارنها بفعل النشاط الواسع الذي تشهده أروقتها.


وحتى الانتخابات والأنشطة الحزبية داخل الحرم الجامعي أصبحت من بين الأمور التي يتفادها الطلاب، لتجنب الاتهام بالترويج لأي تيار سياسي أو حزبي، فيما تقتصر الأنشطة على العمل الخدمي، الترفيهي، أو الأسر الطلابية المعتمدة.


وفرضت قيود وشروط صارمة على الترشح لانتخابات الاتحادات الطلابية تتيح استبعاد الطلاب ذوي التوجهات السياسية والمستقلة. وتمنح اللوائح الجديدة الحق لإدارات الجامعات بتعيين أعضاء في الاتحادات حال عدم اكتمال النصاب القانوني للتصويت.


في المقابل، بزغت أسماء كيانات مثل أسرة طلاب من أجل مصر لتصبح الذراع التنظيمي الوحيد المدعوم رسميًا لإدارة الأنشطة والانتخابات داخل معظم الجامعات المصرية.
وإمعانُا في التنكيل، يتم إحالة الطلاب الذين يشاركون في احتجاجات أو أنشطة غير مصرح بها إلى مجالس التأديب الجامعية. 

 

الرقابة الذاتية بين الطلاب


أدت البيئة الأمنية والإدارية الصارمة داخل الجامعات المصرية إلى نشوء ظاهرة الرقابة الذاتية بين الطلاب، خوفًا من العواقب المحتملة التي قد تهدد مستقبلهم الدراسي أو الشخصي 


ويمكن رصد ذلك في العزوف الكامل عن الحديث في السياسة، أو الاقتصاد، أو الشأن العام داخل قاعات الدراسة والممرات الجامعية، وإغلاق الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي أو استخدام أسماء مستعارة، حيث يلجأ بعض الطلاب إلى مسح تدويناتهم القديمة، أو تفضيل الحسابات المغلقة بأسماء وهمية للتعبير عن آرائهم بحذر.


كما تراجع الإقبال على الترشح لانتخابات الاتحادات الطلابية المستقلة، وتجنب الطلاب الانضمام للأسر والأنشطة التي لا تحظى بدعم رسمي واضح، وتحول اهتمامهم نحو أنشطة أخرى أكثر أمانًا.


ويرحج السبب وراء ذلك إلى توسيع صلاحيات رؤساء الجامعات وفصل الطلاب المحتجين أو المنتقدين إدارياً دون تحقيق قضائي. وأيضًا انتشار ظاهرة كتابة التقارير من بعض الطلاب زملائهم لصالح إدارات رعاية الشباب أو الجهات الأمنية لتأمين مكاسب شخصية، إلى جانب تتبع الحسابات الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي واستخدام المنشورات كأدلة إدانة داخل مجالس التأديب.

 

كيف أصبحت الجامعات في مصر مساحة أكاديمية بلا سياسة؟


أصبحت الجامعات في مصر خالية من العمل السياسي نتيجة استراتيجية ممنهجة اعتمدت على إدخال تعديلات تشريعية وإدارية جذرية، لإعادة صياغة أدوار الطلاب والأساتذة على حد سواء، بهدف إنهاء المظاهر الحزبية والاحتجاجية، وتحويل الحرم الجامعي إلى بيئة تعليمية وتنفيذية فقط. وتكمن آلية هذا التحول في تفكيك أدوات التسييس التقليدية واستبدالها بنظام حوكمة محكم. ويتضح ذلك في:


تجريد الإدارات الجامعية من الاستقلالية الانتخابية: التعيين بدلاً من الانتخاب: أُلغي نظام انتخاب رؤساء الجامعات وعمداء الكليات (الذي طُبق لفترة وجيزة بعد ثورة 2011)، واستُبدل بآلية التعيين المباشر بقرارات تصدر عن السلطة التنفيذية.


الولاء الإداري المزدوج: أصبح المسؤول الأكاديمي بموجب هذا النظام مسؤولاً أمام الجهات الإدارية والأمنية التي عيّنته، وليس أمام مجتمع الأساتذة والطلاب، مما دفعه لمنع أي نشاط قد يثير الاضطراب للحفاظ على منصبه.


شرط السيرة الحميدة: تضمنت اللوائح الطلابية المعدلة بنودًا فضفاضة للترشح لانتخابات الاتحادات، من أبرزها "أن يكون الطالب متصفًا بالخلق القويم والسمعة الحسنة". يُوظف هذا البند لاستبعاد أي طالب له نشاط سياسي أو حقوقي مسبق.


الحظر المطلق للشعارات والتنظيمات: حُظرت الأنشطة الممثِلة للأحزاب السياسية، ومُنعت إقامة الندوات، أو توزيع المطبوعات، أو رفع لافتات تحمل صبغة أيديولوجية، وجُرِّم المخالفون جنائيًا أو أكاديميًا.
 تدشين بدائل تنظيمية موجهة


إحلال الأنشطة الترفيهية والتنموية: جرى ملء الفراغ الناجم عن غياب الأحزاب والمجموعات السياسية بفعاليات تركز حصرياً على ريادة الأعمال، والنوادي العلمية، والمسابقات الرياضية، والرحلات الترفيهية.
الكيانات الموالية كقنوات وحيدة: جرى تمرير كافة الأنشطة الطلابية والخدمية من خلال كيانات مرعية رسميًا، مما حصر العمل التطوعي داخل أطر لا تشكل خطرًا على الأمن العام للجامعة، بل وتدعم التوجهات الرسمية للدولة.


التعديلات الفورية للفصل: عُدّل قانون تنظيم الجامعات لمنح رؤساء الجامعات الحق في فصل الطلاب أو الأساتذة المشاركين في أعمال تضر بالعملية التعليمية فورًا ودون انتظار مجالس التأديب المطولة.


تكلفة التعليم المرتفعة: مع التوسع في البرامج التعليمية المدفوعة والجامعات الأهلية والخاصة، أصبح ارتكاب أي مخالفة سياسية يعني المخاطرة بخسارة استثمار مالي ضخم دفعته الأسرة، مما رفع من منسوب الرقابة الذاتية العائلية على الطلاب.